وزير الخارجيّة الإيراني جواد ظريف في إمارة قطر!

ثريا عاصي

تناهى الى العلم الأسبوع الماضي ان الرئيس الأذري قام بزيارة إيران وتباحث مع المسؤولين هناك في موضوع سورية. ما حملني في مقال سابق على التساؤل حول مقاربة هذا الموضوع من جانب قيادة كل من إيران وأذربيجان بناء على ما هو معروف عن علاقة وثيقة تربط الاخيرة بتركيا وبالتالي بالولايات المتحدة الاميركية من جهة، وعلى وجود نوع من الحلف السياسي والأمني يضم كلا من إيران وسورية من جهة ثانية. ينجم عنه أنه من المحتمل ان يكون التواصل الأذري – الإيراني انعكاساً لمساع غايتها التوافق بين طرفي النزاع في الحرب على سورية!
من هنا ينهض السؤال عن دوافع زيارة الوزير الإيراني محمد جواد ظريف الى قطر عقب استقبال الإيرانيين للرئيس الأذري وعما إذا كانت زيارة قطر تندرج في إطار البحث عن تسوية في سورية؟ لا نبالغ في القول أن في قطر أو تحت عنوان قطر، يوجد لاعب كبير، رئيسي في ما يسمى «الربيع العربي»، منذ بداياته وصولاً الى قمة هذا الحدث في سورية ! وغني عن التذكير في هذا السياق ان « اللاعب القطري « من جهة وإيران من جهة ثانية، يتموضع كل منهما في جانب مختلف ومعاد في المواجهة الدائرة في سورية. قطر وإيران هما عدوان في سورية.
استناداً عليه لا شك في ان المسألة السورية ستكون النقطة الرئيسية على جدول أعمال الوزير الإيراني في الإمارة القطرية، التي اجتمعت فيها مكونات «الثورات» العربية من أجل «الديمقراطية». ينبني عليه انه يمكن للوزير الإيراني ان يلتقي في قطر جميع أعداء بلاده الذين يهاجمون الدولة السورية. طبعاً لا أقصد هنا القطريين ولكن القاعدة العسكرية الكبيرة الأميركية، قيادة الاخوان المسلمين ومنظريهم من رجال دين ومفكرين يعملون في الجوقات الإعلامية والدعائية القطرية وإسرائيل.

الرأي عندي هو ان « قطر» ليست في الحقيقة هذه الإمارة الخليجية الصغيرة التي لا يعادل عدد سكانها الأصليين سكان حي من أحياء القاهرة، وإنما هي في الواقع الملموس «مركز قيادة» عسكرية أميركية، يتجسد في القواعد العسكرية الأميركية، بالإضافة الى انها أيضاً مركز قيادة سياسية يُصنَع فيه القرار الامبريالي الأميركي وترسم خطط المشاريع المنوي تنفيذها على صعيد منطقة الشرق الأوسط. طبعاً لست هنا في سياق سجالي او التعبير عن ظنون وإفتراضات ولكن هذه حقائق تتداولها وسائل الإعلام منذ مدة طويلة أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما جاء في كتاب للمفكر الفرنسي المعروف ريجيس دوبريه عنوانه «رسالة إلى صديق إسرائيلي» وهذا الأخير هو سفير إسرائيلي أسبق في باريس، إسمه إيلي برنافي، حيث يكتب في إجابته على دوبريه، انه قرأ رسالته في الطائرة التي تأخذه الى قطر للمشاركة في مؤتمر سنوي يعقد في مدينة الدوحة حول مسألة «السلام» في الشرق الأوسط في محاكاة واضحة لمؤتمر هرتسيليا السنوي، الذي تستعرض فيه كما هو معروف النظريات الهادفة الى تمكين دولة المستعمرين الإسرائيليين.
من البديهي ان الحروب، جميع الحروب تنتهي حول طاولة المباحثات بين الأعداء. بكلام آخر، ما يهم من هذا كله، ليس مجيء الوزير الإيراني إلى الدوحة لإجراء مفاوضات مع الأعداء، في مركز قيادتهم القطرية، ولكن ما يعنيني هنا هو الإشارةَ إلى ان الوزير الإيراني يجري في أغلب الظن، مفاوضات في قطر مع أميركا، وهذا ليس بحد ذاته اكتشافاً، ولكن ما يستوقفني هو توقيت هذه المفاوضات، أي بعد ست سنوات على بدء العدوان على سورية وفي ظل النتائج العسكرية والسياسية والمجتمعية التي أســفر عنها هذا الأخير في سورية وعلى مدى الهلال الخصيب كله. أما الغاية فهي طبعاً محاولة بنــاء الفرضــيات المحتملة التي تسمح بإجراء هذه المفاوضات وفي هذا التوقيت، ناهيك من استشراف النقاط التي من المحتمل ان يتوافق حولها المتحاربون!
بكلام صريح وواضح، على الأرجح اننا حيال وضع يشبه نهاية مرحلة من مراحل الحرب الإمبريالية على المنطقة، علماً ان هناك في تقديري مراحل أخرى لها، اذا القصد منها الهيمنة الإمبريالية واعادة تقسيمها بحيث تستطيع أجزاؤها البقاء في مدار حول الدولة اليهودية الاستعمارية نتيجة تأثرها بجاذبية هذه الأخيرة. وبالتالي فإن الظروف ملائمة لكي يجتمع المتحاربون ويقارنوا وجهات نظرهم في كيفية تصورهم للمرحلة القادمة وتحديداً في جدوى أو عدم جدوى مواصلة الحرب بقصد الحسم.
بتعبير آخر، اذا كان المعتدى عليهم واثقين من قدرتهم على مقاومة المشروع الامبريالي الأميركي وإفشاله سيكون من مصلحتهم ان يبرهنوا على صحة توقعاتهم أمام الأعداء علّهم يقتنعون بان لا جدوى من عدوانهم. أما إذا كان المعتدى عليهم أنفسهم يعرفون ان أميركا مصرة على المضي في مشروعها، ويعرفون أيضاً انهم لن يتمكنوا من مواجهتها بنجاح، فلن يكون لديهم خيارات كثيرة غير الحيلة من أجل كسب الوقت والبحث عن طريق خلاص، ولكن هذا الخيار يتطلب من المعتدى عليهم ان يفكروا بحسب منطق سليم وان يكونوا أكثر ذكاء من الأميركيين والاسرائيليين معاً، أما الخيار الآخر فهو الاستسلام، وتسليم أمرنا للولايات المتحدة الأميركية ولإسرائيل. عندئذ لن ينفع الاعتراف أو النكران اننا أخطأنا وكَذَبنا واستهترنا وسرقنا وفضلنا الخيانة والمجون!…

:::::

“الديار”

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.