عن اضراب المعتقلين، محمود فنون

إن اهم ما دل عليه إضراب الأسرى الذي امتد لليوم الواحد والأربعين  هو قوة الدفع عند المعتقلين الذين شنوا هذا الإضراب لهذه المدة والطاقة الحيوية العالية والإصرار. واليوم الواحد والأربعين تعني الخطورة الداهمة التي سيبدأ بعدها العد التنازلي للأضرار الجسدية وحتى الموت . هذه رموزية عالية عن صمود الشعب الفلسطيني واستعداده العالي للتضحية في سبيل حقوقه.

يمكن الحديث عن الأهداف ويمكن تأجيل الحديث إلى ان تنجلي الصورة أكثر من باب التدقيق والعلمية . فإدارة السجون قد استجابت لعدد من المطالب .

والدلالة الأخرى المهمة : ان المعتقلين تمسكوا بانفسهم وحركتهم من التبديد والضياع . فالحركة الأسيرة ولعقدين ماضيين عانت من انتظار الإفراجات ومفاوضات تحررهم من الأسر بشكل سمح لكثير من العفونة بالتسلل على جسدهم ، وجاء هذا الإضراب مؤكدا أن جذوة الروح الوطنية لا تزال متأججة وقوية رغم الإفساد والتخريب.

والدرس الكبير هو ما اسميه عملية الإستنهاض الناجحة التي مورست في صفوف المعتقلين لتحشيدهم ودفعهم للمشاركة في الإضراب  المفتوح والخطير بالرغم من ما يمكن وصفه بحالة من الترهل التي تظاهرت في كثير من الأحيان . فالشعوب قابلة للإستنهاض والتحرك ولكن خلف قيادة تسعى لمثل هذا الهدف .

إن قادة السجون ، قادة المعتقلين المضربين قد نجحت في تحشيدهم واستنهاضهم وشحذ هممهم لخطوة جبارة كهذه.ومشاركة جميع المعتقلين ليست شرطا جوهريا في امكانية تحقيق اهداف الإصراب .

لقد كان لرموزية مروان البرغوثي واحمد سعدات دور استنهاضي وتحشيدي كبير كما كان دورهم طليعيا في الصمود والإستمرار دون التقليل من الجماعية والجماعة .

إن الإستنهاض يحتاج أولا إلى الكلمة الواضحة والصريحة وثانيا هذه الكلمة تنقلها الحوامل المنظمة المنتشرة بين صفوف الناس . وثالثا : إلى قوة طليعية تبدا العمل وتشارك فيه  وتشكل قوة النموذج والصدق والإستعداد للعطاء والتضحية. ورابعا : حالة متصلة ومستمرة من كل هذا . وخامسا  : الإستفادة من الخبرات السايقة لنا وللشعوب .

حالة تشارك فيها جمهرة المثقفين الثوريين والمنظمين والمحرضين والمهيجين والسائرين في الصفوف الأولى وكل ما يحرك الماء الراكد ويشكل حالة استنهاض .

يشكل حالة استنهاض بالإستناد إلى إرث عميق من التجربة والدروس ونقد التجربة واستخلاص العبر وحمل الخبرة الثورية المدروسة والتقدم إلى الأمام  بعيدا عن العفوية والسذاجة.

إن وحدة جميع القوى المتواجدة  ليس شرطا للتقدم في النضال.ويمكن ان تظهر حالة جديدة وتبدأ النضال بمعزل عن الحالات المتخلفة عن المواجهة .

لقد تخلفت حماس في السجون عن المشاركة وعن  اللحاق وعن الإسناد وهذا لم يقلل من جماعية الإضراب ولا قوته  ولا قوة الدفع الذاتي التي تسلح بها المعتقلون المضربون واستمروا لليوم الواحد والأربعون.

إن الحالة الفلسطينية غير مجيشة بما يكفي لمشاركة المعتقلين تضحيتهم  فالفصائل في حالة عجز. مما حصر المساندة في الخيم

كما ان الحالة العربية الرسمية هي معادية اصلا كما هو حال الدول الإستعمارية الغربية .

اما الحالة الشعبية الغربية والدولية  فقد عبرت عن تضامنها الأخوي مع إضراب الأسرى.

إنني اعتقد  وآمل أن وقف الإضراب قد جاء في محله . وغير ذلك ستحدث ردة شديدة في السجون لا تداويها سنوات قليلة. لقد دفع المعتقلون ثمنا باهظا يفرض نفسه بقوة على الجميع . ولم اكن مع القول بضرورة افهام المعتقلين بان وضعهم أصبح خطيرا أو انه علينا مساعدتهم للنزول عن الشجرة فبينهم قادة ويعرفوا حالهم جيدا.وكانوا يحتاجوا إلى إسنادنا وليس لدفعهم إلى حل الإضراب.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.