مصر ..، ثريا عاصي

عندما تفجرت ما ظننا أنها ثورات، في تونس، ثم في مصر، كان الأمل كبيراً جداً، بقدر الخيبات والإحباطات التي تتوالى وتتفاقم مفاعيلها في المجتمعات العربية منذ حوالى قرن من الزمن. ولكن الحقيقة تكشفت بوضوح لا لبس فيه لمن أراد أن يرى ويسمع، في تونس وفي مصر تحديداً. فما جرى في هذين البلدين لم يكن ثورة على الاطلاق وإنما كان مناورة أو ملاعبة الغاية منها إيصال الإخوان المسلمين إلى السلطة، لتبدأ بعد ذلك بالتعاون بينهما من جهة وبين تركيا التي يحكمها الإخوان المسلمون أيضاً، سيرورة باتجاه سورية والعراق! ومن المعروف أن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن ! فلقد كذب السوريون  الوطنيون، جيشاً وجماهير وطنية، أنباء وتحليلات «المفكرين العرب» في «الورشات» الفكرية ـ الدعائية الأميركية الذين توقعوا سقوط الدولة السورية خلال أسابيع. ها قد مضت سبع سنوات على الحرب على  سورية، الجيش العربي السوري يقضم تدريجياً مواقع الإخوان المسلمين وداعش والقاعدة في حين أن علامات الإنشقاق تظهر في جبهة الذين وقفوا وراء هذه التنظيمات الإرهابية ـ الإسلامية ! فالمملكة السعودية تتعرض من قبل الولايات المتحدة الأميركية لما يشبه عملية تشليح منمقة، وأمير قطر يبحث عن منعطف لكي يبتعد عن مسار يبدو أن نهاياته مخيفة!
أضع هذه التوطئة تمهيداً للإنتقال إلى مداورة بعض مدلولات حادثة الإعتداء الإرهابي الذي وقع يوم الجمعة في 26.05.2017 على حافلة كانت تنقل الزوار إلى أحد الأديرة في محافظة المنيا في مصر بعد مرور خمسة أيام على «إحتفاليات» استقبال الرئيس الأميركي في الرياض عاصمة السعودية التي تضمنت بحسب الإعلام السعودي عدة «مؤتمرات» أهمها من وجهة نظري، مؤتمر حضره إلى جانب الرئيس الأميركي والملك السعودي ممثلون عن 53 دولة إسلامية وعربية، كان أبرزهم الرئيس المصري السيسي. تجدر الملاحظة هنا إلى أن بعض وسائل الإعلام تناقلت خبراً عن عقد مؤتمر «إسلامي ـ ديني» أيضاً في الرياض، حضره شيخ الأزهر.
كان مفهوماً من خلال خطابه أن الرئيس المصري ليس موافقاً على سلوك النهج الذي إختاره السعوديون من أجل بسط هيمنتهم على المنطقة العربية باسم «الحرب على الإرهاب» . فالإرهاب كما جاء في خطاب الرئيس المصري عقيدة وفكر، وهو أيضاً تجارة  بالنفط والمخدرات، بالإضافة إلى أنه يحتاج إلى ملازات آمنة وإلى تغطية سياسية وهذه لا توفرها إلا دول قادرة ذاتياً أو هي بدورها تحت حماية دول قادرة، وأخيراً كأي عمل حربي يحتاج الإرهاب إلى تجنيد وسلاح، وصيانة وتجديد لهذا الأخير، كما يحتاج إلى معسكرات تدريب ومدربين وخبراء! هذا ما قاله الرئيس السيسي في مؤتمر الرياض، وهو يتعارض كلياً مع الأخبار التي سربت ومفادها أن قوات مصرية تستعد للقتال على الحدود العراقية السورية!
من البديهي أن الرئيس السيسي كان يلمِّح إلى الإرهاب في شمال سيناء وفي المحافظات المصرية المحاذية للحدود مع ليبيا. فلقد ذكر المؤتمرين في الرياض بأن إضعاف أجهزة الدولة الوطنية يلائم الجماعات الإرهابية ويترك أمامها مجالات واسعة  فتزدهر تجارتها ويكثر عديد جندها ! هذا يعني ضمنياً «إرفعوا أيديكم عن سورية» كفى!
يعلم الرئيس المصري في موقعه أكثر مما نعلم طبعاً، لا سيما أن الجيش المصري اضطر إلى طرد الإخوان المسلمين من الحكم في مصر، خوفاً من أن يقدم الأخيرون على  تقسيم  مصر! فتقسيم البلاد قطعاً وتوزيعها هو في الحقيقة الهدف الرئيسي من «خديعة الثورات» حيث لا تتوافر شروط الثورة، أي وعي الناس لمصالحم وتوصلهم إلى إطلاق  سيرورة جمعية على أساس ورقة عمل واضحة، تقودها نخبة ثورية متبصرة!
فما جرى في محافظة المنيا، هو برهان على أن مصر لا تزال في مرمى الذين يريدون تجزئتها. الفرق بين الأوضاع في ليبيا حيث سقطت الدولة، فلم يبق إلا قطاع النفط  الذي تستغله الشركات الأجنبية تحت حماية أمنية أجنبية من جهة، وبين نظيرتها في مصر من جهة ثانية، هو أن في هذه الأخيرة دولة وأن الجيش يحميها ولا يسمح بأن تحل مكانها وكالات أجنبية، إستغلالية وأمنية. بتعبير آخر إن حادثة المنيا هي جزء من الصراع الهادف إلى تفتيت مصر على أساس المعتقد الديني التي يتصدى لها المصريون وجيشهم! دليلاً على إختمار المسألة الوطنية في الذهنية المصرية.
فلو هاجم الإرهاب الإسلامي، ركاب حافلة تقل مدنيين مصريين وقتلت منهم أكثر من 28 مصرياً عادياً، أي غير منمطين أو مصنفين عرقياً أو دينياً، لما كان لذلك أثر أو لما تناهى إلى السمع لغط حول  الوحدة المجتمعية الوطنية المصرية ولما ظهرت على سبيل المثال شعارات من نوع «أنا مع الأقباط»، التي كان رد فعل المصريين عليها عظيماً إذا قالوا «نحن مع مصر»، فسقط شعار المصطادين في الماء العكر «أنا مع الأقباط».
ينجم عنه أن المصريين ينتقدون أداء السلطة العسكرية في بلادهم في المجالات  الإدارية والإقتصادية والإنمائية ولكنهم يقفون خلف الجيش في المعارك الوطنية دفاعاً عن وحدة التراب وعن وحدة المجتمع وعن حصْر الإتصال بجهات أجنبية بالسلطات الشرعية فقط.
لو لم  يحتل الأميركيون العراق ويحلون جيشه ويتسابق المتعاونون على خدمتهم لما سقطت الدولة في العراق، ولو لم تصمد الدولة السورية بفضل جيشها وتبقي سيطرتها فعلية على معظم الأراضي السورية، لسقطت هذه الدولة أيضاً.
إن «خديعة الثورات» الربيعية إفتضحت في مصر وأغلب الظن أن المفكرين  والباحثين المصريين سيفشلون المشروع الأميركي ـ السعودي المستتر بالدين!

:::::

“الديار”

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.