محمد شحرور…شحرور…لا يغني! هذا حين يتم خصاء المثقف بالمال! عادل سمارة

ليس الإعلام التقني/الرسمي وحده مصدر “إعماء” ، فلا شك أن الإعلام الشفهي يلعب الدور نفسه إن لم يوظف ثوريا وعلميا لا غيبياً. ينطبق قولي هذا على ما كنا نسمعه عن الباحث محمد شحرور وعن مرونة أطروحاته بشأن قراءة الدين، أي دين، ومنها الإسلام نفسه.

قرأت المقابلة التي أُجريت معه في جريدة العرب اللندنية (4 حزيران 2017)  بالاتفاق مع مجلة “الجديد” الثقافية اللندنية. وبالمناسبة كنت قد اشتغلت في تلك الجريدة  طوال زمن دراستي في لندن، بل من ثاني ايام وصولي إلى آخر ايام وجودي هناك، لأنني درست على نفقتي وشغلي. عملت  كمحرر اقتصادي وكنت أكتب في أمور أخرى، حيث كان الراحل أحمد الصالحين الهوني صاحبها ورئيس تحريرها.

في المقابلة المذكورة ينتقد شحرور كل شيء، خلا شيئين، كل القوى خلا قوتين،   بل كل الأنظمة خلا نمطين اثنين من الأنظمة تابع ومتبوع، اي الغرب الراسمالي وأنظمة الريع والدين السياسي الخليجية!!!

قد أُجيز لنفسي البدء بملاحظة أن المقابلة نُشرت يوم 4 حزيران أي قبل النكسة (1967) بيوم واحد ولم يتطرق الرجل لذكر فلسطين! وليس له من عذر لأن تقولاته في المقابلة سياسية جداً، اللهم إلا إذا كان الرجل مأخوذ بفكر ولاَّدة قوى الدين السياسي، اي الإخوان المسلمين تجاه الوطن أو الأرض بمعنى أن الوطن ليس بالأمر الأساسي. هذا رغم أنه يخالفهم في الكثير كما بدا. يمكن للمرء أن ينأى عن اليسار واليمين، مع ان ذلك صعباً، لكن ليس بوسعه النأي عن الوطن.

يقع الرجل في، أو يختار، الفخ اللبرالي الغربي وتفوق اللون الأبيض الذي لم يتوقف انشغاله عن الضخ الإيديولوجي ضد ما يُسميه الرجل نفسه  “بنية”  العقل العربي. وبالطبع على مفردة “العقل” نقاش حتى في دقتها. هل هي طريقة الاستيعاب، القدرة على التجريد، هل مقصود بها “الدماغ” وبانه مصاب بخلل فيزيائي، هل المقصود طريقة التفكير…الخ. ليس أياً من هذه هو المحدد في المقابلة.

يقول مثلا: “…أما في الوطن العربي فالعقل  الجمعي العربي مأزوم للأسف، ويحتاج دائماً لمثال يقيس عليه سواء كان مؤمناً أم ملحداً” هذه الفقرة تغلق باب التطور وتنتظر الفاتح الأبيض لتحريك العقل العربي!

في رده على سؤال عن دراسته في الاتحاد اسوفييتي يقول:

“…ولم أقتنع بأفكارهم في الوقت عينه، فالماركسية أهملت جدل الإنسان، حيث للإنسان جدلية خاصة غير موجودة في الطبيعة، وهي جدلية الخطأ والصواب والحق والباطل والطاعة والمعصية، كل هذا شجعني أن أقرأ لأفهم…”

لعل أي اطلاع حتى لو سطحي يدرك بأن الماركسية هي أكثر فلسفة للإنسان. وكل النضال الطبقي والأممي هو من أجل تحرير الإنسان من عبودية راس المال.

وهكذا، فالرجل، رغم كل ما انتجه من تراث، بقي عاجزاً عن الوصول أو قبول التحليل العلمي الحقيقي، مع أنه يزعم التحليل العلمي، أقصد أن الحدث هو الأساس والتحدي وهو الذي طوَّر الحواس كقلاع حراسة وشبكة معلومات في خدمة الدماغ الذي يكون في حالة طبيعية أو في حالة مختلة او ما بينهما.

أقصد أن الحدث يوجد مستقلا عنا، تنقل تأثيره الحواس إلى الدماغ الذي يتفاعل مع الحدث بدرجات فتنتج إثر ذلك المعرفة. وفي إنتاج المعرفة ، كإنتاج السلع، لا تختلف العقول الفردية ولا الجمعية عن بعضها إلا في حالة عدم سلامة الدماغ أي الجزء المادي “عالي التنظيم”  من الجسم.

إعفاء الغرب قديمه وحديثه:

الحدث او التحدي بعد النهضة الحداثية الأوروبية أو بسببها وفي خدمة الطبقات المتحكمه بها هوإستهداف الوطن العربي منذ مرحلة الميركنتيلية فالاستعمار فالإمبريالية فالعولمة. وهو حدث فتح على خيارين:

  • مساومته وممالئته والتبعية له
  • أو مقاومته

مفردة الاستهداف الغربي الراسمالي ليست مصطلحا مجردا، بل هو حدث مادي قاد إلى النهب والتخلف وانقسام المجتمع العربي في حرب داخلية تشتد كما هي في الوقت الحالي وأقل شدة كما كانت في  القرن الماضي.

هذا الحدث وغيره تلعب دورا في الاستنزاف وبالتالي ضعف أداء الثقافة العربية وليس مشكلة في بنية العقل. ذلك لأن هذه المشكلة التي يتحدث عنها شحرور وبكل هذا التركيز توصله تماما إلى ما يريده الاستعمار الغربي الراسمالي بأن “الشرق” متشرنق تاريخيا، وهو يحتاج بالضرورة إلى عامل خارجي لكسر شرنقته، اي الاستعمار. بل إن بعضهم يرى بأن المطلوب استعمار أطول واشد (جيفري كاي).

فإصرار شحرور على أن الخلل في بنية العقل العربي يسمح لنا بالقول بأنه يقصد التركييب الفسيولوجي للدماغ. وهذا أمر رهيب يصب أول ما يصب في موهومية  تفوق “العقل أو بنية العقل اليهودي والأبيض طبعا. فويل للسمر! ترى هل سمع عن اغتيال امريكا والكيان العلماء العراقيين والمصريين؟ لماذا تم استهدافهم؟

علماء الاقتصاد السياسي والتنمية مُجمعون على مقولة “لا يابان بعد اليابان” بمعى أن اليابان تمكنت من التطور لأنها لم تخضع للاستعمار، الذي لم يسمح لغيرها بعدهاإلا في حالات البلدان التي اختارت الطريق الاشتراكي بالقطيعة مع نمط التطور الراسمالي.

والطريف ان الرجل في دراسته في الاتحاد السوفييتي لم ينتبه لمسألة التطور الاشتراكي وانتقال روسيا إلى دولة متقدمة عن غير طريق راسمالي، وحبذا لو ينتبه اليوم بان الصعود الروسي قائم اساسا على القاعدة العلمية والتقنية التي بناها السوفييت. يبدو أن شحرور كان مشغولا في الإيمان والإلحاد! يتجاهل شحرور كل هذا ويحكم على العقل العربي بالوقوع في مشكلة، ولا يقول لنا بانها محصورة في فترة زمنية محددة!

ومع ذلك حتى الآن، قد نقول بأن الرجل قد اجتهد.  لكنه يحصر كوارث الوطن العربي في من يمكننا القول بأنه وصفهم ب

  • المؤسسين
  • والمنقلبين عليهم

وبهذا يقع الرجل في فخين:

الأول أن مشروعه في مرونة الدين يلاقي استحسانا في الوقت الحال في مواجهة وحشية الإرهاب السلفي الوهابي التكفيري، فيحصل شحرور على رصيد ليس لعمق مشروعه بل لإفلاس المشروع الآخر. كيف لا يتم “تدليع” شحرور مقارنة ب البغدادي والقرضاوي…الخ. يقول: “…لا أستبعد أن تكون داعش صنيعة أجهزة الاستخبارات، لكن بالتأكيد استغلت الإسلام لنشوئها، ….وكل من يدافع عن فكر الشافعي وابن حنبل عليه ألا يناقض نفسه ويهاجم فكر داعش.”.

ليس جاهلا الرجل بحيث لا يعرف أو لا يتكهن أية مخابرات التي كما يرى “قد” تكون صنعت داعش! غالباً قصد أن لا يوجه أي اتهام للمخابرات الغربية ومخابرات أنظمة الدين السياسي النفطية. هو مع هذين متصالح تماماً!

  • والثاني ينسى مشروعه في قراءة مرنة للدين ليسقط في الانحياز السياسي الخطير لصالح أنظمة هي خالقة الإرهاب التكفيري انحيازا صامتا، إلى جانب هجوم مفتوح  ضد القوى القومية والشيوعية. (انظر لاحقاً)

البعث وعبد الناصر والشيوعيين هم بالنسبة له المشكلة، هم المؤسسون، أما داعش والنصرة…الخ فهم المنقلبين على المؤسسين، وهم برأية النتيجة الطبيعية لسياسات المؤسسين اي الجمهوريات.” تقول من قابلته:

“… واليوم يحمّل المفكر السوري اليسار العربي وعلى رأسه الأحزاب الشيوعية وحزب البعث سبب ما يجري الآن على صعيد العالم العربي، لأن ذلك اليسار لم يقدم أية أطروحة لبناء دولة يُحترم فيها المواطن ومبنية على حرية الاختيار.”

 لم يقل لنا بعد ما أو من هي القوى التي ستبني الدولة المنشودة؟

ويقول: “… في الخمسينات من القرن الماضي كانت سوريا تعيش ديمقراطية كاملة، إلى أن أتى جمال عبدالناصر وأنهى هذا الوضع، وآذن بقدوم دولة البعث، بما حملته من حكم الحزب الواحد ومن ثم الحاكم الإله، ولا أجد ما أدافع به عن تقاعس أبناء جيلي في التصدي لسيطرة الاستبداد”.

لعل نقد التقاعس، في غير لحظة ضرورة النقد، هو العذر، هذا ما كرره من قبل “الماركسي” الراحل صادق جلال العظم. ولنفرض أن قوله هذا صحيحا، فماذا عن الجزء الآخر من الوطن العربي اي الأنظمة الملكية وأنظمة الدين السياسي، هل انجزت تطورا اجتماعيا اقتصاديا قوميا؟ اليس الحري بالعالم أن لا يقدم تحليلا مجزوءاً؟

ويضيف: “…الناس في المنطقة العربية يعيشون خيبة أمل إثر فشل المشروع القومي وما رافقه من سيطرة للاستبداد وقمع الحريات، وتوج ذلك بعشرات آلاف الضحايا والمشردين والمعتقلين بعد الربيع العربي، سواء في سوريا أم العراق أم اليمن أم ليبيا”

خطاب مخصي تماما، لأنه يتوقف عند إحصاء الضحايا وأقطار الضحايا، دون أن يقول لنا كيف تمكنت منظمات الإرهاب من احتلال اقطار وتشكيل دولة؟ أي لم يُشر بإصبعه إلى انظمة الدين السياسي النفطية التي كانت على الأقل مُزود الإرهاب ب:

  • التثقيف الإرهابي التفكيري
  • والمال وثمن السلاح.

لا ذكر من المفكر لهذه الأنظمة قطعيا!

بل لا يرى حصة للاستعمار (الغرب الراسمالي) في تأسيس المشكلة التي أُخذ بها وينسبها خالصة للقوى القومية والشيوعية العربية. كما يتجاهل قيام الاستعمار العثماني بإهلاك العرب 400 سنة كي يُسلمهم للاستعمار الغربي والصهيونية أمة هالكة. ونسي أنظمة الدين السياسي وخاصة الخليجية في الإصرار على حمل “مشعل العتمة” بالدم والبارود اليوم!

يكاد شحرور لا يذكر بحر الدم والدمار  الذي تعوم فيه الجمهوريات. وقد نقول هنا لا بأس، فالرجل مصدوماً من هؤلاء.

لكنه، وأكررها هنا،  لم يقل كلمة واحدة عن أنظمة الدين السياسي في الخليج وكأنها يوتوبيا!

انحياز خجول لصالح منبع الإرهاب:

تقول الصحفية على لسانه كما يبدو:

“… وكان سبّاقا إلى انتقاد النظام السوري قبل انطلاق الثورة السورية في ربيع العام 2011، إذ يقول «الإصلاح الديمقراطي في سوريا ضعيف جدا، لأن التطور السياسي خلال السنوات الخمس والثلاثين الماضية توقف تماما، حتى كوادر الإصلاح غير موجودة، الحكم الاستبدادي يوقف التطور السياسي للمجتمع».

هنا يكرر شحرور كوارث وقعت فيها نفس القوى التي ينقدها أي تركيز الهجوم على الدول الجمهورية كديكتاتوريات ,,,الخ، دون الانتباه، إلى أنهم بهذا يغطون على انظمة الدين السياسي التي تُعتبر الجمهوريات مقارنة بها “جمهورية أفلاطون” وهذا التغاضي اطلق يد انظمة وقوى الدين السياسي كي تعبىء الذهنية الشعبية العربية على مدار خمسين سنة لتنفجر في “ربيع…الثورة المضادة”، والتي يواصل تسميتها  حتى اليوم ب “الثورة السورية”

هذا، إلى أن يصل فيلسوف الدين المرن إلى حضن المستوطنة التي هي تأسيساً بريطانية، وتشغيلا امريكية. والطريف أنه يمدح هذه المستعمرة في الوقت الذي نشب التماحك بين الضراير النفطية قمَّته تزاحم على الحضن الأمريكي والصهيوني!!!

“… الجديد تحاور شحرور بعد إعلان حصوله على جائزة الشيخ زايد للكتاب لهذا العام 2017 … نعم، أعتبر أن الجائزة خطوة على الطريق الصحيح، وتتجاوز ما هو شخصي لما هو عام، وهذا التكريم ليس  غريباً على دولة الإمارات التي تسير على طريق الحداثة، بل جاء ليثبت أن الحداثة لا في البنيان فقط بل في الفكر أيضاً”

هل يُعقل ان لا يرى الرجل أن هذه المستعمرة ضربت ليبيا ودمرت اليمن وتطمح في اغتصاب جنوب اليمن، وتخرب في قلب الشعب الفلسطيني وتقيم علاقات فعلية منذ عشرات السنين مع الكيان الصهيوني خدمة للكيان والإمبريالية؟.

ليقل الرجل عن الجمهوريات أكثر مما قال مالك في الخمر، وحتى ليغض الطرف عن أنظمة الدين السياسي والريع، أما أن يصفها بالسير على طريق الحداثة، بل أن يقبل على نفسه الحصول على جائزة من دولة لا برلمان ولا أحزاب ولا اننتماء عروبي بها، فهذا لا يؤشر، للأسف الشديد، إلا إلى أحد أمرين:

  • الأول ان الرجل ساذجا، وهذا لا يبدو
  • والثاني ان الرجل انحنى بل “نخَّ” لحقنة مالية سمينة!

هذا إلا إذا رأى الحداثة الإماراتية في الأبنية الإسمنتية، وفي ميناء دبي الحر الذي يهرب السلع الصهيونية للوطن العربي من “جبل علي”، نعم من دبي وهي بالمفهوم الغربي “رئة الخليج”، وبالتطبيق العملي ماسرة تسميم الوطن العربي.

إلى أن يقول: “… أنظر اليوم إلى دمشق، وسوريا عموماً بأسى وحزن، لكني لست متفاجئاً مما  يحدث، فالخضوع للحاكم الإله كل هذه المدة وصل بنا إلى ما نحن عليه، وما حدث كان سيحدث عاجلاً أم آجلاً، ومزاج الاعتدال الذي كان سائداً كان يخبّئ تحته الكثير من التعصب، نتيجة عوامل عديدة، وحركات الإسلام السياسي أطالت عمر بقاء النظام وصبت في مصلحته، واليوم تحول الوضع إلى صراع بين الدول، وصراع بين أحاديين كلاهما إلى زوال”

ترى، هل حكام الخليج منتخبين؟ أساسا، هل معظمهم يقرأ ويكتب؟ أليس الخليج مستعمرات للغرب الرأسمالي؟ وأخيرا، النظام السوري إلى زوال، وداعش إلىزوال. جيد ايها المؤمن، فمن الذي سيأتي بعدهما! قياسا على موقف هذا الرجل، من سيأتي هو منظومة حكام النفط المحكومين بالموقف الأمريكو-صهيوني. محزن أن ينتهي المثقف …هكذا!

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.