عرض كتاب “إشكالية الدولة الإسلامية: تصورات الحركة الإسلامية المعاصرة” – مؤلف الكتاب: معين الرفاعي – عرص: محمد علي فقيه

عرض كتاب “إشكالية الدولة الإسلامية: تصورات الحركة الإسلامية المعاصرة”

مؤلف الكتاب: معين الرفاعي

عرص: محمد علي فقيه

غالبية مفكري الحركة الإسلامية المعاصرين ليس لديهم تصور مختلف للدولة الإسلامية ووظائفها عما تقدمه النظريات السياسية الغربية، فأوكلوا اليها الوظائف ذاتها والبنية ذاتها.

كتاب “إشكالية الدولة الإسلامية: تصورات الحركة الإسلامية المعاصرة”لمعين الرفاعي.

يأتي كتاب “إشكالية الدولة الإسلامية: تصوّر الحركات الإسلامية” للكاتب والسياسي معين الرفاعي (أبو عماد)، في لحظة تعكف فيها العديد من الحركات الإسلامية  على إجراء مراجعات فكرية لرؤاها وتصوّراتها السياسية.

ربما لا تكون الإشكالية التي يطرحها أبو عماد الرفاعي، ممثل حركة الجهاد الإسلامي في لبنان، حول الشرعية الدينية لإقامة الدولة الإسلامية  جديدة؛ فقد سبق وناقشها كثيرون، ابتداء من كتاب “الإسلام وأصول الحكم” الذي كتبه علي عبد الرزاق عام 1925 وكتابات حسن البنا وأبي الأعلى المودودي وسيد قطب وتقي الدين النبهاني، وصولاً إلى كتاب “الحكومة الإسلامية ” للإمام الخميني. غير أن مناقشة هذه الإشكالية انطلاقاً من تصورات الحركات الإسلامية  المعاصرة لها، هو أمر جديد تماماً، وغير مألوف في تناول الفكر الإسلامي السياسي المعاصر.

يقول الرفاعي إن ثمة أسباب عديدة تدفع الى إثارة هذه الإشكالية منها التحديات التي فرضها انهيار الدولة العثمانية والتغريب الذي جرى على المجتمعات الإسلامية .

يقول المفكر والمستشار المصري الدكتور محمد سليم العوا صاحب العديد من الكتب الإسلامية  في تقديم الكتاب: “أول ما لفتني، الجرأة الفكرية في تناول موضوع شائك شائق، في المنظومات الفكرية التي تقدّمها حركات حيّة فاعلة – وأحياناً متخاصمة أو متصارعة – في الواقع السياسي والاجتماعي والوطني الإسلامي.  ذلك أن دراسة المسائل الفكرية من الزاوية التاريخية أكثر أماناً للباحث، وأدعى إلى قبول اختلافه مع ما كان، ممّن يؤيد رؤيته، وممن يعارضها أو ينكرها على السواء.  أما دراسة الفكر في حركته الواقعية القائمة فعلاً، والتعرض لنقد التجارب التي قامت عليها، أو لتقويمها، فإنه “مُسَعّر حربٍ” على الدارس وعلى نتائج بحثه.

يقول الرفاعي إن الكتاب يهتم باستقراء الأدبيات السياسية للحركات الإسلامية المعاصرة، وإنه من المؤسف أن غالبية الأبحاث والدراسات الجادة لدى المسلمين تركز على الفترة الممتدة بين وفاة النبي(ص) ونهاية الخلافة العباسية وتهتم تحديداً بالأدبيات التي أُنتجت خلال تلك الفترة ولا سيما في ما يعرف باسم “الأحكام السلطانية” أو “أدب الملوك”. ويكاد يغيب عنها بشكل ربما يكون كاملاً أي بحث يتناول ما قبل تلك الفترة وما بعدها.

وينقسم الكتاب الى مقدمة وتمهيد وثمانية فصول وخاتمة .

يتناول التمهيد جذور أزمة الدولة الإسلامية حديثاً ويعالج الخلل الذي وقعت فيه السلطنة العثمانية وبروز تحديات التغريب والعلمنة والقومية .

يتناول الفصل الأول تصور جماعة الأخوان المسلمين في مصر للدولة الإسلامية بشكل مطول في 116 صفحة عند أبرز مفكري الجماعة من المؤسس حسن البنا الى عبد القادر عودة وسيد قطب وحسن الهضيبي ويوسف القرضاوي وعصام العريان، فيبحث في النصوص المؤسسة للحكومة الإسلامية وشرعيتها عندهم، ونظرة الجماعة الى الخلافة. ويتعرض للطبيعة المدنية للدولة الإسلامية عندها والموقف من الدستور والبرلمان والديمقراطية والحريات والتعددية الحزبية.

وبعد أن يفصّل الكاتب رؤية مفكري الجماعة للدولة الإسلامية يخلص الى إمكانية إيجاز تصور الدولة الإسلامية عند الأخوان المسلمين على الشكل التالي:

1-الخلافة هي الأصل ونظام الخلافة هو نظام تاريخي وليس نظاماً دينياً والإسلام كان سباقاً الى مفهوم الدولة الحديثة وهي كانت ذات مميزات عصرية وتحمي وتحترم حقوق الأقليات.

الفصل الثاني يتناول الدولة الإسلامية في تصور الجماعة الإسلامية في باكستان ولا سيما لدى مفكرها الأهم أبي الأعلى المودودي. ويناقش بالتفصيل مفهوم الحاكمية عنده والجهود التي بذلها لوضع دستور إسلامي لباكستان الوليدة .

يبحث هذا الفصل فكرة تأسيس باكستان وكيف حاول المهاتما غاندي ثني محمد علي جناح عن المضي في فكرة تقسيم الهند، عارضاً عليه أن يصبح أول رئيس جمهورية للهند المتحدة غير أن جناح رفض العرض .

ومن بين أبرز المفكرين المسلمين عارض المفكر الجزائري مالك بن نبي بقوة فكرة إنشاء باكستان، معتبراً إياها صنيعة المحتل البريطاني وتخلق عداوة متبادلة بين باكستان والهند .

ويلفت الكاتب الى معارضة أبي الأعلى المودودي، الذي أصبح فيما بعد المنظر الأكبر لدستور باكستان، لفكرة إنشاء باكستان. لكن المودودي، وبعد أن صارت باكستان واقعاً (27 آب أغسطس 1947)، اختار الانتقال الى باكستان ليعاود نشاط الجماعة الإسلامية. وباتت أسلمة هذه الدولة وتطبيق الشريعة الإسلامية فيها الشغل الشاغل للمودودي وللجماعة الإسلامية في كل الفترات اللاحقة.

وفي هذه الفترة كان النقاش مستعراً بين المسلمين الهنود حول فكرة الحاكمية.

الفصل الثالث يبحث الدولة الإسلامية في تصور حزب التحرير من خلال مفكريَه الرئيسيَين تقي الدين النبهاني وعبد القديم زلوم .

يقول مؤسس حزب التحرير تقي الدين  النبهاني: “لا يوجد هناك شيء يسمّى الدين وشيء يسمّى الدولة بل هناك نظام إسلام وتعتبر الدولة جزءاً من هذا النظام وهي التي تقوم على تنفيذه.. ذلك أن الدولة هي الطريقة الشرعية الوحيدة التي وضعها الإسلام لتطبيق أحكامه وتنفيذها في الحياة العامة. ولا يوجد الإسلام وجوداً حياً إلا إذا كانت له دولة تطبقه في جميع الأحوال” .

فطرح النبهاني تجاوز الطرح التقليدي (فصل الدين عن الدولة) فهو ينفي وجود أحدهما دون الآخر، الأمر الذي يصل الى حد المماهاة بينهما .

وحول الشورى، يقول عبد القديم زلوم الذي تولى رئاسة حزب التحرير بعد وفاة النبهاني: “الإسلام لا يعرف ما يسمّى بالقيادة الجماعية ولا يعرف الرئاسة الجماعية. وإنما القيادة في الإسلام فردية محضة فيجب أن يكون القائد والرئيس والأمير واحداً ولا يجوز أن يكون أكثر من واحد”.

في الفصل الرابع يبحث الرفاعي مفهوم الدولة الإسلامية في تصور حركة النهضة التونسية حيث يقول إن مفهوم الدولة الإسلامية لدى حركة النهضة في تونس يختلف عن مقاربة الأخوان المسلمين لها وفق ما يقدمه مفكرها ورئيسها راشد الغنوشي .

ففي كتابات الغنوشي كافة، يغيب أي تأصيل شرعي لإقامة الدولة الإسلامية ويقدم مقاربة مختلفة تعتمد مبدأ الضرورة الاجتماعية لا الوجوب الشرعي المؤسس على النص.

أما الفصل الخامس فيتناول بالتفصيل نظرية ولاية الفقيه التي جاءت بها الثورة الإسلامية في إيران من خلال كتاب الإمام الخميني “الحكومة الإسلامية” من خلال كتب الدكتور علي شريعتي والشيخ مرتضى مطهري ومرشد الثورة الإسلامية السيد علي خامنئي.

ويتحدث الكاتب عن المرحلة التي بدأ فيها الفقه الشيعي يستنبط الأحكام بعد أن تم التأسيس النظري له على يد الإمام الصادق. ويقول: “بحلول منتصف القرن الخامس الهجري، اكتملت أصول الفقه الشيعي الاثني عشري بالكتب الأربعة التي يطلق عليها الأصول الأربعة: كتاب “الكافي” للشيخ الكليني وكتاب “من لا يحضره الفقيه” لإبن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق وكتاب “تهذيب الأحكام” وكتاب “الاسستبصار” لمؤلفهما الشيخ الطوسي”.

يقول الرفاعي: “ثمة اختلاف في المصادر الشيعية حول نشوء أو ميلاد فكرة ولاية الفقيه. بعض فقهاء الشيعة يرون أنها ولدت في جبل عامل وأن الأب الشرعي لها هو الشيخ محمد بن مكي الجزيني وقد ذكر في كتابه اللمعة الدمشقية لفظ (نائب الإمام) بينما لا تشير المصادر الإيرانية الى دور الجزيني وتركز على أن الولاية المطلقة للفقيه تنسب إلى فقيه آخر اسمه الشيخ أحمد النراقي. وهناك رأي إيراني آخر بأن ولاية الفقيه قد ولدت علي يدي المحقق الكركي اللبناني.

يتناول الفصل السادس الدولة الإسلامية في تصور الحركة الإسلامية في السودان ولا سيما عند مفكرها الأبرز حسن الترابي فيقف على مفهوم الخلافة عنده ونظريته حول أولوية المجتمع على الدولة ونظرته الى الأحكام السلطانية الدستورية ومسألة الديمقراطية ومسألة الحرية .

أما الفصل السابع فيتناول بالتحليل أدبيات حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا ولا سيما أطروحته الأساسية في عدم وجود تناقض بين العلمانية والإسلام ومفهومه لبناء دولة إسلامية  عصرية.

الفصل الثامن والأخير يستعرض أبرز النتائج التى توصل إليها استقراء الأدبيات السياسية للحركات الإسلامية المذكورة وتحليل مضمون خطابها حول مسألة الدولة، ولا سيما من الناحية التأصلية. ثم يناقش الرفاعي من زاوية تأصيلية مسألة الارتكاز الى النص القرآني الكريم لدعم مقولة إقامة الدولة الإسلامية.

في خلاصة الكتاب، يقول أبو عماد الرفاعي إن تركيز الحركات الإسلامية المعاصرة على مفهوم الدولة الإسلامية كفكرة محورية قد أدى الى تقديم قراءة أيديلوجية للإسلام ارتكزت عند كثير من مفكري الحركة الإسلامية الى صب الإسلام في قالب الدولة الحديثة من دون الأخذ بعين الاعتبار أن مفهوم الدولة بذاته هو مجرد معطى تاريخي يخضع إلى إطاري الزمان والمكان في أن الإسلام يتجاوزهما .

إن غالبية مفكري الحركة الإسلامية المعاصرين ليس لديهم تصور مختلف للدولة الإسلامية ووظائفها عما تقدمه النظريات السياسية الغربية، فأوكلوا اليها الوظائف ذاتها والبنية ذاتها، وبعد أن أضفى عليها معظمهم صبغة إسلامية.

ويطرح الرفاعي سؤالاً مهماً هو: ماذا يعني مفهوم الدولة الإسلامية إذا كانت بنيتها ووظائفها غربية بالكامل ؟!

يلفت الرفاعي الى أن النقطة المنهجية هنا أن أزمة الدولة الإسلامية في الأصل هي أزمة أصولية تتعلق بآلية استنباط الأحكام من مصادرها الشرعية .وهو يرى أن ما يحتاج اليه الفكر الإسلامي المعاصر هو إعادة قراءة الدولة الإسلامية على مستويين: مستوى الدولة ومستوى التشريع الإسلامي.

وفي الخاتمة يطرح الكاتب السؤال التالي: ما الذي ينبغي على الحركة الإسلامية اليوم فعله؟ هل ينبغي عليها اعتزال العمل السياسي والعكوف على صياغة نظرية سياسية إسلامية؟

يدعو الرفاعي الحركات الإسلامية الى إعادة ترتيب أولوياتها: الخطوة الأولى الهامة والعاجلة التي يجب عليها القيام بها هي الخروج من كل وجه من وجوه الصراع على السلطة، والابتعاد عنه وتركيز اهتمامها نحو إعادة بناء المجتمع المسلم وفق القيم الإسلامية.

 يقول الكاتب إنه يمكن الاستفادة كثيراً من الإشارات القيمة التي أبرزها راشد الغنوشي عند حديثه عن العلاقة بين السياسة والدين، ولا سيما المرحلة التي انقلب فيها الملك على الخلافة. فحالة الصراع بين مجتمع المسلمين وبين السلطة التي تحكمهم ليست جديدة في تاريخهم. ففي تلك المرحلة، عمد كبار أئمة المسلمين الى الحد من نفوذ الدولة ومحاصرتها في دائرة ضيقة اقتصرت على العلاقات الخارجية والغزوات وبيت المال. بينما ركز العلماء جهودهم على إبقاء القضاء والسوق ونظام التعليم ونظام الأوقاف وإدارة مجمل شؤون الناس في أيدي المجتمع، تدار كلها من المسجد. وفي قصة الإمام أبي حنيفة مع الخليفة أبي جعفر المنصور التي أوردها الماوردي، معانٍ كثيرة تستحق الوقوف عندها .

وتبرز الابتلاءات العظيمة التي تعرض لها الأئمة الكبار بوضوح الجهود الكبيرة التي بذلوها من أجل التصدي لمحاولات السلطة الاستيلاء على قرار المجتمع ومصادرته، وقد دفع العديد منهم أرواحهم ثمناً لتلك الجهود والمواقف.

ويدعو الكاتب الى إعادة الاعتبار إلى الاهتمام بالمساجد والتركيز على التصدي للمشروع الصهيوني في فلسطين وأن تجعل من الجهاد في فلسطين قبلة جهادها والتصدي لمحاولات التطبيع مع العدو الصهيوني وإعادة الاعتبار لقضية فلسطين كقضية جامعة للأمة وكأولوية لا خلاف عليها بانتظار بلورة رؤية سياسية إسلامية تخرج الأمة من مأزق التغريب والخضوع للهيمنة الغربية.

يقول الرفاعي: “مما ينبغي للحركة الإسلامية أن تبقيه أمام ناظريها أن التفافها حول قضية فلسطين ومقاومتها وانتفاضة شعبها، في تسعينات القرن الماضي والعقد الأول من القرن الحالي، قد جمع حولها شعوب الأمة بأسرها، على اختلاف تياراتها .. وقد حققت في ذلك انجازاً هاماً وكبيراً تمثل في وضع الكيان الصهيوني في فلسطين أمام تهديد وجودي .. استدعى دق أجراس الخطر في واشنطن وعواصم القرار الغربي”.

 

المصدر: الميادين نت

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.