ملف الإنتخابات الرئاسية في فرنسا 07/05/2017 ، الطاهر المُعز

 

تقديم:

ما هو معيارنا كعرب وكادحين وتقدّمِيِّين وما هي بوصلتنا لتحديد موقف والتعبير عن وجهة نظر بخصوص الإنتخابات الفرنسية، وفق مصالحنا كمهاجرين عرب وكفلسطينيين وكشعوب استعمرتها فرنسا من المغرب حتى سوريا…

أصبح “إيمانويل ماكرون” رئيسًا لفرنسا يوم 07/05/2017 بفوزه على زعيمة حزب اليمين المتطرف (الجبهة الوطنية) وابنة مُؤَسِّسِه بنسبة حوالي 65,5%، لكن 26% من الناخبين (البالغ عددهم نحو 47 مليون ناخب) امتَنَعوا عن التصويت، وهو رقم قياسي في تاريخ الإنتخابات الرئاسية الفرنسية، فيما سجل 4,2 مليون عدم رضاهم بوضع بطاقة بيضاء أو مُلْغاة، أو ما يُعادل 9% من المُسَجّلين في قائمات الإنتخاب ونحو 12% من المُشاركين في عملية التصويت، وارتفع عدد الأصوات التي حصلت عليها زعيمة اليمين الفاشي من 7,6 ملايين صوت في الدورة الأولى إلى أكثر من عشرة ملايين صوت في الدورة الثانية، أي ان عددا هامًّا من ناخبي اليمين “الليبرالي” (التقليدي) نزحوا نحو مزيد من التّطَرُّف، وتجدر الإشارة إلى أن المرشحيْن من أُصُول طبقية ثَرِيّة فجان ماري لوبان ملياردير وأُسرة ماكرون ثرية وعريقة الثراء، ولا يُمْكِنُ لأي منهما ادّعاء الدفاع (أو حتى تفهم) عن الفقراء والعمال والمُسْتَغَلِّين والمُضْطَهَدِين… يُمكن تأويل أسباب ارتفاع نسبة المُمْتَنِعِين عن التصويت وارتفاع نسبة البطاقات البيضاء أو المُلغاة بالإختيار المغْشوش المطروح على الناخبين، فالرئيس الجديد يميني الهوى والعقيدة والإتجاه، وعمل مُقَرِّرًا لإحدى اللجان الإقتصادية التي أنشأها الرئيس اليميني “نيكولا ساركوزي”، لكنه كان مُسْتشارًا أيضًا ووزيرًا في حكومة الحزب الإشتراكي، وهو صاحب قانون تخريب قانون العمل، ويعتزم مزيدًا من التخريب، وهو خريج المدرسة القومية للإدارة (مدرسة النّخْبَة) وكان مديرًا تنفيذيًّا في مصرف روتشيلد، وزار الكيان الصهيوني قبل انتخابه ويعبِّرُ صراحة عن دعمه للكيان الصّهيوني، وأسس حركة سياسية قبل سنة واحدة من الإنتخابات، حازت دعم كافة وسائل الإعلام المملوكة لمجموعات رأسمالية كبرى، ودعم المصارف وسوق المال (البورصة)، وهو مدعوم (مثل ساركوزي) من المجموعات المالية ومن الولايات المتحدة والشركات متعددة الجنسيات وصندوق النقد الدولي، وليس ما باب الصُّدَف أن ينتقل من مصرف روتشيلد إلى وزارة المالية ثم إلى كرسي الرئاسة، وهو المجهول تممًا من الجمهور ولم يتقدم إلى أي انتخابات محلية أو برلمانية أو أوروبية في السابق، وفيما يَخُصُّنا كتقدميين عرب فهو مدعوم من المجموعات الصهيونية وأهمها “كريف” في فرنسا، ثاني أقوى مجموعة ضغط صهيونية في العالم بعد “إيباك” الأمريكية، وندَّدَ بمحلة مقاطعة الكيان الصهيوني المعروفة ب”بي دي إس”

من الملاحظات التي وجب إدراجها في المقدمة ما يتعلق بالنظرة الخاطئة لبعض الإتجاهات النِّسوية، فمارين لوبان هي أمرأة ولكنها فاشية وقبلها كانت مارغريت تاتشر وغولدا مئير (رئيسة وزراء العدو من 1969 إلى 1974) وغيرهن من الزعيمات السياسيات، ولذلك فإن الفكرة أو البرنامج هو المقياس الأهم لمساندة أو مُعارضة شخص أو تيار سياسي أو عقائدي، وليس جنس الناطق باسمه، ولا يَصُح تطبيق مقولة “انصر أختك ظالمة أو مظلومة” في ميدان السياسة

مناخ الإنتخابات:

قبل يومين فقط من الجولة الأولى للإقتراع وانتخاب رئيس جديد لفرنسا، وقع حادث تبادل إطلاق النار (يوم 20/04/2017) بين إرهابيين ورجال الشرطة في شارع “شانزليزيه” الفاخر والشهير في العالم، ومَثَّلَ هذا الحادث فرصة تاريخية لمرشحة اليمين الفاشي لتزيد من التّرْكيز على انعدام الأمن وضرورة العودة إلى تنفيذ حكم الإعدام وطرد المهاجرين وأبنائهم أو زيادة التضييق عليهم، وقد تكون هذه الحادثة (التي تَبَنَّاها تنظيم “داعش”) أحد مُسَبِّبَات ارتفاع نسبة التصويت لصالحها في الدور الأول (7,7 مليون صوت) في المرتبة الثانية بعد مرشح رأس المال المالي “إيمانويل ماكرون بنحو 8,65 مليون صوت)، ما يُعيد إلى الأذهان ما حدث سنة 2002، حيث بلغ والد “مارين لوبان” (مؤسس الحزب الذي تتزعمه ابنته) الدور الثاني لانتخابات الرئاسة، للمرة الأولى في تاريخ فرنسا بعد ثمانية أشهر من تفجيرات 11 أيلول في أمريكا، وجو الرّعب الذي خلقته الرأسمالية بعد الحادثة، واستغلّت ابنته حوادث التفجيرات في فرنسا (وفي أوروبا) بتصعيد هجوماتها ضد الفقراء والعُمّال، مُتَسَتِّرَة ب”مكافحة الهجرة والإسلام والإرهاب”، وهي مُرادفات في وسائل الإعلام الأوروبي لكلمة “عَرَبِي” (وربما افريقي أحْيَانًا)، تُضاف لها “السّلَفِية” و”الوهابية” التي لا يعرف معناها ومدلولها التاريخي والعقائدي سوى القليل جدا من الفرنسِيِّين والأوروبِّيِّين

خلفية تاريخية:

منذ انهيار اللإتحاد السوفييتي وانتصار الليبرالية الإقتصادية والعولمة الرأسمالية، اختزل النظام الرأسمالي العالمي “الديمقراطية” في عملية الإنتخابات (التي هي جزء فقط من الديمقراطية) وانحسر الإختيار في العملية الإنتخابية بين مُرَشّحِين يدافعون عن نفس المنظومة وعن نفس الإختيارات الإقتصادية والخصخصة وخفض الإنفاق الحكومي، مع اختلافات بسيطة في جوهرها بين التيار “الإشتراكي الديمقراطي” (حزب العُمّال في بريطانيا والإشتراكي في فرنسا والإشتراكي الديمقراطي في ألمانيا…) واليمين التقليدي (الديمقراطية المسيحية والمحافظين…)، وانقلب حكام أوروبا على الديمقراطية (التي اختزلوها في العملية الإنتخابية) عندما رفضت أغلبية عريضة من الفرنسيين والهولنديين الدستور الأوروبي، فجَمّدَت السلطات القومية والأوروبية عملية استشارة المواطنين وأقرت الدستور الذي تُشِير الإستفتاءات وعمليات سبر الآراء إلى رفض المواطنين له، بينما أصبحت وسائل الإعلام مِلْكًا لمجموعات اقتصادية ومالية ولا تُعَبِّرُ سوى عن مصالح البرجوازية في قطاعات معينة كالإتصالات والخدمات ورأس المال المالي والصناعات الحربية… في ألمانيا وبريطانيا وفرنسا كان حكم التيارات “الإشتراكية الديمقراطية” أشد وطأة على الأجراء والعُمّال والفُقَراء، بسبب تطبيق سياسة رأسمالية ليبرالية، بمساندة قِسْمٍ هامٍّ من النقابات ومن “المجتمع المدني”، وفي فرنسا أقرت حكومة الحزب “الإشتراكي” ما لم تستطع حكومة اليمين المحافظ (نيكولا ساركوزي) إقْراره (تغيير قانون العمل وزيادة الضرائب على الرواتب وزيادة الحوافز المالية للشركات والمصارف…) ما جعل جزءًا هامّا من المواطنين (خصوصًا الشباب) يتخبّطون في مشاكلهم اليومية في مواجهة البطالة والفقر وغلاء إيجار المَسْكن، ويعزفون عن السياسة، فيما اتجه جزء آخر إلى التصويت ضد مصالحهم، واختيار مُرَشّحِي اليمين الفاشي (ضمن خيارات محدودة)، بعد تنكر الرؤساء الذين تعاقبوا على الحكم منذ تأسيس الجمهورية الخامسة (1958) لوعود قطعوها وتنكروا لها بعد انتخابهم، وانحصر اختيار الناخبين الفرنسيين في الدورة الثانية لانتخابات الرئاسة (لفترة خمس سنوات) بين ممَثِّل رأس المال المالي (مجموعة “روتشيلد” المالية والمصرفية) واليمين الفاشي الذي يَعِدُ بتكرار التجارب الأليمة التي عاشتها أوروبا (مهد الرأسمالية والنازية والفاشية وعصابات المافيا…) مُسْتغلاًّ خوف الطبقة العاملة من البطالة والفقر ومن المستقبل الذي لا يَبْدُو وَاعِدًا لهم ولأبنائهم، وتُشَكِّلُ حركة أسواق المال (البورصة) أحد مقاييس جس نبض رأس المال المالي والمُضارب (غير المُنْتِج للثروات)، ورحبت هذه السوق بنتائج الدور الأول من انتخابات فرنسا حيث سجل “اليورو” أكبر ارتفاع له مقابل الدولار منذ خمسة أشهر، بنسبة 2% وارتفع مؤشّر “كاك 40” (يضم أكبر أربعين شركة ومصرف في فرنسا) بنسبة 4% لأن المُتَبَارِيَّيْن المُتَبَقِّيَيْن للدور النهائي (الدور الثاني) يدافعان عن مصالح رأس المال المالي، ولا تخشى أوساط سوق المال سوى تفوق “جون لوك ميلونشون”، وهو سيناتور سابق للحزب “الإشتراكي” لفترة طويلة، وبعد انفصاله عن هذا الحزب، أصبح الإعلام يُصَنِّفُهُ ضمن “أقْصَى اليسار”، والرجل (وتيّاره بريئان من ذلك)، ولا يقترح هذا المُرَشّح سوى إصلاح الرأسمالية من الداخل (الكينزية)، لكنه يناهض طرق عمل الإتحاد الأوروبي، ودعا سنة 2005 إلى التصويت ضد الدستور الأوروبي، ما تسبب في خروجه من الحزب “الإشتراكي”، وارتفعت كذلك مؤشرات الأسهم في أسواق المال الهامة في أوروبا، مثل لندن وفرانكفورت وميلانو، ووصل ارتفاع مؤشرات المصارف في فرنسا إلى 10% (“سوسيتيه جنرال”)…

مؤشرات:

قبل ثماني وأربعين ساعة من الدور الثاني لانتخابات الرئاسة الفرنسية (07 أيار/مايو 2017) وبعد المناظرة التلفزيونية بين ممثلة اليمين المتطرف وممثل المصارف الكبرى، اطمأنّت أوساط المال والأعمال في فرنسا وكذلك في أوروبا لنتيجة التصويت، قبل وقوعها، فارتفعت الأسهم الأوروبية يوم الجمعة 05 أيار 2017 إلى مستويات قياسية (1,9% خلال أسبوع) هي الأعلى خلال 21 شهرا فيما ارتفع المؤشر الفرنسي “كاك 40” بنسبة 1,1% وهو الأعلى خلال تسع سنوات ونصف، “بدعم من نتائج أعمال قوية وبيانات اقتصادية وانحسار المخاوف السياسية قبيل التصويت في الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة الفرنسية يوم الأحد” وفق تأويلات الصحافة المُخْتَصّة في شؤون الإقتصاد والبورصة، لأن رأس المال يَنْبُذُ “الاضطراب السياسي”، وارتفعت أسهم الشركات الكبرى في مجال الطيران والتعليم الخاص والخدمات والصناعة (باستثناء المواد الأولية)، وفق برقية لوكالة رويترز (المتخصصة في أخبار المال والأعمال)

ليس لإيمانويل ماكرون برنامج سياسي مختلف عن أي ليبرالي سواء الْتَحَفَ بلقب “اشتراكي” أو “محافظ”، وهو مرشّح “حزب المال” ويمثل إنتاجًا للشركات المالية والإعلامية، يُتْقِنُ فنون الدعاية الإشهارية والتَّسْوِيق لصالح ما يُسَمِّيه يساريو فرنسا “الليبرالية المتوحشة” (ما يفترض وجود “ليبرالية “ودِيَعَة” أو “لَطِيفَة” نقيضًا للمتوحشة)، ويُرَدِّدُ كثيرًا عبارات ممْجُوجَة مثل “الحداثة” و”التّجْدِيد”، ولا يتردّدُ في وصف أي مُحاجِجٍ له (فما بالك بالمُعَارِض) بالمحافظ والماضَوِي والتقليدي، مع وصف آراء الآخرين بانها “غير جديرة بالإهتمام” واحتقار العمال والنقابيين لأنهم ينتمون إلى الماضي ويُمَثِّلُونه حسب زعمه، ووجب التّخلّي عن مطالب تحسين ظروف العمل والرواتب وعقد حلف غير مُقَدّس بين رأس المال والعمل، بين المُسْتَغِل والمُسْتَغَل

كان “إيمانويل ماكرون” من أشرس أعداء الطبقة العاملة والأُجَراء عندما كان مُسْتَشَارًا لدى “فرانسوا هولاند” ثم وزيرً للإقتصاد سنة 2014 وقبل ذلك مُقَرِّر لجنة عيّنها “نيكولا ساركوزي” (سنة 2008)، ومنح اسمه لأسوأ المُراجَعات النيوليبرالية لتصفية المكتسبات الاجتماعية التي انتزعتها الطبقة العاملة منذ 1936 ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ويلتقي مع إيديولوجيات اليمين الجديد في الولايات المتحدة برفع شعار “لا يمين ولا يسار” ونفي الصراع الطبقي، بل وجود الطبقات أصْلاً، ويحظى بمساندة أوساط المال في أوروبا وحكومات ألمانيا وبريطانيا… يقترح “ماكرون” في برنامجه الإقتصادي خطة استثمار بقيمة خمسين مليار يورو، مع إلغاء أو خفض الضرائب على الشركات ورأس المال بما فيه المُضَارِب في البورصة، وخفض الإنفاق الحكومي بقيمة ستين مليار يورو وتسريح 120 ألف موظف حكومي بحلول 2022…

لم يحدث في تاريخ الجمهورية الخامسة (تأسست سنة 1958) أن تنافس مرشّحان للرئاسة في الدور الثاني، دون الإعتماد على كُتْلَة نيابية هامة، ما يعني نهاية حقبة تاريخية في فرنسا، في انتظار الإنتخابات التشريعية التي ستجري بعد نحو ستة أسابيع من انتخابات الرئاسة، ما يُؤَكّدُ إن الرئيس الجديد رجل أعمال ومصرفي وتاجر شعارات مُبْدِعٌ في علوم الإتصالات والإشهار، ودعمته المجموعات المالية (روتشيلد) فسَوّقَتْهُ وأوصلته إلى الرئاسة، خلال وقت قياسي قصير، وجعلته يحظى بتغطية إعلامية استثنائية بهدف لفَرْضه كحل وحيد أمام اليمين الفاشي، ومن المجموعات الإعلامية التي دعمته بقوة مجموعة رجل الأعمال الصهيوني “باتريك دراعي” (يحمل الجنسية “الإسرائيلية” وتَخَلّى طوعًا عن جنسيته الفرنسية)، كما حظي بدعم قوي من عُتاة الإستعماريين والصهاينة في فرنسا مثل “برنار هنري ليفي” ومجموعة “بوبلسيس” التي تكفلت بتقديم الجدار الصهيوني كوسيلة حضارية لحقن الدماء ونَظّمت الذكرى الستين لتأسيس دولة الإحتلال…  

فرنسا في محيطها الأوروبي:

احتفلت أوروبا بالذكرى الستين لمعاهدة روما (17 نيسان 1957)، وهي الاتفاق المؤسس للاتحاد الأوربي الحالي الذي يضم 27 دولة بعد خروج بريطانيا، والواقع ان أثرياء أوروبا تذكّروا هذا التاريخ واحتفلوا به، في حين لم تحتفل به الشعوب بعمالها وفقرائها وعاطليها وشبابها، ولم يتطرق المُحْتَفِلون إلى ارتفاع نسب الفقر والبطالة (خصوصًا بطالة الشباب) وإلى الخصخصة وارتفاع قيمة الضرائب على الرواتب (مع انخفاضها على رأس المال والشركات وأصحاب المهن المُسَمّاة “حُرّة”)… اصبح جزء هام من شعوب القارة الأوروبية يَعُون طبيعة الإتحاد الأوروبي الذي يُمَثِّلُ مصالح المصارف والشركات الكبرى، ولا يُمثل بأي حال العمال وصغار المزارعين والشباب والنساء وفاقدي المسكن والشغل، إضافة إلى هيمنة الأجهزة التنفيذية والموظفين السّامِين الذين تُعَيِّنُهُم الحكومات (المفوّضُون ورؤساء اللجان والمُقَرِّرُون…)، وتقليص صلاحيات البرلمان الأوروبي الذي كان ولا يزال مكانًا مُريحًا لمن لم يتجدد انتخابهم في البرلمانات المحلية أو من خرجوا من الحكومة بعد تغيير الأغلبية البرلمانية، واستغل زعماء أحزاب اليمين الفاشي غضب المواطنين من سير الإتحاد الأوروبي ومن انحيازه الطبقي، لينفذوا من هذه الثغرة، وليُرَكِّزوا دعايتهم على مناهضة الإتحاد الأوروبي، دون تقديم بدائل لحل المشاكل القائمة، بل لا يتطرقون أصلاً لهذه المشاكل الحقيقية (مثل غيرهم من الأحزاب التقليدية)، ونجحت هذه الإستراتيجيا المتواصلة منذ أكثر من عقدين، حيث تقهقرت شعبية أحزاب اليمين التقليدي الليبرالي والديمقراطي المسيحي وما يُسَمّى الوسط، وارتفعت أسهم اليمين المتطرف (يُسَمِّيه الصحافيون “شُعْبَوِي” ليتجنّبوا صفة “فاشي”) في بورصة الإنتخابات في كافة البلدان الأوروبية، وفي جميع أنواع الإنتخابات الوطنية والمحلية والإقليمية… 

انتهى دور الأحزاب المُسماة “اشتراكية” في أوروبا بانهيار الإتحاد السوفييتي، فهي وريثة الأممية الثانية التي ساند قادتها (مثل جان جوريس) البرجوازية “القومية” وحربها العالمية الأولى، وابتعدت عنها الأحزاب التي شكلت الأممية الثالثة، ومنها حزب الإشتراكيين الديمقراطيين لعموم روسيا (الحزب البلشفي) الذي أطاح بنظام القيصر العتيد… مثلت أحزاب الأممية الثانية إحدى أفْضَل أدوات الإستعمار على امتداد القرن العشرين، من ذلك تصعيد الحرب حتى الهزيمة في فيتنام ثم في الجزائر (في ظل حكومات يقودها “الإشتراكيون”) والعدوان الثلاثي على مصر ومساعدة الحركة الصهيونية خلال فترة حكم “الجبهة الشعبية” برئاسة المناضل الصهيوني “ليون بلوم”، ثم تسليح الكيان الصهيوني بالأسلحة النووية، وغير ذلك من الوقائع التي تجعلنا لا نتعاطف مع التيار المُسَمّى “اشتراكي” في فرنسا، وفي بقية أوروبا (بريطانيا وألمانيا بشكل خاص) حيث انهارت معظم هذه الأحزاب، بانتهاء دورها ووظيفتها (في اليونان واسبانيا وإيطاليا وهولندا وبلدان أوروبا الشمالية…)، لكن الخطر يكمن في صعود اليمين الفاشي على أنقاض انهيار الأحزاب التقليدية التي حكمت دول أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، يمينها ويسارها، بعد التخلي عن دور الدولة وخصخصة القطاع العام والتعليم والصحة والمرافق كالماء والكهرباء والخدمات، وتعميم ما أصبح يُسَمّى في أوروبا “الليبرالية المتوحشة” (ورأس المال متوحِّش دائما وأبدًا)، أو “النيوليبرالية”…

يُعتبر تيار “الإشتراكية الدولية” (الأممية الثانية) من أكبر مناصري الإتحاد الأوروبي، ممثل الأثرياء والشركات متعددة الجنسية والحلف الأطلسي، وهو أحد أبرز التيارات التي زجت بالإتحاد الأوربي في الحروب العدوانية حول العالم، والتي نتج عنها لجوء وهجرة جماعية ونزوح داخلي، ولكن الإتحاد الأوروبي يرفض تحمل نتائج هذه الحروب العدوانية، وواجه المهاجرين واللاجئين بحشد القوات العسكرية في البحر الأبيض المتوسط (الذي تحول إلى مقبرة جماعية)، وعلى شواطئ تونس وليبيا ومصر، وتشن شرطة مختلف الدول الأوروبية حملات قمع واعتقال لهؤلاء اللاجئين، ما زاد من قُوّةِ الأحزاب الفاشية ومن نشر الإيديولوجيات الإستعمارية والعُنصُرِية ضد المهاجرين، والتي تطال الفُقَراء والعُمّال

الخيار الزّائف:

تخلّت برامج اليسار الأوروبي عن المطالبة بزيادة إنفاق الدّولة وبإعادة توزيع الثروات وزيادة الضرائب وتحسين ظروف العمّال، وهو ما أدّى إلى انهيارها وانفضاض الناخبين والنقابيين والأجراء من حولها، وتطرح الأحزاب “الإشتراكية الديمقراطية” برامج تستهدف “زيادة النّمو”، وتدّعي أن زيادة النمو الإقتصادي (إجمالي الناتج المحلي) ينعكس مباشرة بالإيجاب على دخل ورواتب العُمال وظروف عملهم، وهو ما فَنَّدَتْهُ تقارير البنك العالمي وصندوق النقد الدولي، حيث نما الناتج المحلي بنسب هامة في عدد من البلدان (منها ألمانيا) لكن وضع العمال والأجراء ازداد تدهورًا، ويضطر حوالي مليون متقاعد للعمل برواتب منخفضة جِدًّا، بسبب الفقر، وأظهرت كافة الدراسات والبحوث ان القيمة الحالية (2016) لرواتب العمال والأجراء عمومًا في الدول الرأسمالية المتطورة تُعادل قيمتها سنة 1973 وان دخل الأثرياء ارتفع بمعدل أربعين مرة…

يَدَّعِي مُرشّحو اليمين (“معتدل” أو “متطرف”) “إنّ الدولة تنفق أكثر مما يجب، وضمانات العمّال كثيرة”، وكتبت صحيفة “إيكونوميست” (يمينية بريطانية): إن فرنسا تجنّبت ــ حتى الآن ــ خوض “الاصلاحات الهيكلية المؤلمة” التي مرّت بها دولٌ أخرى في الغرب، وهي صارت مستحقّة، أي أنّ العمّال أمامهم مزيد من “التضحيات”، والواقع ان الطبقة العاملة هي التي تحملت أعباء الأزمات وسوء التصرف و”الهدايا” التي منحتها الحكومات المتعاقبة للأثرياء وأرباب العمل، وارتفع نسبة بطالة الشباب إلى أكثر من 25% فيما انخفضت القيمة الحقيقية للرواتب، وساءت ظروف العمل ومعظم العاملين الجدد يعملون بعقودٍ مؤقّتة ورواتب منخفضة مع زيادة عدد ساعات العمل بضمانات أقل، وليس للعمال دخل أو دور في الأزمات، بل هم أولى ضحاياها…  

لم يتطرق المترشحون في الدور الأول (11 مترشحا) ولا في الدور الثاني (مُتَرَشّحان) سوى نادرًا للسياسة الخارجية (خارج حدود أوروبا)، رغم الدور الإستعماري التاريخي والإمبريالي الحالي لفرنسا، وساند المرشحون الأربعة الأهم (ماكرون ولوبان وميلنشون وفِيّون) زيادة ميزانية الحرب (الدفاع) ولم يطرح أي من المرشحين الإحدى عشرة قضية العلاقات غير المُتكافِئة بين الإتحاد الأوروبي أو فرنسا ببلدان جنوب البحر الأبيض المتوسط وافريقيا، وعلاقات “الشراكة” التي لا تخدم سوى أوروبا (علاقات هيمنة اقتصادية)

إن الرئيس الجديد ليس دخيلاً على عالم السياسة كما يُقَدِّمُهُ البعض، فهو مدير سابق لمصرف “روتشيلد آند سي” وشغل منصبًا “تقنيًّا” خلال فترة حكم ساركوزي، وشغل خطة نائب الأمين العام لرئاسة الجمهورية ثم وزير الاقتصاد في حكومة فرنسوا هولاند، حتى عام 2016، والأهم من ذلك انه محاطٌ ومدعومٌ من سياسيين من أحزاب واتجاهات مختلفة، بهدف منع أي تغيير (إذا كانت الإنتخابات قادرة على التغيير) وللحفاظ على الوضع القائم بما فيه من فقر وبطالة وتفاوت طبقي مُجْحِف وهيمنة رأس المال المالي على شؤون البلاد، وزيادة أرباح الشركات متعددة الجنسيات والمصارف الكبرى، ومن الشخصيات والزعامات التي ساهمت في ارتقاء “ماكرون” سُلَّم الزعامة السياسية بسرعة، الصهيوني الإستعماري “برنادر هنري ليفي” ورئيس الحكومة الأسبق “جان بيار رافاران” القادم من قطاع الأعمال والإشهار، ورئيس الحكومة السابق “مانويل فالس” (عُنْصُرِي وصهيوني)

انتخابات فرنسا بعيون عربية:

أصبحت العُنْصُرية في فرنسا “وجهة نظر” كما الخيانة والتطبيع في بلاد العرب، ومنذ حوالي ثلاثة عقود، دخلت أحزاب اليمين واليسار الحكومي في سباق محموم من أجل رفع راية العداء للفقراء وللموظفين الحكوميين والإدعاء بان هوية فرنسا مُهَدَّدَة من الأجانب والمهاجرين والمقصود “العرب والأفارقة”، وتجذّرت ثقافة العنصرية ومساندة العدوان على شعوب مالي وليبيا وسوريا والعراق، وساعدت مجمل هذه العوامل في ترسيخ الأفكار اليمينية المُتَطَرِّفَة، في ظل خُفُوت صوت المثقفين التقدميين وهيمنة المجموعات المالية والإقتصادية الكبرى على وسائل الإعلام…

يتماهى الرئيس الفرنسي الجديد مع السياسات الأمريكية في الوطن العربي (وفي مناطق اخرى من العالم)، مع مزيد التورط  في الأزمات والحروب، ولذلك فموقف “ماكرون” مثل أسلافه مُناصر للكيان الصهيوني ومعادي لحقوق الشعب الفلسطيني وللشعوب العربية، وعند الإطلاع على أكبر الدّاعمين له نجد (إضافة إلى برنار هنري ليفي ومانويل فلس) “بيار بيرجيه” و”جاك أتالي” (صهيوني من الطراز الأول) و”ألان مينك” و”برنار كوشنير” صاحب نظريات “التدخل العسكري الإنساني” والروائي الإستعماري والرجعي “جان دورموسون” والصهيوني البذيء والمبتذل “ألان فينكلكروت” الذي يوصف بالفيلسوف، وهو أكبر منافس لبرنار هنري ليفي في مجال الإلتزام بالصهيونية وبالإستعمار، جديده وقديمه، كما حظي “ماكرون” بدعم “باراك أوباما” الذي حطم الرقم القياسي في مجال القتل عن بُعْد بواسطة الطائرات الآلية في اليمن وأفغانستان وسوريا والعراق وغيرها…

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.