فرانز فانون ومآل المستعمِر (الجزء الثالث)، عادل سمارة

فرانز فانون ومآل المستعمِر والمستعمَر في الجزائر، جنوب إفريقيا وفلسطين (الجزء الثالث)

جنوب إفريقيا

تجربة تحرر جنوب إفريقيا من نظام التمييز العنصري الذي لم يعبر فقط عن سيطرة ومصالح البرجوازية البيضاء بل عن ارتباطها بالمركز الرأسمالي العالمي وتحديدا بشراكة رأس المال  الذي هي جزء منه بمعنى  مستوى تطورها الصناعي والتقني. أي ان جنوب إفريقيا لم تكن دولة فلاحية الغالبية، بل مدينية وصناعية إلى حد مقبول، بل كانت تلعب دور إمبريالية رثة في جنوب القارة الإفريقية.

لذا، النضال الشعبوي الذي قاد إلى تحررها هو غالبا نضال السكان المدينيين.

لقد وعد الحزب الحاكم  “المؤتمر الوطني الإفريقي” بعد سقوط الأبرثايد بإعادة الأرض للفلاحين السود بتبني سياسات اشتراكية، وبالإعمار والإسكان…الخ.  بل وعد بمصادرة الأرض وتوزيعها على الجماهير. وتأميم المناجم والمصارف لصالح الشعب وتوفير التعليم والطبابة مجاناً. وبعد مضي عشرين سنة على ديمقراطية جنوب إفريقيا، فإن خمس شركات يملكها البيض تتحكم ب خمسة وسبعين بالمئة  من سوق البورصة هناك وهذا أكبر تركز لثروة في تاريخ البشرية[1]

ولكن كثيرا من النقديين رأوا  بان هناك عاملين لعبا دورا في تحجيم الثورة هناك رغم ضخامة التضحيات:

  • المفاوضات السرية لسنوات مع نلسون مانديللا ثم الإفراج عنه بهدف قطع تجذر الثورة هناك وخاصة الكفاح المسلح باعتبارمنديلا مناضل الطريق الوسط كي لا تتجذر الثورة والكفاح المسلح باتجاه اشتراكي.
  • وإدراك رأ س المال العالمي بأن منع تحول البلد إلى الاشتراكية يقتضي الإسقاط الناعم أو إزاحة حكم الرأسمالية البيضاء عن السلطة السياسية لتبقى قشرة للسلطة الاقتصادية.

والذي يبدو أن تحول السلطة إلى البرجوازية السوداء قد اتخذ شكلا ريعيا، أي سلطة سياسية مع الوصول إلى مصادر التمويل الفاسد عبر الدور الإداري للسلطة مقابل الإبقاء على سيطرة رأس المال المعولم والأبيض طبعا. هذا إضافة إلى إلحاق شريحة برجوازية سوداء بالراسمالية المتحكمة بالبلد.

وهذا فتح الطريق للفساد الذي بدأ من راس السلطة نفسها والتي بدورها لم تغير في أحوال الطبقات الشعبية شيئا رغم انها هي التي دفعت ثمن انتقال السلطة لتدرك بعد عشرين سنة أن السلطة انتقلت لكنها لم تتغير، وبأن جنوب إفريقيا “نظام ابيض بوشاح اسود” عنوان مقالتي في مجلة كنعان عام 1994 إثر زيارة لجنوب افريقيا بعد سقوط الأبرثايد[2].

حتى سقوط الأبرثايد كانت الثورة هناك وطنية شعبية عموما. لكنها توقفت هناك. أي كان شبح فانون هناك إلى لحظة سقوط الأبرثايد. وبالطبع ينطبق ما كتبه فانون على السلطة الجديدة في دولة “ما بعد الاستعمار”. ولكن ، لم تنتقل الثورة من مستوى اللون والعرق إلى المستوى أو القاعدة الإقتصادية أي  لم تنتقل الديمقراطية السياسية الشكلانية إلى ديمقراطية اقتصادية.

“…  هناك مداراة “للسوق الحر” من الدولة فلم تُعط أولوية للعدالة الاجتماعية. فالمحادثات السرية بين المؤتمر الوطني الإفريقي وافراد بارزين من النخبة الإفريكانر تمت في بريطانيا في ميلز بارك هاوس. كانت هي أساس الربح  في فترة  الأبرثايد – مثل شركة المناجم العملاقة البريطانية، كونسويند جولدفيلدس، وهي التي التقطت اللحظة كي تقم بتقسيم المؤتمر الوطني الإفريقي الى المنفيين الذين في اغلبهم معتدلين ليقوموا بالأعمال المشتركة مع (تامبو مبيكي، ومانديلا) والأغلبية الذين قاموابالمقاومة في التجمعات والأرياف  والمسماة UD F[3].”

“… فقد تم تنبيه دي كليرك بوجوب أن ينقذ الراسمالية في جنوب افريقيا. ولم يكن بوسعه إنجاز ذلك بدون تواطؤ من داخل المؤتمر الوطني الإفريقي. كان نلسون مانديلا ناقدا لهذا. حيث  وعد بوضع اليد على المناجم والاحتكارات الصناعية الأخرى، “إلا إن تغيرا أو تعديلا غير متوقع  قد حصل برأينا في هذا المجال “-  فقد تحدث مانديلا بصوت مختلف في سفراته الانتصاروية في الخارج. حيث قال في نيو يورك بأن ” المؤتمر الوطني الإفريي سيعيد إدخال السوق إلى جنوب إفريقيا” . وعليه، فالصفقة هي الإبقاء على سيطرة البيض على الاقتصاد مقابل الحكم للأغبية السوداء[4]“.

وحيث بقيت الأرض والمؤسسات الصناعية والمصرفية بأيدي البرجوازية البيضاء، والتي هي متجذرة لا ترحل كما حال الجزائر، بمعنى ان الرحيل وحده، طالما النظام ليس اشتراكيا، هو الذي يعيد الأرض والسيطرة الإقتصادية للأصلانيين، فإن قيادة الحزب وعلى رأسه مانديلا كان لا بد أن يتعيشوا من دورهم السياسي البروقراطي والذي ستكون موارده ريعا ماليا مقابل تمرير مشروع سياسي اجتماعي  اقتصادي هو الإبقاء على السوق، وهذا يفتح فرصا هائلة للفساد. وهذا شبيه بالوضع الفلسطيني.  

“… منذ سنوات والنقد يتراكم عن فساد قيادات المؤتمر الوطني الإفريقي وبالطبع تتآكل شعبيته. لكن وصول الفساد العلني إلى رئيس الدولة وخاصة جاكوب زوما يؤكد  أن الفساد قد تمأسس في الدولة[5]“.  فذلك أمر لافت.

لعل جنوب افريقيا أكثر شذوذا عن توقعات فانون لأنها طبقا لمستوى تطورها كانت مرشحة للانتقال إلى نظام يتجاوز السوق لا سيما وهي محاطة بمجموعة من الدول ذات التوجهات اليسارية والتي معها يمكن ان تخلق كتلة يصعب تحطيمها من قبل الراسمالية العالمية، ذلك لأنه لو كان رأس المال متأكدا من قدرته على إبقاء البلد بيد البيض لما ذهب إلى التسوية الوسط. إلا أن تواطؤ مانديلا هو الذي كرس هذا التوجه الذي هو تكريس السلطة الحقيقية التي كانت وبقيت بأيدي البيض.

وعليه، فإن الثورة الاجتماعية الوطنية والى حد ما المسلحة  في جنوب افريقيا لم تخلق الإنسان الجديد لا الأسود ولا الأبيض. وبكلام آخر، لقد تلاقت برجوازيتا اللونين في منتصف الطريق لتخلقا طبعة أخرى من إنسانين: أبيض ثري كما كان، وأسود يسهِّل له الاستغلال في حالة من دور القوادة باسم القيادة مستفيدا من اقتصاد التساقط.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.

[1] To Mlungisi MakalimaMe From Economic Apartheid to True Democracy: The Economic Freedom Fighters of South Africa, by GARIKAI CHENGU.  Garikai Chengu is a research scholar at Harvard University.

[2]  انظر عادل سمارة، جنوب إفريقيا واقع أبيض بوشاح أسود، في كنعان  العدد54 تموز 1994، ص ص 17-20.

[3] South Africa: The Liberation’s Betrayal
 In an article for the Mail & Guardian, Johannesburg, John Pilger describes the ‘social and economic catastrophe’ that replaced the African National Congress’s ‘unbreakable’ promise’ to end the poverty of the majority.
By John Pilger, 04/10/08 “ICH

[4] South Africa: The Liberation’s Betrayal
 In an article for the Mail & Guardian, Johannesburg, John Pilger describes the ‘social and economic catastrophe’ that replaced the African National Congress’s ‘unbreakable’ promise’ to end the poverty of the majority.
By John Pilger, 04/10/08 “ICH

[5] GLOBAL INVESTING / February 24, 2017, How world sees SA: Under Zuma, South Africa is an organized crime syndicate heading for ruin. JACKIE CAMERONFEBRUARY 24, 2017.. Jenni Russell in a scathing review of the state of South Africa for The Times.