فرانز فانون ومآل المستعمِر والمستعمَر (الجزء الخامس والأخير)، عادل سمارة

فرانز فانون ومآل المستعمِر والمستعمَر في

الجزائر، جنوب إفريقيا وفلسطين (الجزء الخامس والأخير)

عادل سمارة

هل كان العنف هوية فانون

ولد فانون كأي إنسان يتأثر بالحدث ويؤثر فيه، لكنه وُوجه بحدث استعماري حتى ضد لونه فيمم وجهه شطر الشرق حيث الأمم القديمة ومعذبو الأرض وربما من هنا تبلورت أمميته الفطرية.  لم يكن بحاجة لكبير عناء كي يكتشف ضرورة الصراع مع هذا الغرب الراسمالي العنصري وضرورة الصراع بالسلاح مع عالم يعيش على حد السيف. وعليه، لم يكن العنف اختياراً بل تقاطع مع ضرورة تتعلق بالوجود والكرامة الإنسانية. اكتشف فانون بالوعي الثاقب أن الثائر في عالم متوحش يتمترس خلف سلاحه وخلف وعيه. وهذا يكشف أن نقد كتاب غربيين له في موقفه من العنف هو في حقيقة الأمر استكثار على الأسود أن  يثور وأن يكتب.

لم يخف ديفيد ماسي بغضه ل فانون حيث كتب:: “إن فانون قد استخدم بشكل سيء تغيرات ولدت في ظروف  استثنائية من اجل ثورة دائمة”. وهل كل هذا التوحش الممتد للاستعمار مجرد حدث عابر!

لعل نقد هؤلاء لفانون هو امتداد لما آل إليه كثير من المثقفين الغربيين بدعوتهم للتسامح. وهي الدعوة التي كان يجب أن يضادها الثوريون بالرفض لأنها تخصي المقاومة من جهة، وهذا ما حصل مع القيادة الفلسطينية، وتسمح للمستعمِر بالنجاة من أية عقوبة او دفع ثمن جرائمه والتي أقلها استغلال ما نهبه من المحيط ليزيد تفوقه على المحيط بما يُبقي المحيط تابع من مداخل أخرى ومحافظا على استقطاب حاد  يمكن تجاوزه باللحاق بل بالثورة التي اعتبرها فانون الطريق الوحيد. لا شك ان عنف فانون هو قابلة قانونية للثورة الاشتراكية، لكنه لم يطرحها بوضوح. وهنا التباسه. لقد رفض فانون نظرية اللحاق لكنه لم يحدد ماذا بعد!

كتب فانون:”…إن العالم الثالث يقف الآن أمام أوربا كتلة عظيمة  تحاول حل المشكلات التي لم تستطع أوربا أن تأتي لها بحلول، ولكن يجب علينا أن لا نتحدث عن وفرة الإنتاج، وأن لا نتحدث عن الجهد العنيف، أن لا نتحدث عن السرعة الكبيرة. ليس معنى هذا أن نعود على الطبيعة وإنما معناه أن لا نشد البشر إلى اتجاهات تشوههم، أن لا نفرض على الدماغ إيقاعا سرعان ما يفسده ويفقده سلامته، يجب علينا أن لا نتذرع بحجة اللحاق فنزعزع الإنسان وننتزعه من ذاته، من صميمه، ونحطمه، ونقتله. ..لا نحن لا نريد اللحاق بأحد….. إذا أردنا أن نحول أفريقيا إلى أوربا جديدة، وأن نحول أمريكا إلى أوربا جديدة كان علينا أن نعهد بمصائر بلادنا إلى أوربيين، لأنهم سيحسنون التصرف أكثر من أعظمنا موهبة….”

الرجل غني عن أن نؤكد أنه لم يكن مبهوراً بالغرب الراسمالي الأبيض ولا حتى بالتشبه بنظامه وقيمه. بل كان واضحاً في رفضه للنموذج اللبرالي الراسمالي سواء في رفضه وتحذيره من الكمبرادور، أو في إعلانه بوضوح رفض نظرية اللحاق التي حاول التأسيس لها والت روستو في خمسينات القرن العشرين والتي اتبعتها دول عديدة في المحيط وكانت سلسلة ضحايا وصلت المئة بوصفات صندوق النقد الدولي.

هل نتهمه بالنبوءة في رفض اللحاق؟ أم نتهمه بالنبوءة في رؤيته الثاقبة المبكرة لتوحش الولايات المتحدة. فقد كتب: «… منذ قرنين، قررت مستعمرة أوروبية قديمة ان تلحق بأوروبا، وقد بلغت من النجاح من ذلك، ان الولايات المتحدة الأميركية أصبحت كائنا عجيبا مشوها تضخمت فيه تضخما رهيبا عيوب أوروبا وأمراضها ولاإنسانيتها».

لكن غاب عن فانون أن امريكا لم تقرر اللحاق بأوربا، بل إن أوربا خلقت أمريكا ونهبت من المستعمرات السمراء كالهند مثلا كي تستثمر في المستوطنات البيضاء، أي امريكا.أي ان المتسوطنات البيضاء هي مشاريع تم تصميمها ورعايتها راسماليا من الإستعمار الأبيض الأم.

لكننا لا بد أن نذكر بأنه لم يطرح سيناريوا ما بعد رغم انه كان أمامه عيانا أي الاشتراكية. هل حال دون ذلك الهجوم الإعلامي والفكري الغربي الراسمالي ضد الاتحاد السوفييتي؟ أم أن عشقه للحرية وعلاقته مع سارتر الذي نقد جانب الحرية في الماركسية أبعده عن الاشتراكية؟

وختاما، يبرزالسؤال: هل كان فانون منظِّر المجتمعات الفلاحية ولو بمضمون طبقي للفلاحين؟ وكي أوضح، فإن عدم انتقال فانون إلى التبني المباشر للنظرية الماركسية-اللينيية أبقاه في مرحلة ماقبل الدفع باتجاه الثورة الاشتراكية تحديدا.  وفي حقيقة الأمر، فلا تناقض بين الماركسية وفكر وممارسة فانون الذي رأى في العنف طريق الخلاص لكنه لم ينتقل به إلى الصراع الطبقي الذي هو العنف الضروري والقابلة لقتل الإنسان الماقبل اشتراكي وخلق الإنسان الاشتراكي.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.