الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في موسكو!

ثريا عاصي

تتوالى الزيارات الى موسكو… جاء إليها نتنياهو الإسرائيلي وعلييف الآذري، ثم أتى التركي رجب طيب أردوغان… الموضوع طبعاً هو سورية. يمكن القول ان الضيوف الثلاثة متوافقون حول الموضوع السوري أو متضامنون أو متكاملون.
من المعروف ان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يرغب في أن تأخذ الأوضاع في سورية منحى نحو أهداف «الدولة اليهودية» والدولة الفلسطينية البديلة. بالإضافة إلى تطبيع علاقات دولة المستعمرين الإسرائيليين مع دول عربية تشظت الى «دول إسلامية» هي أقرب إلى محميات يتجمع فيها أناس يصلحون للعمل وللحراسة بأجور متدنية.
لا يخفى على المراقب ان الحكومة التركية أرسلت فرقاً من جيشها إلى سورية لتنضم إلى فرق مماثلة من الجيش الأميركي وإلى جماعات من المرتزقة، سورية وأجنبية، تحارب ضد الدولة السورية في شمال سورية. ويبدو في ظاهر الأمر أن الروس قرروا ألا يعترضوا التوغل التركي والأميركي في الأراضي السورية، في شرقي الفرات ولا أعتقد ان القوات السورية اتخذت في هذه المسألة موقفاً مغايراً.
هل ان الغاية من احتلال القوات التركية لمدينة الباب هي منع الجماعات الكردية من تجاوز نهر الفرات غرباً، وفي المقابل هل ان القصد من تموضع وحدات عسكرية أميركية وأوروبية، حكومية بالإضافة إلى مرتزقة الوكالات الأمنية الخاصة، في شرق الفرات، هو اقتطاع منطقة الجزيرة من التراب الوطني السوري، وتحديداً الحؤول دون تجاوز الجيش السوري لنهر الفرات باتجاه الشرق؟

بكلام صريح وواضح يتساءل المراقب عن حدود تفويض الحكومة السورية أمرها لشركائها الروس. فكأن الأخيرين أنهوا «حربهم» أو لنقل انهم في طور الانتهاء من مرحلتها الأخيرة بدءاً من تحرير مدينة حلب في الشمال والتسليم بوجوب التوصل الى تسوية مع الأميركيين بشأن المناطق الواقعة شرق الفرات (الجزيرة) ومع المستعمرين الإسرائيليين جنوباً. فأخشى ما يخشى هو ان يعتقد الأخيرون انه يمكن الحصول مع سورية على اتفاقية تمنحهم في جنوب دمشق، وتحديداً جنوب الخط القنيطرة، جبل العرب، البوكمال، نوعاً من حرية الحركة تتيح لهم بلوغ نهر الفرات.
ينجم عنه ان سورية، البلاد والدولة، تواجه عدوين، عدو تركي في الشمال وآخر اسرائيلي في الجنوب، يريدان بتر طرفي سورية، فلا يبقى إلا القلب… حتى تصير مقعدة! وفي مختلف الأحوال فإن نظم الحكم العربية، وأعضاء جامعة الدول العربية بإدارة أمينها العام الحالي، لن يدافعوا عن سورية ولن يتضامنوا معها ولن يحملوا قضيتها الى المحافل الدولية. ينبني عليه ان المطلوب الآن من الدولة السورية ومن الوطنيين السوريين المناهضين للإمبريالية والاستعمار الإتيان بما يشبه المعجزة من أجل إنقاذ سورية. هذا يستلزم طبعاً ظروفاً لا بد من ان تتوافر مسبقاً، بمعنى ان المعجزة لا تحدث إلا عندما تكون منتظرة من أناس تلقوا الدعوة ولكن «لتطمئن قلوبهم».
من البديهي أن سيرورة الدفاع عن الوجود السوري وعن البلاد السورية، تحتاج الى دعوة ذات مصداقية تتضمن تبيان طريقة تأسيس مجتمع وطني جديد بأساليب ووسائل مقنعة وواقعية، تقود الجماهير الشعبية في سعيها الى استعادة ملكية بلادها. هذا يفترض شرطين ضرورين أولهما إبداع هذه الدعوة وثانيهما تقديمها إلى السوريين وإقناعهم بنجاعتها وبأن المعجزة ستولد في رحمها. بتعبير آخر استنفدت الحرب على سورية كل ما كان سواء على الصعيد الوطني السوري وعلى مستوى المشروع التضامني الاتحادي العروبي في المجالين المجتمعي الوطني والقومي. ما اود قوله هنا هو ان الأدوات السياسية والفكرية والتنظيمية لم تعد تلبي ضرورات الوجود والديمومة، ليس فقط بسبب الفساد والتقصير وعدم الكفاءة، ولكن أيضاً لأن هذه الأدوات لم تعد صالحة. ينجم عنه ان خلاص السوريين يوجب عليهم، على الارجح ان يبادروا الى إطلاق عملية تأسيسية وطنية، أي اختيار جمعية وطنية تأسيسية يكون منوطاً بها وضع مشروع وطني سوري جديد.
من البديهي ان تسمية أعضاء هذه الجمعية يخضع عادة استناداً إلى تجارب الشعوب، لمبادئ أساسية منها التوافق على ضرورة ولزوم الوطن وعلى تعريف المواطن السوري. ناهيك من تعيين البلاد السورية، بناء على مفهوم الثقافة السورية وإرادة تقاسم المصير نفسه والعمل استعداداً لضمان مستقبل الأجيال المقبلة من السوريين، علماً ان هذا الوطن السوري تتهدده أخطار المستعمرين، الذين انتهكوا في الراهن سيادته وأرضه، ويا للأسف بمعاونة فئة من السوريين، وغايتهم إشباع أطماعهم وخدمة مصالحهم، التي تتعارض بالقطع مع مصالح السوريين الوطنيين والمتعاونين مع الأعداء على السواء.
من نافلة القول ان المشروع الوطني الذي تتوصل جمعية تأسيسية الى رسم معالمه يتضمن في صلبه إجابات على أسئلة يتداولها اليوم السوريون على ضوء ما جرى في بلادهم، في مقدمها سؤال حول شروط تنفيذ المشروع الوطني في هذا الزمان، وحول حق الشعب الواحد، الموحد، في تقرير مصيره هذا من ناحية. أما من ناحية ثانية، فلا بد من الأخذ بالحسبان انه يتوجب على الوطنيين تحرير بلادهم من المحتل وتعطيل قدرة المتعاونين بالإضافة الى استعادة عناصر أمنه القومي وثرواته الطبيعية.
مجمل القول ان انبعاث سورية لا يكون في آستانة أو جنيف، ولا يحتاج لاستشارة التركي والأميركي والروسي والسعودي، لأن سورية تولد في رأس كل سوري ونتيجة لذكائه.

:::::

“الديار”

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.