ترامب يسابق إجراءات العزل بالصفاقات والعدوان لإنقاذ المشروع الاستعماري، العميد د. أمين محمد حطيط

في ظل خطر عزله الذي تتحضر أميركا لأطلاق  إجراءاته حاليا ، يتوجه دونالد ترامب إلى الشرق الأوسط ليخرج منه ما يقيه العزل او ليحصل فيه عل الأقل على جوائز ترضية قد ترضي الدولة العميقة في أميركا و يحملها على التراجع عن تلك الإجراءات التي باتت سيفا مسلطا على راس حكم ترامب و هو لما يمضي بعد الأشهر الأربعة الأولى في البيت الأبيض .و لهذا يعمل ترامب الأن على خطوط متعددة من الميدان السوري عسكريا إلى الجزيرة العربية اقتصاديا و استراتيجيا ، في عمل يراه الأميركي سياسة تكاملية تخدم  الأهداف الاستراتيجية التي من أجلها اضرم النار في الجسم العربي منذ نيف و سبع سنوات .

وهنا نذكر بانه عندما بدأت أميركا بعدوانها على سورية اعتمدت خطة الأقواس الثلاثة التي أوكلت لتركيا امر تنفيذيها خدمة لهدفين أساسيين مباشرين: الأول تامين الحماية لإسرائيل وفرض نهائية وجودها في المنطقة بشكل مستقر بعيدا عن أي تهديد، والثاني الإجهاز على محور المقاومة باقتلاع قلعته الوسطى سورية، لتتمكن بعد ذلك من معالجة امر من تبقى في هذا المحور كل بما يناسبه من خطط تقود إلى أنهائه من إيران في الشرق إلى حزب الله في الغرب.  فالهدف الاستراتيجي المباشر للعدوان على سورية كان ولا يزال حماية إسرائيل والتخلص من محور المقاومة الذي يهددها ويهدد المصالح الاستعمارية لأميركا في الشرق الأوسط، ويعرقل إقامة النظام العاملي الجديد الذي سعت اليه عبر ثلاثة عقود لكن كل مساعيها السابقة فشلت كما بات واضحا.

وعود عل بدء تقوم أميركا اليوم بتحرك مركب لو دققنا فيه لوجدناه يلتقي مع أهداف الخطة الأولى للعدوان ولكن بشكل مختلف من حيث الحجم والأسلوب. فالنسبة لمحور المقاومة  و بسبب الفشل و العجز عن أسقاط سورية يبدو ان العدوان  استبدل الهدف الأعلى بهدف ادنى  يتمثل بامتلاك السيطرة على منطقة الحدود السورية مع كل من العراق والأردن بعمق يمنع التواصل البري بين  ايران في الشرق و سورية في الغرب مع سعى إلى تعديل اتفاقية الاطار الاستراتيجي المبرمة بين  أميركا و العراق ، تعديل يتيح لأميركا إبقاء قوى عسكرية في العراق بعد الفراغ من امر داعش و انتهاء الاستثمار فيها و يتم الحديث الأن عن 5 قواعد تستوعب 15 الف جندي أميركي بشكل دائم و ذات قدرة استيعابية تصل إلى 50 الف جندي عند الاقتضاء .

أما بالنسبة للهدف الأخر المتمثل بحماية إسرائيل و نهائية وجودها ،فقد ابتدعت أميركا فكرة حلف “الناتو العربي”  لمواجهة ايران و محور المقاومة و من اجل ذلك يحتشد اليوم في الرياض اكثر من 50 رئيس دولة و حاكم في دول عربية و إسلامية لأطلاق هذا الحلف الذي ستكون إسرائيل عضوا رئيسيا فيه و بذلك تنتقل إسرائيل براي صاحب فكرة الحلف من عضو غريب و غدة سرطانية واجبة الاقتلاع على حد تعبير الأمام الخميني ، إلى ركن في تحالف تقوده  هي بأشراف أميركي لمواجهة ايران و محور المقاومة و بهذا يكون أقفال نهائي لملف القضية الفلسطينية و المسائل المتفرعة عنها و تصاغ الأمور لمواجهة محور المقاومة مع التركيز على ايران لان العداء لها شرط لإقامة الحلف و استمراره كما يرى المخطط.

أما الهدف الثالث والإضافي من الحركة الأميركية في الشرق الواسط وهو لا يقل أهمية عما تقدم، فهو هدف اقتصادي مالي، يتأتى ترجمة لقول ترامب في حملته الانتخابية للخليجين “ادفعوا نحميكم ” ولا حماية مجانية تقدمها أميركا لاحد. وفي هذا الجانب يكون الكسب الأميركي الكبير حيث ان الصفقات التي أبرمت او ستعقد بين أميركا ودول الخليج وعلى راسها السعودية ستصل في حد أدني إلى 300 مليار دولار، مع إمكانية ملامسة إلى 400 مليار دولار خلال السنوات ال 5 المقبلة أي سيجد ترامب نفسه خلال كل ولايته – إذا أكملها – أمام بقرة حلوب تدر عليه ما معدله 80مليار دولار سنويا لإنعاش الاقتصاد الأميركي الذي يشكو من مصاعب وعجز.

في مواجهة هذا الخطة المركبة، وإذا كان الشأن المالي والاقتصادي أمرا يعني أصحابه والشعب في بلدان الخليج، فان المسائل الأخرى تعني محور المقاومة بشكل مباشر لما لها من تأثير على المنطقة والصراع مع العدو الصهيوني ومن يحتضنه من القوى الاستعمارية، في مواجهة ذلك يطرح السؤال كيف ستواجه الخطة حرصا على المنطقة والحقوق المشروعة لأهلها؟

ان سورية ومعها محور المقاومة، يدركون جيد أهداف الخطة الأميركية، ويدركون بشكل خاص أهمية السيطرة على الحدود الشرقية الآن ولهذا تحركت القوى المناسبة باتجاه هذه الحدود بعد ان كان وزير الخارجية السوري اعلم الجميع يشكل لا يقبل شكا، بان الأولية الأن هي للمنطقة الشرقية وبدايتها وصوى إلى الحدود العراقية. وبالفعل تمكنت سورية من فضح العدوان الأميركي وخطته عندما قامت أميركا وعبر ما تسميه بالتحالف الدولي لمحاربة داعش بالاعتداء على القوة العسكرية السورية المتجهة إلى الحدود مع العراق بعد ان رفضت الاستجابة للإنذار الأميركي بالتوقف والامتناع عن متابعة التحرك إلى الحدود.

ان الوضع في البادية السورية بات محد المعالم الآن في مشهد يظهر فيه سعي أميركي للاستيلاء و السيطرة المباشرة عبر الوكيل على المنطقة الحدودية و قرار سوري مقاوم لهذه الخطة .و لهذا تحركت القوى العسكرية من الجيش العربي السوري و القوة الرديفة باتجاه معبر التنف على الحدود السورية العرقية  بالقرب من نقطة التقاطع الحدودي مع الأردن ، لان إجهاض المشروع الأميركي يبدا بالسيطرة على هذا القسم من الحدود من معبر التنف جنوبا إلى معبر القائم قرب البو كمال في الوسط ، و لأنه في اللحظة التي تكتمل فيها سيطرة الجيش العربي السوري على هذه المنطقة من الحدود ستسقط فورا خطة العزل الأميركي ، و سيتحقق الاتصال الاستراتيجي بين سورية و العراق و منها إلى ايران برا .

 ونظرا لهذه الأهمية الاستراتيجية الكبرى مارست أميركا وبكل وقاحة وصلف عدوانها على الوحدات السورية المتجهة إلى الحدود، وحاولت ان تعرقل العملية العسكرية السورية، ولكن سورية التي رفضت الإنذارات الأميركية الوقحة وأصرت على متابعة المهمة ومصرة على إنجازها مهما كان الثمن، وها هي اليوم باتت على بعد بضعة عشرات من الكيلومترات من الحدود وتندفع بثقة وبقوة لاجتيازها وصولا إلى نعي خطة العزل الأميركي التي لن يسمح محور المقاومة بنجاحها.

أما عن التغيير في هوية الصراع في المنطقة، فان محور المقاومة يدرك ان كل ما تغير اليوم في السلوك الخليجي من القضية الفلسطينية وإسرائيل هو الانتقال من العمل السري المتكتم عليه إلى العمل المكشوف الصلف والوقح وان هذا التحول مهما علا في فجوره فانه لن يسقط القضية الفلسطينية ولن يشرع الاحتلال للأراضي العربية في أي مكان، وان نتائج المواجهة على الساحة السورية ستحدد وجه المنطقة ونظامها الإقليمي كما ان من رحمها يولد الآن النظام العالمي الجديد القائم على التعددية القطبية.

قبل ستة اشهر قلنا ان معركة حلب ستحسم أمورا كثيرا حول الأزمة السورية و هي قد لا تنهي الحرب لكنها تسقط خطة استهداف سورية و تقسيمها و انتصرت سورية  في حلب و أسقطت الخطط التي استهدفتها و اليوم نقول ان معركة السيطرة على الحدود السورية العراقية ستسقط أخر ما في جعبة أميركا من خطط شيطانية عدوانية و لهذا رفضت سورية و ترفض بعنفوان صاحب الأرض و الحق التهديدات و الإنذارات الأميركية الوقحة التي تبتغي منها أميركا منع تقدم الجيش العربي السوري إلى الحدود الشرقية و هو صاحب الحق الحصري بالعمل عل الأرض السورية ، رفضا عبر عنه القيادة السورية وضوحا بعبارة قاطعة “أرضنا لنا لن نتركها لاحد” و نرفض   كل وجود اجنبي عليها لأنه عدوان بكل المعايير ما لم يكن بطلب و رضا سوري و أهل العدوان يعرفون كيف تواجه سورية عدوانهم و تنتصر كما صمدت لنيف و ست سنوات و منعتهم من تحقيق أهداف عدوانهم.

:::::

الثورة، دمشق

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.