استانة 4 ومراوغة قوى العدوان: العلاج في الميدان، العميد د. امين محمد حطيط

ما ان حققت سورية وحلفاؤها النصر الاستراتيجي الكبير في حلب، حتى سارعت روسيا الى الدعوة الى اجتماع استنه ليكون اطارا لوقف العمليات القتالية، واستئناف العملية السياسية التي تقود الى حل يؤكد على مرجعية الشعب السوري في تقرير مستقبل سورية وكل ما يتصل بهذا المستقبل من شؤون الحكم وشكل الدولة ونظامها ومن يتولى السلطة فيها.

لقد استغلت روسيا لحظة حاسمة في اطلاق دعوتها ، لحظه تشكلت من انتصار الدفاع عن سورية في حلب ، وانكسار تركيا و الإطاحة بآمالها هناك ، و انشغال اميركا في “مرحلة الكوما” التي تفصل بين ولايتين رئاستين ، فاستغلت روسيا ذلك و دعت تركيا لتكون شريكا في منظومة  رعاية “وقف الاعمال القتالية” رغم علم القاصي و الداني بان تركيا هي احد المكونات الرئيسية في العدوان على سورية و رعاية الإرهاب  فيها ، و لكن كان لابد في الحسابات الروسية من وجود تركيا  في المنظومة لضمان فعاليتها و نجاحها كونها من معسكر العدوان، و استجابت تركيا للدعوة ، استجابة المضطر الذي ليس بين يديه حل اخر .

لقد حققت اجتماعات استانا 1 ثم 2، جزء معقولا مما عول عليه فيها، ان لجهة الميدان وصياغة تفاهمات حول وقف العمليات القتالية، او لجهة تصويب المسار السياسي ما أدى الى استئناف اعمال جنيف بعد ان كانت اميركا اوقفتها في نيسانابريل 2016 اشارت للإرهابين بالعودة الى الميدان لتفجير الجبهات من جل الحصول على أوراق تصرف في المفاوضات وتحسن مواقع قوى العدوان على سورية.

 وقد تمددت مفاعيل انتصارات سورية التي حكمت اجتماعات استنه الى اجتماعات جنيف 4 بعد ان اضطر دي مستورا للدعوة اليها فكان نجاح سوري فيها ترجم بالاستجابة للمطالب السورية بوضع الإرهاب ملفا رئيسيا موازيا لأي بحث اخر. والكل يعلم ان العدوان إذا جرد من الإرهاب وهو سلاحه الرئيسي فان نهايته الحتمية الى الفشل تصبح مؤكدة.

لم تكن اميركا مسرورة بالمشهد العام في جنيف 4، لذا تحركت قبل استنه 3 لتكبح اندفاعة تركيا فيها، وكان اتصال يومها من ترامب الرئيس الأميركي الجديد باردغان افضى الى انقلاب تركي على التعهدات السابقة، وعرقلة مباحثات استانا 3 تبعه أيضا نوع من تراجع او جمود في جنيف 5. وكان واضحا ان سياسة العودة الى الميدان هي ما تتجه اليه قوى العدوان بقيادة أميركية لممارسته تماما كما حصل في العام 2016 خلال جنيف 3.

نعم لم تكن اميركا-الدولة لعميقة راضية على مسار الاحداث من استنه الى جنيف في ظل وعود ترامبية انتخابية بالتركيز على محاربة الإرهاب بشكل فعلي ، و تجنب الخوض في مسائل الحكم و السلطة في سورية باعتبارها أمور تعني شعبها فقط ، كما لن تكن متقبلة مشهد تبدو فيه روسيا مرجعية أساسية في شان دولي هام هو الازمة السورية لا بل و وتتقدم الدور الأميركي الى حد بعيد ، بالإضافة الى ادراك الدولة لعميقة بان أي تحريك للمسار السياسي في ظل اختلال التوزان الميداني لصالح معسكر الدفاع عن سورية ، سيؤدي الى تكريس هزيمة معسكر العدوان على سورية و ضياع جهود 6 سنوات من “الفوضى الإرهابية المدمرة” بقيادة أميركية .

لذلك رات الدولة العميقة في اميركا ان عليها ان تبادر الى عمل سريع يوقف انهيار القوى الإرهابية في الميدان، ويوقف اندفاعة الجيش العربي السوري وحلفاؤها ويمنعهم من تحقيق المزيد من الانتصارات الكبرى التي تزيد من حالة الارجحية في الميدان لصالح سورية، كما وتمنح اميركا الوقت اللازم لإعادة تقييم الموقف وإطلاق خطة جديدة تكون كفيلة باحتواء الوضع وتعويض الخسائر وانقاذ الهيبة.

استجابة لهذه المتطلبات، قامت قوى العدوان بشن الهجوم المزدوج على شرقي دمشق وريف حماه الشمالي، هجوم تزامن مع عدوان إسرائيلي جوي مباشر على سورية لدعم الإرهابيين، تلاه تلفيق مسرحية الكيماوي في خان شيخون التي اتخذتها اميركا ذريعة للعدوان الصاروخي الاميركي على سورية بقصف مطار الشعيرات ب 59 صاروخ توما هوك، وتوج التحرك العدواني بأطلاق خطة “الأقاليم الانفصالية الثلاثة.

في مواجهة هذه الحلقة من العدوان، دافعت سورية وحلفاؤها عن مكتسباتها بشكل علمي هادئ مدروس بعيدا عن الارتجال والانفعال وطبعا بعيدا عن الغوغائية والاستدراج، وردت على العدوان وفقا لقواعد الرد الناجع الذي يرتكز على منطق التمييز بين الاعمال العسكرية الحربية التي تقود الى تحقيق اهداف عملانية واستراتيجية محددة وتكسر إرادة العدو، وبين الاعمال الاجرامية التي لا غاية لها الا القتل والتدمير. وكان رد سورية ومحور المقاومة والحلفاء معها متجها الى اسقاط اهداف الهجوم والتشبث بالمواقع وحصاد المزيد من الانتصارات الميدانية.

وهذا ما كان بالفعل في الميدان من دمشق الى حماه، الى التعامل مع العدوان الإسرائيلي بما ثبت معادلة الردع وعطل مفاعيل التدخل، الى التعامل مع العدوان الأميركي بما عطل مفاعيله، مرورا بمواجهة مسرحية خان شيخون ومنع المجرم من استثمار جريمته، وانتهاءا بالرد الحاسم على خطة الأقاليم الثلاثة، حيث قاد الرئيس الأسد شخصيا الهجوم السياسي عليها كما هو عهده في المواقف الصعبة.

و جاءت نتيجة المواجهة لصالح سورية التي يمكنها القول بانها احكمت خطتها الدفاعية بشكل منع العدو من امتلاك أي ورقة في الميدان، حيث ان جبهة دمشق تهاوت امام الجيش العربي السوري و استكمل الإرهابيون انهيارها باقتتالهم بما سيفتح الطريق لا خراجهم جميعا وكليا منها ، كما ان انتصارات الجيش في حماه لم تتوقف عند احتواء الهجوم الإرهابي بل و تطورت و توسعت مواقعه الى ان باتت على مسافة 20كلم من حدود محافظه ادلب الإدارية ليوجه رسالة قوية ان سورية لن تسمح بإقامة الإقليم الانفصالي هناك، اما ثبات الجيش في الجنوب فقد كان مع المواقف الحازمة للقيادة السورية كفيلا بان يفرض على الأردن التراجع -اقله الان- عن المساهمة في مشروع “إقليم الجنوب”  ، و أخيرا كان الصراع الكردي التركي الدموي في الشمال الشرقي كافيا لتجميد معركة الرقة و تاليا إقليم الشمال الشرقي ، و النتيجة تعاظم ارجحية سورية في الميدان . وفي ظل هذا المشهد يعقد استانا 4، فهل سيحقق جديدا؟

هنا نذكر بان المهزوم في الميدان يذهب الى التفاوض من اجل الأقرار بالهزيمة و الاستسلام ، او من اجل المراوغة  و التسويف  لكسب الوقت للعمل على تحسين مواقعه و قد يرى البعض في الاتصال الهاتفي الذي جرى قبل ساعات من بدء اعمال استانا 4 بين ترامب و بوتين و الإعلان عن تفاهمها حول وجوب محاربة الإرهاب ووقف العنف في سورية نوعا من توطئة لتوفير فرص نجاح الاجتماع ، لكن موقف الخارجية الأميركية و ببيان مكتوب ينسف هذا الظن و يؤكد ان اميركا غير مكترثة بالاجتماع و لا تنتظر منه في صيغته القائمة و في ظرفه شيئا و لذا لم تشارك فيه بأكثر من مراقب يسمع و يسجل ظاهرا و يعرقل و يمنع باطنا.

  ان اميركا وكما نعتقد لم تصل بعد الى قناعة بان عليها الاعتراف بفشل عدوانها والخروج من الميدان السوري بل لازالت تؤمل بنجاح ما حتى ولو كان على سبيل جوائز الترضية ولذلك نراها تستمر في تحشيد قوى هنا وتركيب تحالفات هناك وتلفيق أكاذيب هنالك من اجل الاستمرار في العدوان، وقد يكون في جديدها مسرحية كيماوي اخرى من اجل إعطاء دفع إضافي للعدوان عبر عمل عسكري مباشر محدود ضد سورية.

و لهذا و لان استانا 4 بحاجة الى عمل من الفريق الاخر المشارك في العدوان على سورية حتى يحقق شيئا ما  فاننا و مع حال اميركا هذا ، لن نعلق كثيرا على اجتماعات استنه 4 او جنيف المنتظرة في اخر هذا الشهر كما قيل ،و مع هذا فان المراوغة الأميركية لن تعدم هذه الاجتماعات قيمتها اذ يكفي انعقادها -مجرد انعقادها-  بالصيغة التي انطلقت فيها وبمرجعية روسية لنقول انها مفيدة في تكريس واقع افول نظام الأحادية القطبية ، لصالح التعددية و ان فيها رسائل لمن اعتدى على سورية بان معسكر الدفاع جاهز على الاتجاهين ، الميداني حيث يحصد الانتصارات مع استمرار المواجهة الدفاعية الفاعلة حتى يقتنع المعتدي بفشله ووجوب وقف عدوانه  و السياسي حيث تصرف الانتصارات ويؤكد على حق الشعب السوري بالسيادة و القرار المستقل الذي من اجله قدم كل هذه  التضحيات.

:::::

“البناء”، بيروت

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.