فرانز فانون ومآل المستعمِر والمستعمَر (الجزء الرابع)، عادل سمارة

فرانز فانون ومآل المستعمِر والمستعمَر في الجزائر، جنوب إفريقيا وفلسطين (الجزء الرابع)

الاستعمار الاستيطاني الإمحائي في فلسطين

الحالة الأشد خطورة في الاستعمار الرأسمالي الاستيطاني الأبيض هي الاستيطان الإمحائي[1] الصهيوني/ اليهودي في فلسطين. وتكمن فرادة هذه الحالة في أن هذا الاستيطان بدأ ب:

  • قرار مسبق بإقامة دولة محددة سلفا من الفرات إلى النيل
  • طرد الشعب الأصلي تماما، اي خلق حالة لجوء،
  • الاعتماد على دور وظيفي عمالاتي للرأسمالية الغربية في طورها الإمبريالي والارتكاز الشكلاني على أساطير وخزعبلات دينية، أي مزج خبيث بين العلمانية والأصولية الدينية، حالة دين سياسي.
  • اعتمادا على المركز الراسمالي باجمعه/النظام العالمي كمتروبول
  • تعدد الأصل القومي للمستوطنين مع حصرية في الدين اليهودي
  • إصرار ممنهج على عدم دمج أو الاندماج مع الشعب الأصلاني.
  • الاحتفاظ الإضطراري المؤقت باقلية فلسطينية ليس بهدف استغلالها كقوة عمل، بل قسراً أو كما عبر كثير من الصهاينة نتيجة خطأ.
  • تواصل حماية المركز الراسمالي العالمي للكيان انسجاما مع إقامته لخدمة مصالح المركز مما أبقى على الحبل السُري بينهما.
  • حصول وعدم توقف مقاومة فلسطينية وإلى حد ما عربية مديدة ومتنوعة مما أبقى على القلق الوجودي للكيان الصهيوني رغم تسلحه النووي، بينما بقية المستوطنات البيضاء، وحتى في جنوب إفريقيا قد تجاوزت القلق الوجودي،  بل إحداها تحكم العالم “حالة الولايات المتحدة”.

بالمقابل، فالحالة الفلسطينية تنفرد في عدم فناء الشعب الفلسطيني وعدم إندماجه بالمستعمِر إثر احتلال 1948 والاستناد،بدرجات، على العمق القومي العربي من جهة والضرب المتواصل لهذا العمق على يد الأنظمة والطبقات التابعة من جهة ثانية. وقد يتضح هذا من إصرار العدو (الثلاثي) على ضرب الجمهوريات العربية التي لها موقف ضد الكيان الصهيوني وخاصة التي قادتها أحزاب ذات بعد قومي.

عانت ولم تتوقف الحالة الفلسطينية من مشاكل عدة، أهمها أنه تم دائماً عجزها وحجزها عن التفاعل مع الطبقات الشعبية العربية وجرت محاولات حصر علاقتها بالأنظمة الحاكمة، كما أنها لم تشكل هي نفسها حالة إرتقاء إلى تفعيل/قيادة حركة التحرر العربية بمعزل عن الأنظمة التابعة.

لن اذهب هنا إلى معالجة تاريخية، بل أود حصر الأمر في تراث فانون وحدود تقاطع الحالة الفلسطينية معه.

لقد آلت القيادة الفلسطينية إلى حالة معاكسة تماما لتراث فانون. فبعد نضال طويل مرير، انتهت القيادة البرجوازية/البيروقراطية الفلسطينية (قيادة م.ت.ف) لركوب قطار التبعية، فتخلت عن النضال الوطني والتحريري وانتقلت للتبعية قبل التحرير، أي لم تنتظر التحرير، بل اختصرت الطريق إلى المساومة سواء بالمشاركة في مؤتمر مدريد “للسلام” وتوقيع اتفاقات أوسلو 1993 وبروتوكول باريس 1995. ولا شك أنها ادركت عجزها عن الانتصار، ولكن في الوقت نفسه، لم تشأ إخلاء الطريق لقيادة أخرى أكثر قدرة على مواصلة النضال. لذا قررت أن تكون ملحقة بعدوها المطلق، بل تحولت إلى قيادة بديلة لنفسها متكيفة مع مطب عدوها الصهيوني:

“… لقد بادرت البرجوازية الفلسطينية وقبل انتهاء العام الأول للانتفاضة إلى إعلان دولة فلسطينية “خارج فلسطين وأعلنت لها برلمانا  من المناطق المحتلة، وأعلنت اعترافها بإسرائيل. فماذا كانت  نتيجة هذا. … وبهذا فقد تحولت القيادة البرجوازية للمنظمة نفسها الى قيادة بديلة لنفسها  “السابقة” … تبلور شكل من الحكم الذاتي داخل المناطق المحتلة  وهو الشكل الذي غضت اسرائيل عنه الطرف خلال الانتفاضة  “وقمعت من طريقه اللجان الشعبية . ويتجلى ذلك في تلك المجموعة الكبيرة من مؤيدي المنظمة  الذين يتحركون ويصرحون  بشكل علني ويجرون اللقاءات والحوارات مع السلطة الإسرائيلية واليمين الإسرائيلي. إنهم يحضرون انفسهم للتفاوض مع اسرائيل وتحضرهم إسرائيل نفسها لذلك.  وبهذا، فقد اقامت الجماهير الشعبية على نفسها واقامت مقام نفسها “سلطة حكم ذاتي برجوازية  وفي الوقت الذي تقدم فيه أغلى التضحيات  دون ان تدرك، وفي هذا حالة رهيبة من الاغتراب”[2]. وهذا أمر يجد ترجمته في اقتناعها بالعجز عن تحقيق مشروعها. وهو عجز له علاقة قوية بقطريتها حيث عجزت عن الالتقاء مع أو بلورة حركة تحرر عربية واحدة، فتحالفت مع الأنظمة. أما محليا، فتحالفت هذه القيادة مع اجنحة البرجوازية الفلسطينية وخاصة:

  • برجوازية الشتات أي رأس المال المالي بما هو غالبا مضارباتي ومقاولاتي وطنه هو الحساب المصرفي.
  • والبرجوازية المحلية بشقيها التعاقد من الباطن والكمبرادور.
  • الشرائح الصغيرة من مثقفي الطابور السادس والأنجزة وكوادر التنظيمات التي تانجزت..

نتيجة لهذه المساومة اعترفت قيادة م.ت.ف بالكيان الصهيوني على المحتل عام 1948 ، اي تنازلت عن ما لا يمكن ولا يحق لأحد التنازل عنه بما هو وطن وليس مكاناً،  وقبلت بصيغة غامضة فيما يخص الضفة الغربية وقطاع غزة حيث لم يتم النص على إقامة دولة ذات سيادة فيهما ووافقت على بقاء المستوطنات الصهيونية القائمة فيهما، وقبلت بقاء 60 بالمئة من مساحة الضفة الغربية تحت الإدارة العسكرية الصهيونية المباشرة.

وبالطبع لم تكن مفاجأة ان تصدر حركة حماس وهي من قوى الدين السياسي يوم 3 نيسان 2017 وثيقة توافق بموجبها على دولة في الضقة الغربية وقطاع غزة مدعية أنها لن تعترف بالكيان الصهيوني. أي أن حماس لحقت م.ت.ف بعد قرابة ربع قرن لأنها التحقت بالنضال الوطني بعد ربع قرن من بدء نضال م.ت.ف.

لماذا فعلت تلك الفصائل هذا؟ هل لأن مشروع التحرير أضخم من طاقتها؟ هل لأن المشروع العروبي تهالك؟ هل لأن الإمبريالية او رأس المال هزم العمل وخاصة بعد تفكك الكتلة الشرقية ، أو كلها معا؟ وترتب على هذا انقلاب تام في طبيعة الصراع. فبعد أن كان المشروع العربي هو :تحرير فلسطين يبدأ بتحرير العواصم العربية،  حصل أن انطلق العدو من تل أبيب وعواصم الغرب الراسمالي وأنظمة عربية وإسلامية إلى عواصم الممانعة من جهة، وتهاوت عواصم التبعية العربية للتطبيع مع العدو من جهة ثانية. ولعل آخر تاكيدات هذا هي قمة البحر الميت للأنظمة العربية 28 آذار 2017. أما وثيقة حماس، فهي في الغالب بإيحاء من انظمة وقوى الدين السياسي العربية والتركية والإخوان المسلمين الذين، اي الإخوان يؤمنون باللسطة وليس الوطن.

لكن أطروحة فانون، خارج أفق قيادات من هذا الطراز،  فهي اطروحة وجوب استمرار المقاومة، بغض النظر عن ميزان القوى وامتداد الصراع. هذا ما عجزت القيادة الفلسطينية عن التقاطه والتمسك به وتحولت، ما أمكنها ذلك، إلى دور إنسداد أفق المقاومة.

فالعجز عن تحقيق المشروع الوطني في التحرير والعودة اقنع البرجوازية الفلسطينية بشرائحها الثلاثة: البرجوازية البيروقراطية في قيادة م.ت.ف والبرجوازية المحلية المنخرط معظمها في شركات التعاقد من الباطن مع راس المال الصهيوني[3] وراس المال المالي الفلسطيني في الشتات،  باللجوء إلى الحكم الذاتي حيث تحقق عبر ذلك مصالحها على اساس الدور الإداري واقتصاد التساقط الريعي لأن البديل لذلك هو استمرار المقاومة والانتفاضة مما يخلق قيادات وقوى قاعدية جذرية تتعداها سائرة إلى الأمام، وهكذا أكدت هذه البرجوازية أن الوطن مجرد سلعة، قيمة تبادلية. وقد وجدت هذه البرجوازية تحت إبطها فرقا من المثقفين العضويين لها ممثلين في حلقات المثقفين اللبراليين متخارجي الانتماء والثقافة باكراً ومثقفي م.ت.ف االذين تربوا على ريع تنظيراهم السياسية في بلاط القيادة ومثقفي اليسار الذين ارتدوُّا بسُعار ضد الماركسية، وكانوا قبلها  في سُعار مبكر ضد القومية العربية ورتع هؤلاء جميعاً في تمويل سلطة الحكم الذاتي أو المؤسات الثقافية الغربية وخاصة عبر منظمات الأنجزة فتحولوا من مثقفين إلى سلع وأشياء تبيع نفسها وتُباع بالعملات والمنح والشهادات والوظائف وحتى كتابة تقارير إخبارية للأعداء تحت مسميات ابحاث ودراسات وأطروحات جامعية[4]. وهذا ما نتجت عنه بُنية ريعية في الأرض المحتلة تعيش على التمويل السياسي من أعداء الأمة العربية والشعب الفلسطيني بالطبع، أي الاقتصاد السياسي للفساد. ومن هنا كان أول مشروع كبير لسلطة الحكم الذاتي هو الكازينو. فكيف لا نستنهض روح فانون؟ إن من يسير في مدينة رام الله لا يتخيل أن هناك احتلالاً سواء بغزارة السيارات الفارهة يقودها اساسًا غلمان ونسوة ما بعد حداثيات ومحجبات وتعج أسواقها بالمقاهي والمطاعم والمقاصف المكتوبة يافطاتها باللغات الأجنبية. وأما في الليل فتكون مدينة حانات واماكن تبعث إشارات ضوئية بنفسجية تنبىء عن فرص التفريغ الجنسي! والشكر لعدم وجود شاطىء وإلاَّ لتعرَّت تماماً.

لا موضع قط  ل فانون في الحالة الفلسطينية. لم ترتق قيادة المقاومة الفلسطينية للطموح بتحقيق قتل النقيضين وتوليد جديدين بدلا منهما. لم يُهزم المستعمِر، واستسلم المستعمَر متخليا عن هدف التحرير. وتم تجاوز قداسة التحرير برفع شعار “كسرنا تابو التحرير”  الذي ردده قيس أبو ليلى نائب الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في نشوة إلقاء السلاح تماماً وشوق لمعانقة العدو على أرض الوطن. هذا وكأن التحرير كان شعار شوفيني عنصري رجعي عدواني!

لم تتم إعادة خلق المستعمِر كإنسان جديد ولا حتى آخر، بل تمت تقويته حتى بيد المستعمَر. وبما ان ماحصل هو إعادة او رد المستعمَر إلى درجة أدنى هي الاستسلام مغلفا بشعار السلام. سلام رأس المال الذي تقاسمته برجوازية العدوين على اساس مراتبي أصبح الطرف الفلسطيني او انتقل من خصم او ند إلى تابع وهو ما غلَّفه ياسر عرفات بتسمية “سلام الشجعان؟!.

قد تكون نتيجة ذلك إنسانين جديدين، واحد متغطرس مسيطر بالمطلق والاخر مستسلم لا أكثر.

في الحالة الفلسطينية الرسمية، لم يخطىء فانون لأنه كان بصدد التحرير والانتصار كشرط أولي. كما لم يخطىء الشعب الفلسطيني أيضاً لأنه واصل المقاومة ولو في ظروف مجافية تماما. وهذا يعني صحة أطروحة فانون من وجهة نظر الشعب  وليست القيادة[5].

يفيد التذكير بأن مختلف تأويلات دراسة الاستعمار بتنوع الحالات والدراسات، هي ضئيلة الانطباق على حالة الكيان الصهيوني وبعضها يعاني من جهل بالواقع الفلسطيني أو بالنفاق[6]. فهو إضافة لما ورد أعلاه بقدر ما هو ثابت فيما يخص عدم التمازج واندماج الأعراق، فهو أبعد ما يكون عن توازن الحالة مقارنة بالمستوطنات الأخريات سواء باستمرار استجلاب مستوطنين ومن دين محدد، وعدم وضع دستور وعدم تحديد حدود …الخ.

على أن أهم وأخطر ما يقود سياسة هذا الكيان هو:

  •  مواصلة تحطيم الحيِّز الجغرافي الفلسطيني

ومواصلة محو الشعب الفلسطيني تماما، وما يُعيق هذا القرار هو القدرة و/أو توفر الظروف.   ” كتب ثيودور هرتسل في مذكراته مشيراً إلى الفلسطينيين العرب: “سيتم تشغيل السكان الفقراء على طول التخوم بطريقة سرية بعد ان ينظفوا البلد من مختلف الحيوانات المفترسة  كالأفاعي لصالح الشعب اليهودي[7]” , لكنه في موضع آخر كان أكثر “كرما” حين قال بأن المستوطنين اليهود سيعطوا بعض المال للفلسطينيين كي يرحلوا.

أما المؤرخ الجديد بني موريس “اليساري” فكتب:”  بن غوريون كان ترحيليا، لقد ادرك انه لم يكن من الممكن وجود دولة يهودية مع أقلية عربية كبيرة ومعادية داخلها. …بن غوريون كان على حق، لو لم يقم بالذي قام به، لما كانت قد قامت الدولة. .. بدون اقتلاع الفلسطينيين ، لما انتصبت الدولة اليهودية… لو انه نفذ عملية طرد شاملة –بدل عملية طرد جزئية- لكان حقق الأمان لدولة اسرائيل لأجيال عديدة[8]“.

إن المدهش ومثار الاستغراب كامن في أن هذه الطبيعة الخطرة للكيان، قد استحضرتها قيادة م.ت.ف والبرجوازيات العربية الحاكمة/التابعة على أرضية الركوع لا المقاومة.

وبما ان الصراع العربي الصهيوني لم يتوقف، وبما أن الكيان الصهيوني يزداد تمسكاً بثوابته العدوانية، فإن تراجع القيادات الفلسطينية ومعظم الأنظمة العربية عن مواصلة النضال لا يخرج عن كونه استدخالا للهزيمة، الأمر الذي يمكن قراءة أثره في المتغير التالي:

تمكنت «دول عدم الانحياز» العام 1975 في العاشر من تشرين الثاني من إقناع عدد كبير من دول العالم الثالث وبعض الدول الغربية بتبنّي قرار (رقمه 3379) من الجمعية العامة للأمم المتحدة تدين الصهيونية كعقيدة عنصرية.

ولكن مسلسل التنازلات الفلسطينية والعربية، على الأقل بدءا من اتفاق كامب ديفيد 1979 بين النظام المصري والكيان الصهيوني، أدى إلى انتصار الرأسماليات الغربية والكيان الصهيوني على الموقف الإنساني عام 1991، وذلك بإلغاء قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة العائد الى العام 1975 وبالقرار 86/46 المتحدة العام 1991 والذي صاغه نائب وزير خارجية الولايات المتحدة حينها  في ذلك الوقت لورانس إيغلبرغر، وجاء فيه: (تُقرّر الجمعية العامة نبذ الحكم الوارد في قرارها رقم 3379).

ومن الطريف أن بعض العرب بدل أن يقرأ التنازلات الرسمية العربية طبقيا، وبدل أن يقرأ ذلك مقرونا بتفكك الاتحاد السوفييتي وتفرد القطبية الأمريكية، يتورط في خطاب صهيو/غربي بمهاجمة استرجاع العراق للكويت وكأن الكويت ليست أرضا عراقية!

على أرضية استسلام قيادة م.ت.ف من جهة، وخروج معظم الأنظمة العربية وكثير من الأحزاب من حلبة الصراع مع الكيان الصهيوني من جهة ثانية، ومن ثم توقف سقف الموقف من الكيان الصهيوني عند إدانته بالعنصرية ومطالبته بتحسين معاملته للفلسطينيين لا أكثر ولا أعلى، جاء تقرير الإسكوا[9] الذي رفضه الأمين العام للأمم المتحدة مع أنه لا يتحدث قط عن لا شرعية الكيان الصهيوني ولا عن تحرير فلسطين وعودة شعبها[10]!

المحو بالتدريج:

 

بدأ ولم يتغير الهدف الصهيوني في استلاب كل فلسطين وأبعد. هذا وإن كان قد اعتمد تكتيكا  مختلفا. فبينما اتبع الاقتلاع الشامل في المحتل 1948، لجأ إلى تكتيك الإزاحة في المحتل 1967 بمختلف سياسات المصادرة، الاغتيال، الهدم… إلخ كي يوصل الفلسطيني إلى قرار الانزياح الذاتي اي الرحيل[11].ومن يبحث في التزايد السكاني في المحتل 1967 يجد بان نسبة عالية من الفلسطينيين قد رحلوا، وبأن ما يعيق رحيل أكثر هو عدم وجود فرص للعمل سوى تسهيلات المستوطنات البيضاء  الولايات المتحدة وكندا بهدف خدمة سياسات الكيان في تفريغ الأرض من أهلها.

من جانب آخر، منذ بداية الاستيطان الصهيوني وحتى اليوم لم يتعامل مع الفلسطيني كقوة عمل رخيصة، لأنه يبحث عن محو الوجود الفلسطيني. وليس تشغيل الفلسطينيين داخل الكيان سوى قرار مؤقت لا يُغيِّب ابدا هدف المحو حتى لو كان هناك شُحَّا في العمالة المستجلبة يهودا أو غير يهود، مما يعني ان السياسة المؤقتة للكيان هي ترافق تشغيل العمالة إلى جانب الإزاحة، اي ضم استخدامي مؤقت. وهذا يؤكد رفض الكيان للاندماج كما تتحدث بعض دراسات الاستعمار الاستيطاني، وحتى رفض التطبيع الذي يعرضه فلسطينيون وعربا بالمجان.

ينسب البعض عدم اندماجية الكيان إلى وهم “استثنائية” العرق. وهذا تفسير ثقافوي سطحي لأن الكيان مشروع استعماري راسمالي طبقي نهبوي يستخدم وهم العرق كغطاء لهدف محو الشعب الفلسطيني. لذا، يمكننا القول بان هذا الكيان، هو على الدوام مؤقتا  وقيد الإنشاء سواء من حيث الحدود، والدستور ومستوردا للمستوطنين. وبالمقابل، يعتبره الفلسطينيون عابراً.

لذا فالاستيطان الصهيوني في فلسطين ليس مجرد تطهير عرقي بل سحق الحيز والمجتمع والبنية، أي المحو الشامل. صحيح ان القتل الكولونيالي الاستيطاني هو من أجل الأرض، ولكن لا يعني ان هذا وحده الحكم، فكثيرامايتم القتل للتخلص من الأصلاني إلى الأبد مخافة نهوضه مجدداً، ولا يحول دون القتل سوى التشريد او الحاجة للعمالة.

إذا كان التمازج بين الأجناس ممكناً في بعض حالات الاستعمار الاستيطاني الراسمالي الأبيض، فالأمر مختلف في الحالة الفلسطينية حيث لا تمازج بين الأجناس. وهذا مخالف لبعض الطروحات التي رأت أن النضال ضد الاستعمار الاستيطاني يهدف الى الحفاظ على علاقة مستوطن-اصلاني بشكل مستمر[12].

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.

[1] لم أقصد بالإمحائي نحت مصطلح للمنافسة، ولكن الكثير من الكتابات عن الاستعمار الاستيطاين نح منحى اندماج الطرفين، أو  توقف الطرد مع توقف مقاومة المستعمَر. لكن التجربة الفلسطينية تفيد بأن الشعب الفلسطيني لن تتوقف مقاومته مما يؤكد أن المستعمِر سيواصل محو الشعب الفلسطيني إن امكنه ذلك. وهذا ما يؤكده المؤرخ الصهيوني بني موريس في المقابلة التي أجرها شافيت معه كما ورد في هذه المقالة (انظر لاحقا).

[2]  أنظر: عادل سمارة، الرأسمالية الفلسطينية من الشوء التابع إلى مأزق الاستقلال: منشورات الزهراء القدس 1991، ص ص 294-95.

[3]  كشفت رسالة ماجستير للباحث عيسى  سميرات من جامعة القدس أن استثمارات 16,000 رأسمالي فلسطيني في الكيان الصهيوني الإشكنازي وحتى في المستوطنات تتراوح بين 2.5-5.8 بليون دولار! بينما لا تستثمر المقدار نفسه في الأرض المحتلة نفسها. وتقوم الرأسمالية الفلسطينية بهذا في حقبة حتى وجود الاستعمار الاستيطاني. يكشف هذا عن خطورة اتفاق أوسلو ليس على الاقتصاد والنمو ومرحلة بناء دولة، نقصد دولة اوسلو-ستان، بل كذلك عن انهيار القيم التي تتمثل في وجود مجلس أعمال اسرائيلي-فلسطيني في المستوى الاقتصادي ووجود أعضاء كنيست فلسطينيين في الكنيست في المستوى القومي وسكنى فلسطينيين في الكيبوتسات في تآلف دافىء مع عُتاة الاستيطان في المستوى أل –”إنساني”! ماذا كان سيكتب فرانز فانون لو سمع بهذا؟

[4]  هذا ما اسميه المثقف المتعدد الذي يتخذ مواقف تناقض بعضها بعضا في قضية او تجاه قضية واضحة لا تسمح بالإلتباس.

[5]  فيما يخص استمرار وتنوع وابتكار المقاومة الشعبية الفلسطينية ، انظركتاب عادل سمارة:المثقف المشتبك: العمليات والإضرابات الفردية روافع لتجاوز الأزمة، بالعربية والإنجليزية، 2017.

[6]انظر Journal of Genocide Research (2006), 8(4), December, 387–409

Settler colonialism and the elimination of the native PATRICK WOLFE. Despite Zionism’s chronic addiction to territorial expansion, Israel’s borders do not preclude the option of removal (in this connection, it is hardly surprising that a nation that has driven so many of its original inhabitants into the sand should express an abiding fear of itself being driven into the sea.

  هل هم من هذه الأمة!!!!.P.15. لعل ما يثير التساؤل هنا: هل المستوطنين الصهاينة أمة؟ وهل المستوطنين والفلسطينيين أمة واحدة؟ يتورط الكاتب هنا في الرواية الميثولوجية التوراتية بأن هناك شعبا يهوديا ممتدا كما هو منذ ثلاثة آلاف سنة. هل موقفه هذا نفاقا، أم جهلا بالتاريخ؟

[7]Theodor  Herzl wrote in his Diaries, referring to the Palestinian Arabs: ‘The poor population was to be worked across the frontier surreptitiously, after having rid the country of any existing wild animals such snakes, for Jewish benefit’.

كتب ثيودور هرتسل في مذكراته مشيرا إلى العرب الفلسطينيين: ” سيتم تشغيل السكان الفقراء على طول الحدود بشكل سري، إلى أن ينظفوا البلاد من الحيوانات الخطرة كالأفاعي، خدمة لليهود”.

[8]  البقاء للأصلح، ماذا قال بني موريس، مقابلة آريه شافيت مع بني موريس، ترجمة ابراهيم مكاوي، www.haaretzdaily.com, 18-1-2004 ـ كنعان، العدد 117 نيسان 2004 ص ص 40-53.

[9] See: The Nation The Inside Story on Our UN Report Calling Israel an Apartheid State A people cannot be permanently repressed in all these ways without viewing the structure that has emerged as an apartheid regime.By Richard Falk MARCH 22, 2017.

[10]  من المدهش وجود كاتب فلسطيني لا يرتفع سقفه تجاه الكيان عن سقف إسكوا حيث ينقد بشكل جيد مواقف كثير من المثقفين الفرنسيين من الصراع العربي الصهيوني، لكنه لا يطالب سوى بإدانة عنصرية الكيان الصهيوني. أنظر: “…وطالما موقفهم لا يعارض الأسس العنصرية للدولة اليهودية، فإن دعمهم للمقاومة الفلسطينية هو كلام فارغ لا معنى له” جوزيف مسعد، دراسات ‹ سارتر والمثقفون الأوروبيون و الصهيونية  ترجمة: نايف الهنداس   (hekmah.org

[11]  انظر، عادل سمارة، الاستيطان من الطرد للإزاحة للانزياح الذاتي، كنعان العدد 94 كانون اول 1999

[12] Introducing Settler Colonial Studies Lorenzo Veracinin , in Settler Colonial Studies:P.7 note 24