تدوير الزوايا بعد الكوفية بالعمامة، عادل سمارة

حينما يتحول هدف حركة مقاومة هو دولة لشعب تحت الاستعمار وخاصة الاستيطاني الاقتلاعي، وحتى لو تم ردف مطلب الدولة بمفردة التحرير كثيرا أو قليلاً،  فذلك يعني :

  • أن مشروع التحرير تلك الحركة إنتهى
  • وبأن من تغير هو هذه الحركة.
  • وبأن العدو بقي كما هو واستقوى من موقفها وفي هذه الحالة يتم الخروج التام عن نظرية فرانز فانون بأن الثورة تقتل المستعمَر والمستعمِر القديمين وتخلق جديدين (الحالة الفلسطينية حركة مقاومة لا ثورة). اي تسقط حركة المقاومة في وهم “الإستقواء بالضعف”.

هذا حال فصائل م.ت.ف نصف العلمانية وحالة قوى الدين السياسي الإسلامي، حماس خاصة.

ولعل هذا هو الفارق بين مقاومة أو ثورة ضد استعمار عسكري /إقتصادي وبين حالة المستوطنات الراسمالية البيضاء وخاصة الكيان الصهيوني.

فيما يخص م.ت.ف وعلى الأقل منذ 1988، فقد قيل فيها، وقال عنها الواقع أكثر مما قال “مالك في الخمر” وها هي يومياً تضخ في الجسد الشعبي الفلسطيني والعربي التطبيع والتنسيق الأمني وسيطرة الفساد والاستهلاكية وعدم الإنتاج وتراجع الزراعة وكم الأفواه، وبعض قادتها يفتخر رغم كل هذا وكأنه من سادة قريش!.

بدأت المحطة العلنية والفعلية للتخلي عن التحرير ل م.ت.ف في الجزائر 1988، وهو ما كتبت عنه حينها:

“… لقد بادرت البرجوازية الفلسطينية وقبل انتهاء العام الأول للانتفاضة إلى إعلان دولة فلسطينية “خارج فلسطين وأعلنت لها برلمانا  من المناطق المحتلة، وأعلنت اعترافها بإسرائيل. فماذا كانت  نتيجة هذا. … وبهذا فقد تحولت القيادة البرجوازية للمنظمة نفسها الى قيادة بديلة لنفسها  “السابقة” … تبلور شكل من الحكم الذاتي داخل المناطق المحتلة  وهو الشكل الذي غضت اسرائيل عنه الطرف خلال الانتفاضة  وقمعت من طريقه اللجان الشعبية . ويتجلى ذلك في تلك المجموعة الكبيرة من مؤيدي المنظمة  الذين يتحركون ويصرحون  بشكل علني ويجرون اللقاءات والحوارات مع السلطة الإسرائيلية واليمين الإسرائيلي. إنهم يحضرون انفسهم للتفاوض مع اسرائيل وتحضرهم إسرائيل نفسها لذلك.  وبهذا، فقد اقامت الجماهير الشعبية على نفسها واقامت مقام نفسها “سلطة حكم ذاتي برجوازية  وفي الوقت الذي تقدم فيه أغلى التضحيات  دون ان تدرك، وفي هذا حالة رهيبة من الاغتراب”[1]

ورطتان لحماس لا واحدة:

ليس غريباً أن تعلن حماس اليوم مغادرة مشروع التحرير وأن تدخل  مسرباً دخلته م.ت.ف، ولم تخرج. ولا يعود هذا إلى كونهما من شعب واحد، ولا حتى ثقافة واحدة وإن بدت متباعدة، بل يرتد السبب إلى:

  • العجز عن الاضطلاع بالمشروع
  • والعجز عن اعتبار التضحيات حق للشعب، وبالتالي التعفف عن استثمارها لتكون هي الرصيد وليست رصيداً للوطن.

فإخلاء السبيل بسبب العجز حتى لو معظم مسبباته خارجية، هو الموقف الثوري الحقيقي لأن النضال تضحية وليس استثماراً.

دخول حماس في فوائد اتفاقات أوسلو (والتي أسس لها مؤتمر مدريد والجلسات العشرة ببصمة الحكام العرب) هو تحقيق مكاسب حزبية على حساب خسائر وطنية، وهو دخول لم يتم في الأيام الأخيرة، كما يقول كثيرون/ات بل منذ الانتخابات الأخيرة 1996. وهو الموقف المساوِم بل المتفق مع والعامل بموجب أوسلو بوضوح.

لكن تواطؤ معظم الفصائل الفلسطينية والأحزاب والأنظمة العربية وما تسمى الأسرة الدولية حينها وحتى اليوم، سجل ذلك كموقف إيجابي وليس كسقوط وطني رغم أنه نتاج “ديمقراطية” تحت استعمار استيطاني وبإشراف رئيس سابق لأمريكا العدو الأخطر على البشرية. وما ينطبق على حماس ينطبق على كافة الفصائل باستثناء الجهاد الإسلامي والتيار القومي رغم ضعفه.

من دخل الانتخابات لمجلس الحكم الذاتي وللرئاسة هو عملياً قام بالتطبيع، واعترف بالكيان الصهيوني مهما قال بعد الغطس في المطهر بأنه لا يعترف بأوسلو؟ ذلك على الأقل لأن أوسلو صفقة قدمها العدو الأمريكي عبر موافقة العدو الصهيوني. وتعني بوضوح ان التحرير تم طويه.

ولأن هذا السقوط مرضي عنه بل مطلوب دوليا، لم يعد يذكره أحد وذلك بقصد،  رغم أنه اسس لما يحصل الآن. وعليه، فأعتقد أن حديث أي قيادي في أي فصيل شارك في الانتخابات (المجلس والرئاسة للحكم الذاتي تحت الاحتلال) هو غير صحيح، وتصمت الناس عنه بين تواطؤ ومشاركة وخجل، وهذا لا يخدم.

وثيقة المبادئ والسياسات العامة لحماس هي ورطة تكميلية للورطة التأسيسية الأولى والتي تمت ضمن “هٌليلة” إعلامية غربية خدعتنا بالديمقراطية والنزاهة لتمر الكارثة، وحصل. والوثيقة ورطة ليس لأنها تكرر ما قامت به فتح كقيادة ل م.ت.ف، ومختلف فصائلها، بل لأنها انتهت إلى مشروع الدولة من جهة، وحددت  حدود الدولة. ولا ننسى أن الانقسام، سواء هو انقلاب، أم تنافس بهدف السلطة بين الطرفين فهو نفسه حصل لأن الدولة صارت الهدف. وفي الحالة الفلسطينية الدولة تعني السلطة بمفهوم البنية الفوقية Superstructure وليس بمفهوم البنية التحتية وتحديدا منها الأرض/الوطن كله، بل وليس جزئه في حدود 1967 لأن الحكم الذاتي بلا سيادة على الأرض لكن له سيادة على حياة الناس. ولذا، الانقسام ابن سفاح عشر سنوات، ينمو برعاية طرفي الصراع!!!

فلو كان نص وثيقة حماس “نحن نهدف إلى دولة فلسطينية في كل فلسطين” حتى لو لم تتم الإشارة إلى التحرير بالسلاح، لكن الأمر واضح بان طرفا لا يتخلى عن الوطن بغض النظر عن  طرق النضال. أما ان تقول في حدود الرابع من حزيران، حتى لو اردفتها  بسيادة حقيقية أو حتى حصلت على سيادة حقيقية في هذه الحدود،  فقد تم وضع الحدود سلفاً، ويصبح اي حديث عن كل فلسطين والتحرير وأنواع المقاومة مجرد لغة وبلاغة.

ومن جهة ثانية، فإن اختيار اللحظة الوسخة من التاريخ لإعلان الوثيقة هو تلطي بسوء المرحلة وهبوط سقفها مما يقلل الرفض والنقد. وهذا يؤكد صحة كثير من عبارات الوثيقة عن الواقع والعالم وتدوير الزوايا…الخ. ولكن في اللحظات الصعبة لا يكون الخيار فقط هو التكيُّف.

لم تقل لنا حماس في الوثيقة كيف ستحصل على دولة في حدود 4 حزيران 1967؟ بل إن مجرد ذكر كلمة “خطوط” بدل حدود هي تعمية مقصودة، أو قبول خجِلٍ، يعني أن هناك دولة “شرعية”أخرى! ما هي آليات الحصول على هذه الدولة الفلسطينية  بتعبير حماس وغيرها “إقامة” دولة! وإقامة لا تعني الكفاح المسلح. بصراحة. فمن الذي سيمنحها لكم جميعاً. هذا ما يقرأه المرء من نقطة رقم عشرين في الوثيقة.

“20. لا تنازلَ عن أيّ جزء من أرض فلسطين، مهما كانت الأسباب والظروف والضغوط، ومهما طال الاحتلال. وترفض حماس أي بديلٍ من تحرير فلسطين تحريراً كاملاً، من نهرها إلى بحرها. ومع ذلك – وبما لا يعني إطلاقاً الاعتراف بالكيان الصهيوني، ولا التنازل عن أيٍّ من الحقوق الفلسطينية – فإن حماس تعتبر أن إقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة، وعاصمتها القدس، على خطوط الرابع من حزيران/ يونيو 1967 مع عودة اللاجئين والنازحين إلى منازلهم التي أخرجوا منها، هي صيغة توافقية وطنية مشتركة….”

بكلمة أخرى، إذا كان التحرير هو الأساس فلا معنى  للقول “تَعتبر إقامة…الخ” لأن ذلك تحصيل حاصل بعد التحرير، مع  أن “تعتبر إقامة” تعني أن أحدا ما غير حماس سيقيمها، وهي بالتالي تقبل بذلك! وحسب.

وما ورد أعلاه ليس كل  ما يُقال في الوثيقة، فهناك أمور أخرى يمكن تكثيفها تالياً.

1- تعريف الحركة:

  1. حركة المقاومة الإسلامية “حماس” هي حركة تحرّر ومقاومة وطنية فلسطينيَّة إسلامية، هدفها تحرير فلسطين ومواجهة المشروع الصهيوني، مرجعيَّتها الإسلام في منطلقاتها وأهدافها ووسائلها. “

ما معنى هذا غير أن الدولة التي قد تقودها حماس سوف تكون كالسعودية وكيانات الخليج والسودان. أي دولة دينية رغم ان الدين هو جزء من الثقافة وليس السياسة، وبالتالي، فلا مستقبل للعرب المسيحيين فيها مهما لحق نص هذه النقطة من مغازلة مجانية. ولا مكان طبعا للعلماني. استذكر هنا حديث اسماعيل هنية في مؤتمر إسلامي في غزة قبل تسع سنوات حيث قال: “إن أعدائنا هم أمريكا والعلمانية”!

“… فلسطين أرض عربية إسلامية، وهي أرض مباركة مقدّسة، لها مكانتها الخاصة في قلب كلّ عربي ومسلم”.

هذا نص التباسه مقصودا. لا مساواة بين العرب والمسلمين في أرض فلسطين. هي أرض عربية وأما الإسلام فدين، أي جزء  من الثقافة. فهل النيجيري والإندونيسي يقولان عن وطنهما مشتركا مع العرب أو مع بعضهما ؟

“الإسلام وفلسطين:

  1. فلسطين في موقع القلب من الأمة العربية والإسلامية…..الخ”

لا توجد امة إسلامية  بل أمما من مسلمين بشكل تام أو جزئي. وباستثناء خرافة الأمة-الدين اليهودية فما من فكر تقدمي يعتبر الدين أمة. أي يضعنا هذا النص أمام:

  • إقرار بأمة يهودية وبالتالي بكل ما ورد في كتابهم/كتبهم ومنها أن الله أعطى فلسطين لهم!
  • تنحصر الدول ذات الأديان السماوية في دولة لمسلين وأخرى للمسيحيين.
  • يصبح صراع العالم ديني  ولا ديني.

” 21. تؤكد حركة حماس أن اتفاقات أوسلو وملحقاتها تخالف قواعد القانون الدولي الآمرة من حيث إنها رتبت التزامات تخالف حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، ولذلك فإن الحركة ترفض هذه الاتفاقات، وما ترتب عليها من التزامات تضر بمصالح شعبنا، وخاصة التنسيق (التعاون) الأمني”.

هنا نصل إلى مكابرة بلا معنى ولا سند، فنفس حركة حماس دخلت الانتخابات السابقة عبر اتفاق أوسلو! كما ورد أعلاه.

البند التالي يناقض البند 20  الذي يقبل بإقامة دولة على خطوط  4 حزيران 1967/ طالما الدولة الحقيقية هي ثمرة التحرير، فليكن التحرير إذن، فما سبب الاستعجال؟ هل هو حصة في التقاسم بموجب أوسلو؟

“لنظام السياسي الفلسطيني:

  1. الدولة الفلسطينية الحقيقية هي ثمرة التحرير، ولا بديلَ من إقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة على كل التراب الوطني الفلسطيني، وعاصمتها القدس”

إذن فليبق المشروع هو دولة ما بعد التحرير.

  1. تؤمن حماس وتتمسك بإدارة علاقاتها الفلسطينية على قاعدة التعددية والخيار الديمقراطي والشراكة الوطنية وقبول الآخر واعتماد الحوار، بما يعزّز وحدة الصف والعمل المشترك، من أجل تحقيق الأهداف الوطنية وتطلّعات الشعب الفلسطيني.”

جميل، ولكن، هل طبقتم هذا في غزة على مدار عشر سنوات؟ فلماذا نقتنع بوعود عن ما ستقوم به حماس لاحقا؟

لا يجد القارىء معنى أو مضمون محدد للبند التالي سوى انه ديكور:

  1. إنَّ دور المرأة الفلسطينية أساس في بناء الحاضر والمستقبل، كما كان دائماً في صناعة التاريخ الفلسطيني، وهو دور محوري في مشروع المقاومة والتحرير وبناء النظام السياسي.”

فبخصوص المرأة لا بد على الأقل من تحديد موقف بأن هدفهم هو: تمكين، مساواة أم تحرر المرأة؟

[1]  أنظر: عادل سمارة، الرأسمالية الفلسطينية من الشوء التابع إلى مأزق الاستقلال: منشورات الزهراء القدس 1991، ص ص 294- 295.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.