دُرُوس من تجربة “اليسار” في أمريكا الجنوبية، نموذج البرازيل، الطاهر المُعِز

 مشهد عام:

نفذت النّقابات أول إضراب عام تشهده البلاد منذ أكثر من 20 عاما احتجاجا على مشروع قانون “إصلاح” قوانين العمل ومعاشات التقاعد، واستخدمت قوات الأمن العنف الشديد وقنابل الغاز المسيل للدموع بينما رد عليها المتظاهرون بإلقاء الحجارة، واندلعت “أعمال عُنْف” في نهاية يوم الإضراب (28/04/2017) في مدن “ريو دي جنيرو” و”ساو بولو”، وأغلق محتجون الطرقات وهاجم البعض (متظاهرون أو “منحرفون”) محلات تجارية ومصارف، وأدى الإضراب إلى توقف حركة النقل البري والحديدي، وألغت شركات الطيران عدة رحلات من وإلى “ساو بولو” و”ري ودي جنيرو”، ما تسبب في حالة شلل تام، وأغلقت المدارس والمحلات التجارية والمصارف أبوابها يوم الإضراب في شتى أنحاء البلاد كما التزم السكان منازلهم، وتَدَّعِي حكومة “ميشيل ثامر” الذي نفذ الإنقلاب اليميني ضد الرئيسة “ديلما روسيف” ان خِطَّتَهُ التي يدعمها صندوق النقد الدولي والولايات المتحدة “تهدف تحديث الدّولة  من أجل إخراج البرازيل من أسوأ حالة ركود تشهدها في تاريخها”، فيما تُؤَكِّدُ النقابات إن الفقراء في البرازيل سيتحملون كلفة تغيير نظام المعاشات مع زيادة سن التقاعد وتقليص المكاسب، وفي “ساو باولو”، توجه عشرات الآلاف من المتظاهرين نحو المقر الخاص للرئيس ثامر، ومنعتهم قوات الأمن من الإقتراب باستخدام قنابل الغاز المسيل للدموع… بلغت نسبة البطالة المُصَرّح بها مستوى قياسيا عند 13,7% من القادرين على العمل خلال الربع الاول من سنة 2017، أو أكثر من 14,2 مليون شخص يبحثون عن عمل، وتحاول الحكومة تحويل الأنظار عن تورط عدد من أعضائها (وفي مقدمتهم الرئيس) في قضايا فساد كبيرة، تَعَرَّضْنا إلى بعضها في بعض أعداد “نشرة الإقتصاد السياسي”، وتعمل على استرضاء رأس المال والشركات الكبرى بالإقدام على تنفيذ “إصلاحات” غير شعبية ومناهضة لمصالح الأُجراء والعمال والفقراء، بينها خصوصا تأخير سن التقاعد من 60 إلى 65 عاما للرجال ومن 55 إلى 62 للنساء… من جهة أخرى تَجَمَّعَ أكثر من ثلاثة آلاف شخص من السكان الأصليين في البلاد (من يُسَمَّوْنَ بالهنود)، بدعم من السكان الأصليين في بلدان مُجاورة، في العاصمة “برازيليا” احتجاجًا على عمليات إزالة الغابات التي تُهَدِّدُ الأراضي والمياه والتراث والبيئة في مُحيطهم وتُهَدِّدُ بالتالي وجودهم وحياتهم، بسبب بناء سُدٍّ ضخم في غابات الأمازون المطيرة، من أجل استغلال الأراضي (التي تملكها مجموعات محلية بشكل جماعي) من قِبَلِ شركات رأسمالية تمارس الزراعات الإستثمارية المُكَثَّفة باستخدام المُبيدات والنباتات المُعَدّلة وراثيا… تزامن تنفيذ هذا الإحتجاج مع انعقاد الدورة الرابعة عشر لمنتدى “الأرض الحُرّة” (حرة من استغلال الرأسمالية)، وحَوّلت هراوات الشرطة وقنابلها الغازِيّة المُسيلة للدموع هذا التجمع السلمي إلى مواجهات مع السكان الأصليين الذين قُدِّرَ عددهم (سنة 2010) بنحو 900 ألف مواطن أو ما يعادل 0,4% من إجمالي عدد سكان البرازيل (أكثر من 200 مليون نسمة)، فيما تحتل الأراضي التي تعود ملكيتها لهم، وهي “محميات طبيعية” بنحو 12% من أراضي البلاد، معظمها غابات ومحميات طبيعية في منطقة الأمازون شمال البلاد، ولكن السكان الأصْلِيِّين يتعرضون باسمرار لأعمال القتل، واغتال “مجهولون” 891 منهم سنة 2003 وانخفض عدد المُغْتالين إلى 137 سنة 2015 وفق بيانات المجلس الهندي (الكنيسة الكاثوليكية) ومعهد البيئة الإجتماعية، الذي يساند هؤلاء السكان لأنهم يحافظون على التنوع البيولوجي والموارد الطبيعية للبلاد، وتساهم عاداتهم وطريقة استغلالهم للأرض في إثراء الغابة والطبيعة في البلاد وخارجها”…

 انتشار الفساد وانقلاب السِّحْرِ على السّاحِر:

هذه عَيِّنَة من الوضع في البرازيل بعد الإطاحة بالرئيسة “ديلما روسيف” من حزب العُمّال (صائفة 2016) بحجج واهِية تتعلق باعتراضات شكلية على طريقة تقديم موازنة الدولة، وصدر الإعتراض عن “حزب الحركة الديمقراطية” “حَلِيف” حزب العُمال، وكان رئيسه يَشْغَلُ منصب نائب رئيسة الدولة، ولكنه تلقّى دعمًا من بعض القوى الرأسمالية في البلاد ومن الولايات المتحدة للغدر بحُلَفائه والإطاحة برئيسة الدولة، قبل أن تَطْفُوَ قضايا الفساد العديدة التي تورَّطَ بها الرئيس المُؤَقّت وقيادات حزبِه وَوُزَرَاؤُهُ، إضافة إلى الخطط الليبرالية التي استعجل في تطبيقها، وكأنه في سباق مع الزمن لتنفيذ بُنُود عقْدٍ مع داعميه لتصفية مكاسب العمال والأُجَراء والإلتفاف على البرامج الإجتماعية التي أَقَرَّها لما كان نائبًا للرئيسة… استَهَلَّ الرّئيس الجديد فترة حُكْمِهِ بإقرار “إصلاحات” تَنْسِف مكاسب الشغيلة، منها تأخير سن التقاعد وإلغاء المفاوضات الدورية الجماعية بين أرباب العمل والنقابات، واستبدالها بمفاوضات على مستوى كل مُؤسَّسَة أو وِحْدَة، وتعميم العمل الهش والمؤقت وبدوام جُزْئِي، وتعويض العمل القار بالمناولة، أو نظام التعاقد من الباطن، ما يَعْصِفُ بعوامل وحدة العُمّال وقوَّتِهِمْ، ما أدى إلى تنفيذ النقابات إضراب عام يوم 28/04/2017، ومظاهرات ضخمة يوم 18 أيار 2017 بعد سماح المحكمة العُلْيا للشرطة باستجواب الرئيس المُتّهَم (بالحجج والإثْبَاتات) بالفساد والرّشوة، واستغلال النفوذ وقبض مليارات الدولارات خلال عشر سنوات لصالح حزبه ولمصلحته الخاصة، والتلاعب بالعطاءات والمزادات العمومية وقبض رشاوى من شركات خاصة مُقابل منحها امتيازات غير شرعية، وطالب المتظاهرون بانتخابات مُبَكِّرة لأنهم يعتبرون نواب البرلمان أيضًا فاسدين، ولا يُرِيد المتظاهرون انتظار الإنتخابات العامة التي ستجري خلال خَرِيف سنة 2018، وأدّى ظهور هذه القضايا للعلن إلى مغادرة ثلاثة وزراء يوم 18/05/2017 وانسحاب حزب حليف من الأغلبية التي تَدْعَمُ الرئيس ب42 نائب، يوم 21 أيار 2017، بعد مظاهرات عارمة جمعت ملايين المواطنين في مختلف مُدثن البلاد، كما تظاهر نحو 150 ألف شخص في “برازيليا” يوم 24 أيار 2017 ومائة ألف مواطن في “ري ودي جنيرو” يوم 28/05/2017 وقد تُؤَدِّي الإستقالات والتظاهرات إلى عدم الإستقرار السياسي، ما يُعَمِّقُ الأزمة الإقتصادية التي تعيشها البلاد بسبب انخفاض أسعار النفط الخام والمواد الأولية، وأعلن المصرف المركزي ان نسبة نمو الإقتصاد لم تتجاوز 1% خلال الرُّبع الأول من سنة 2017 بعد سَنَتَيْن من الإنكماش بنسبة 3,8% سَالِبَة سنة 2015 و بنسبة 3,6% سالِبَة سنة 2016، ومن أسباب ارتفاع عدد المتظاهرين غضب العُمّال والفُقَراء ضد مشاريع الرئيس وحزبه لرفع سن التقاعد وسنوات العمل إلى 49 سنة من العمل ومن تسديد الإشتراك في صندوق التقاعد للحصول على جراية “مُحْتَرَمة”، بينما لا يتجاوز معدل الأمل في الحياة (عند الولادة) 67 سنة في عدد من ولايات البلاد ويقَدَّرُ عدد العاملين في القطاع المُوازي بعشرة ملايين عامل بدون حقوق، وتتغاضى الحكومة عن الشركات التي لم تُسَدِّدْ مبلغ 136 مليار دولارا من حِصّتها من المساهمة في صندوق التقاعد، وارتفعت مُشاركة البرجوازية الصغيرة، كالموظفين بأجر متوسط والمُدَرِّسُين، لأنهم من أكبر المُتَضَرِّرِين من هذه الإجراءات ومن المرسوم الرئاسي الذي وقّعَهُ “ميشال ثامر” حال تسلمة الرئاسة لخفض النفقات الحكومية في قطاعات الصحة والتعليم، وستجبر مشاريع التقاعد الجديدة متوسطي الدخل على المساهمة في صناديق خاصة (صناديق التحوط) أملاً في ضمان تقاعد يُؤَفِّرُ لهم مستوى الإستهلاك والإنفاق الذي تعوّدُوهُ، وبذلك تَوَسَّعَتْ رُقْعَة التحالف ضد الرئيس وحزبه وائتلافه البرلماني وضاقت رُقْعَةُ أصدقائه (السياسيين) وحُلَفائه، وتعدّدَتْ شهادات مَسْؤُولِي الشركات التي سددت له شخصِيًّا أو لحزبه أو للمقربين منه بِعِلْمٍ وإذْنٍ منه رَشوة مقابل مُساعدتها على الإستفادة من عقود حكومية ومن الإعفاء من الضرائب وغير ذلك من المزايا غير القانونية وغير المَشْروعة…

من جهة أخرى قتلت الشرطة العسكرية يوم 24 أيار 2017 عشرة محتجين في ولاية “بارا” شمال البلاد، خلال عملية قمع المزارعين فاقِدِي الأرض الذين احتلوا أراضي زراعية غير مُسْتَغَلّة لزراعتها، وجرحت الشرطة نحو خمسين متظاهرًا في “برازيليا” خلال نفس اليوم، ما يُوحِي بزيادة تأثير قوى اليمين المُتَطَرِّف التي تحالف معها حزب الرّئِيس في حملته ضد “ديلما روسيف”…

استخلاصات ودروس:

قد تُؤَدِّي الإحتجاجات إلى إقالَة الرئيس الحالي، مُنَفِّذ الإنقلاب الأمريكي واليميني ضد الرئيسة “ديلما روسيف” وضد حزب العُمّال الذي لا يخلو بدوره من الفساد، ولكن ما هي البدائل المطروحة أو المُمْكِنَة؟

سبق وأن حاولنا في مقالات سابقة تقديم تقييم نقدي لتجربة حكم اليسار في أمريكا الجنوبية، ومحاولة دراسة نقاط القوة ونقاط الضعف، ولكن وجب طرح أسئلة أكثر عمقًا ومحاولة الإجابة عليها مثل: كيف يمكن تحقيق الإشتراكية في ظل الحقبة الحالية من العولمة، وكيف يمكن بناء اقتصاد وطني مستقل أو يرتبط باقتصاد البلدان المجاورة على أسس متكافئة، وغير ذلك من الأسئلة التي لن نتطرق لها في هذه الخاتمة، مع عدم إهمالها من أي تقييم لتجارب “اليسار” في أمريكا الجنوبية.

تمتلك بلدان وشُعُوب أمريكا الجنوبية والوسطى ومنطقة بحر الكاريبي تُرَاثًا نضاليا هائلاً ضد الإستعمار الإسباني والبرتغالي والإنغليزي، جَسَّمَتهُ بعض الرّموز في القرن التاسع عشر مثل “سيمون بوليفار” (فنزويلا) و”خوسيه دي سان مارتين” (الأرجنتين)، وخوسي مارْتِي (كوبا)، وغيرهم  وحاول سيمون بوليفار توحيد أجزاء كُبْرى من القارة في كيان “كولومبيا الكُبرى” كما جرت محاولات أخرى لتوحيد بوليفيا وبيرو، وغير ذلك، ومن أشهر الرموز الحديثة في القرن العشرين “إرنستو غيفارا” (تشي غيفارا) وفيدل كاسترو وهوغو تشافيز، وغيرهم من زعماء “اليسار” وأشهرهم الرئيس سلفادور ألنْدِي في تشيلي، قبل بلوغ أحزاب اليسار السلطة التشريعية والتنفيذية عبر انتخابات ديمقراطية خلال القرن الواحد والعشرين في فنزويلا وتشيلي وأُرْغُواي والبرازيل وبوليفيا والأرجنتين وإكوادور وبارغواي وحاولت حكومات هذه البلدان تأسيس اقتصاد مُتكامل، يعتمد على التبادل الحر بينها، وشكلت اتحادين جُمْرُكِيّيْن (“مركوسور” و “تجمُّع الأندينز”) لتصبح المنطقة ثالث أكبر تكتل تجاري في العالم، تحت اسم “اتحاد دول أمريكا الجنوبية”، ومن أهدافِهِ المُعْلَنَة: إلغاء الرقابة الجمركية على تنقل الأشخاص والإنتاج بهدف توفير شروط مُلائمة للتنمية الإقتصادية، وانتهاج سياسة دفاع مُشْتَرَك، في سبيل تأسيس حكومة شعبية مُشْتركة وعابرة للحدود… لكن هذه الحركات اليسارية وصلت إلى حكم بلدانها اعتمادًا على قواعد “الديمقراطية البرجوازية”، ولا يُمْكِنُها الإنقلاب عليها، بدون سند شعبي قوي، وبالتالي بقي الإعلام والإقتصاد والتعليم تحت هيمنة اليمين المُوالي للإمبريالية الأمريكية وهيمنة الكنيسة الكاثوليكية، إضافة إلى انتهاج سياسة اقتصادية “وطنية” ولكنها ليست “اشتراكية”، رغم تخفيف حدة الفوارق بين الطبقات وتأميم بعض الشركات والمرافق، بل عمدت الحكومات “الإشتراكية” إلى تخفيف حدة الفقر بارتقاء ملايين الفقراء إلى صف البرجوازية الصغيرة (الفئات الوسطى أو “المُسْتَهْلِكِين”)، ونشر التعليم المجاني والرعاية الصحية والمسكن اللائق (في فنزويلا والبرازيل)، وهي سياسة اقتصادية “نِيُو كلاسِيكِيّة” (كِينِزِيّة) تهدف إعادة توزيع الثروة دون المساس بالأسس الطبقية للنظام الرأسمالي، بل تهدف إصلاح النظام الرأسمالي نفسه وليس القضاء عليه وتعويضه بنقيضه (النظام الإشتراكي و”مَشْرَكَة” ملكية وسائل الإنتاج)، لذا بلغت هذه الحكومات حُدُودَها بعد إبعاد شبح أزمة نهاية القرن الماضي وبداية القرن الحالي، وتوسيع قاعدة الإستهلاك التي تطلبت عقدًا من الزمن تقريبًا في كل بلد، وأثارت بعض جوانب هذه السياسات غضب جزء من القاعدة الشعبية، منها نقابات الأجراء والسّكّان الأصْلِيّين في فنزويلا وبوليفيا والبرازيل… أما في البرازيل، أكبر دولة وأكبر اقتصاد في أمريكا الجنوبية فقد أرسى حزب العُمّال بقيادة “لولا” منظومة فساد بمشاركة الشركات الكبرى (الطاقة والإنشاء والخدمات…) ما مَكَّنَ حِزْبَهُ من الحفاظ على نوع من “التّوازن” بين رأس المال والعمل والحُكْمِ بأقل قدرٍ من المتاعب قبل أن تحل الأزمة المالية ثم أزمة أسعار النفط والمواد الأوّلِيّة، وانكشفت حقيقة السياسة الإقتصادية التي انتهجها هذا النوع من “اليسار”، الذي تمكّنت الإمبريالية الأمريكية من تفخيخه من الدّاخل، عبر شراء حُلَفاء الحكم ثم تحريك “الخلايا النّائمة” بمختلف أنواعها، من منظمات غير حكومية وكنائس ووسائل إعلام…

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.