حرب التحرير و«تمرّد الخونة»! ثريا عاصي

يتمزق القلب، ويحز في النفس عندما نرى على شاشة قناة تلفزيونية إسرائيلية رجلاً سورياً يدعي انه ينطق باسم «الثورة»، و«الثوار»، يعبر عن غبطة الأخيرين بعد الغارة الإسرائيلية على مواقع عسكرية في سورية ويقدم امتنانهم للإسرائيليين على ما فعلوه. زعم هذا الرجل أنه يتواجد في داخل الأراضي السورية وأن «الثوار» الذين  يمثلهم يطلقون على جماعتهم اسم «الجيش الحر»… أعتقد أن التسمية ليست جديدة  كمثل العلم الذي أخرجه  «ثوار الجيش الحر» من الصناديق القديمة التي تحتوي على مخلفات المستعمرين من خرقٍ ودفاتر!
فلهذا «الناطق السوري» الذي يعترف بأن الغارات الإسرائيلية على مواقع جيش بلاده من شأنها أن تخفف شدة الضربات العسكرية التي يوجهها الأخير لجماعات المتمردين المتعاونين مع المستعمرين على شاكلة «الجيش الحر»، لهذا السوري ولتلك الجماعات نعوتها معروفة.
ما يهمني في هذه المسألة هو أنه صار واضحاً انه لا مفر من الإعتراف بأن سورية تتعرض لحرب إستعمارية جديدة بغية اقتطاع أجزاء أخرى من جغرافيتها. من المحتمل أن يشمل ذلك جنوباً، المنطقة الواقعة جنوب خط يمتد من مصب نهر الليطاني في البحر المتوسط غرباً إلى نقطة إلتقاء الحدود العراقية ـ السورية ـ الأردنية شرقاً. أما في الشمال فليس مستبعداً أن يكون القصد هوالإستحواذ على شريط من الأراضي السورية بحيث يكون شرق الفرات من حصة الأكراد وغربه من نصيب الأتراك.
وغني عن البيان أن  لا المعارضات ولا الثورات ولا المرتزقة من الأصلانيين  السوريين ومن البلدان العربية، القريبة والبعيدة، كان بمقدورهم إنجاز هذه التقسيمات، رغم تلقيهم الإمدادات الكبيرة من الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها الأوروبيين، بالإضافة إلى تشجيع الدول الإقليمية على إقحام نفسها في تحريك أحجار القلاع السورية  الضخمة التي سدّت مجرى الزمن. فتطلب ذلك من الأمبريالية الأميركية ومن أعوانها في أوروبا أن ينغمسوا مباشرة في العدوان على سورية وأن يستخدموا طيرانهم الحربي وصواريخهم البعيدة المدى وكافة آلات القتل والتدمير. ناهيك من التهويل بالحرب على كوريا الشمالية و«بأم القنابل الأميركية» على أفغانستان، بالإضافة إلى حملات الدعاية  المغرضة والإفتراءات المتناقضة والمتلاحقة، عملاً بقانون المستعمرين القديم، الغاية تبرر الواسطة.
مجمل القول أن الإمبريالية عادت إلى سورية ومعها خطة جديدة، وأن مصلحة  السوريين تقضي برفضها ومنع تنفيذها ، لأن التفرقة عندما تكون وسيلة للحكم تمهد  للوهن والإرتهان والاستلاب والعبودية.
ينبني عليه أن التحدي الأكبر الذي يواجهه الناس في سورية، سواء في المناطق «المحررة والمحتلة» والمحتلة، يتمثل في سياق النشاط الهادف إلى رفع مستوى التوعية والتجييش الجماهيري، في التدليل على وجود قناعة راسخة بان حركة التحرير الوطني لديها توازياً مع الصراع ضد المستعمر الغاصب والمحتل، الإرادة والكفاءة الضروريتان  من أجل خلق ظروف مؤاتية لحياة أفضل بدرجات، من تلك التي يقاسيها أهل البلاد تحت نير المستعمر في الأجزاء المحتلة.
من البديهي القول أن ذلك يتضح من خلال مقارنتين، الأولى بين الأوضاع في المناطق المحررة، قبل الحرب وأثنائها. أما الثانية، فيجب أن تكون بين المناطق المحررة من جهة والمحتلة من جهة ثانية، رغم ظروف الحرب!
ما حملني في الحقيقة على مقاربة هذا الموضوع هوما يتبدى أمامنا على الساحة السورية عن جوهر الصراع الدائر في أنحائها، فلا اتردد في القول أن الحرب السورية  تدخل بعد سبع سنوات من المقاومة في مرحلة «فيتنامية»، لولا إختلاف الزمان والمجتمع والمكان. فحرب فيتنام كما سمعنا وقرأنا عنها، كانت بين جنوب إحتله المستعمرون وجعلوا فيه كياناً «دمية» على شاكلة الكيان الذي يسعى الى الحصول عليه «جهابذة الثورة السورية» في ما يسمى «الإئتلاف والجيش الحر». (يريدون الحصول عليه طبعاً، من الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل)، كان الصراع في فيتنام إذاً بين الجنوب من جهة وبين الشمال الحر، ولكن القيادة الفيتنامية (العم هوشي منه، والجنرال جياب) تشبثت بوحدة التراب الوطني «نعيش أونموت معاً». فهل تتواصل الحرب في سورية حتى يكتب السوريون في تاريخ النضال ضد الإستعمار صفحة جديداً تواصلاً مع الجزائريين الفيتناميين والسود في جنوب أفريقيا.
أكتفي بهذه الملحوظات عن الحرب في سورية. فإيفاء هذا الموضوع يحتاج إلى تفاصيل لا يتسع لها المجال هنا. مهما يكن أظن أنني مهدت في ما تقدم للقول أن السوريين وجميع المعترضين على التغول الأميركي، يستطيعون الإنتصار! شرط أن يكون لديهم قيادة حكيمة وشجاعة ومصممة كمثل هو شي منه وعقل عسكري كمثل الجنرال جياب وإرادة قوية وثقة في الإعتماد على الذات وجهاز إداري سليم ذو فعالية وسياسة إقتصادية مستبصرة وعادلة وخطة إنتاجية مدروسة ومدرسة وطنية رسمية تلقن النشء «المعارف والفنون الجميلة» وأخيراً مشفى يعالج المرضى ويضمن العناية الصحية الوقائية للجميع بالتساوي.  

:::::

“الديار”

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.