انتفاضة الأسرى…والمقاطعة (1948).. إبتكار شعبي، عادل سمارة

أعلنت امهات وأهالي الأسرى في المحتل 1948 عن بدء مقاطعة منتجات الألبان الصهيونية تضامنا مع جميع الأسرى في سجون الكيان على أن يتم توسيع نشاط المقاطعة لاحقاً.

وهذه محاولة شعبية وجماعية من القاعدة ولذا فهي عالية الأهمية مهما كان حظها في الاستمرار للنجاح. ولأنها ليست من نتاج قرارات بيروقراطية من فوق، أي من أعضاء الكنيست، الذين يشكلون جزءا من المؤسسة الصهيونية الحاكمة ولا يمكن إلا أن يكونوا كذلك، وكذلك الأحزاب الصهيونية المسماة يسارية، فإنها خطوة تندرج في التنمية بالحماية الشعبية .وهي وإن كانت أولية جدا جدا إلا أنها تندرج كونها من المرأة تحديدا في نطاق الابتكارات الشعبية التي تفاجئنا دائما.

أهمية اية درجة من المقاطعة كامنة في حقيقة أن السوق لأي نظام رأسمالي هو وحده الذي يضعف أو يقوي الإنتاج ويحقق الهدف اللامحدود من الربح، فكيف بنظام استيطاني رأسمالي اقتلاعي محيوي؟

إن المقاطعة ورفض التطبيع هي عمل شعبي جماهيري عام أو بالأكثرية، وهو نضال يمكن لكل امرأة أو رجل ممارسته بلا كلفة بل وحتى على اساس ربح مزدوج، بالمعنيين القومي والفردي. إن بوسع كل سيدة توجيه استهلاكها ومشتريات اولادها لمقاطعة منتوج ما.

في مواجهة الكيان كمقدمة للثورة المضادة بوضعها المعولم، فإن مقاطعة منتجات الكيان ورفض التطييع يجب أن يكون نشاط الطبقات الشعبية اليومي بين حرب وحرب في هذا الصراع التناحري. وهذه قاعدة تنسحب على الموقف من طرفي الثورة المضادة الآخرين أي الغرب الٍراسمالي والكمبرادور العربي وخاصة النفطي وأنظمة الدين السياسي وخاصة تركيا.

قصة طويلة:

لا جديد في تبني المقاطعة، فهي قد طُرحت من انظمة عربية منذ اغتصاب فلسطين عام 1948 واختيرت دمشق مقر مكاتبها. وراوح التمسك بها بين الصفر ودرجة عالية وكانت موجهة ضد الشركات الأجنبية المتعاملة مع الكيان على اعتبار ان مقاطعة الكيان أمر مفروغ منه.

لا حاجة للإطالة، فقد اتضح ان هناك علاقات استيراد من انظمة عربية (الخليجية خاصة) حتى قبل اتفاق كامب ديفيد الذي أنهى مصر بكل المستويات وحولها من المحروسة إلى “المخروقة”! وتتالت التواطئات من م.ت.ف والأردن والمغرب وصولا إلى أعتاب إعلان التحالف العسكري العدواني بين حكام الخليج والسعودية المحكومين وبين الكيان الصهيوني.

ترافق مع الانتفاضة الأولى في الأرض المحتلة حملة مقاطعة شاملة لم يتهرب منها سوى شريحة من الكمبرادور والمشوهين استهلاكيا من اصحاب المداخيل السهلة والعالية وغير الشرعية حتى بقوانين السوق.

لكن اتفاق أوسلو أعلن وقف المقاطعة على اعتبار أن ما حصل هو سلام الشجعان، بينما كانت ولم تتوقف سياسات العدو بأن “السلم” هو طبعة من الحرب.

 

فيما يخص المحتل 1948:

لعل المقاطعة الأصعب هي التي يمكن ان يقوم بها فلسطينيو المحتل 1948 بما أن اقتصادهم تماما في بطن الاقتصاد الصهيوني الذي يصر على بقائهم في حالة أو وضعية “الضبط والمخزن”  يمعنى كبح مختلف مستويات تطورهم (الاقتصادي والسياسي القومي والثقافي والاجتماعي)  وقمعهم أمنيا من جهة وإبقائهم مخزنا لما يحتاجه سوق الكيان من قوة عمل وقوة شراء.

أخذا لهذا الوضع بالاعتبار، وإثر إدارة سلطة أوسلو الظهر لهم، اجتهدت في أكثر من بحث ومنها: تفكيك الدولة الإشكنازية بالمشروع القومي، في مجلة كنعان العدد 93 تشرين الثاني 1998، ص ص 9-46″ أي التفكيك بالهزيمة طبعا والتحرير. وقد اقترحت فيما يخص تشكيل مناخا وبنية للمقاطعة النسبية كمستوى من المقاومة :

“…من هذه الخطوات تشكيل اتحاد عمال عرب  مفصولا عن الهستدروت، واتحاد صناعيين واتحاد فلاحين ، ومن ثم برلمان فلسطيني ممثلا للطبقات والمؤسسات والهيئات  الاجتماعية والاقتصادية  واقامة جامعة عربية واتحاد مرأة. على ان تلي هذه او تتم بالتواكب معها اقامة المشاريع  الانتاجية  وبشكل خاص على اساس تعاوني وبالانسحاب الى الداخل  لتحقيق اعلى حد ممكن من الانفصال عن الاقتصاد الصهيوني دون المغامرة بخطوات انفصال  سريع للذين بعتمدون كليا على ذلك الاقتصاد. كل هذه كمقدمات  لتكون البنية الأساسية  للتنمية بالحماية الشعبية للاقتصاد والمجتمع” (ص 43). وقصدت حينها بذلك كمشروع مقاوم بغض النظر عن فرص النجاح، وأخذت بالاعتبار الدفوقات التمويلية التي أتت  باسم الانتفاضةفي تلك الفترة إلى كل فلسطين المحتلة والتي للأسف ذابت في جيوب أفرد وأحزاب.

لا زلت أعتقد أن بوسع الشعب تحقيق إنجاز ما، وذلك رغم القوى السياسية والمثقفين المتعاقدين ومنهم الذين يطرحون مرة اندماج اقتصادي بين (الكيان والمحتل 1967 وسوريا والأردن ولبنان) وبين انددماج اقتصادي بين (الاقتصاد الصهيوني، واقتصاد فلسطينيي 1948، واقتصاد الضفة الغربية المحتلة واقتصاد قطاع غزة المحتل) ثم ينتقلون من اللبرالية إلى رفض اللبرالية الجديدة، والمطالبة بدولة مسقلة في الضفة والقطاع.(أنظر عادل سمارة: استلاب التمول واغتراب التنمية في  مجلة كنعان العدد 149 لعام 2012)  أما الكارثة في هذا التقافز فهي في كون بعض هؤلاء  يشغلون مواقع في الجامعات المحلية وفي مؤسسات الأمم المتحدة مثل الإسكوا.

هذه الخطوة من فلسطينيي المحتل 1948 يمكن أن تعيد التجربة الناجحة في الانتفاضة الأولى في مقاطعة منتجات الاحتلال، وصولا إلى التنمية بالحماية الشعبية وهي المقاطعة التي بدأت وتبلورت شعبيا ولم  تنخلع من عسف العدو بقدر ما تمت تصفيتها باتفاق أوسلو. لذا، فإن حظوظا عالية للتجربة الجديدة طالما هي شعبية على أن تبقى محمية من امتطاء الأنواع العديدة من البريوقراطيين في السياسة والثقافة.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.