سورية: “الأسوأ وراء ظهورنا إذا…. ” هكذا ، العميد د. أمين محمد حطيط

في عبارة بالغة الدلالة والأهمية أكد الرئيس الأسد للوكالة الإخبارية الهندية وفي معرض توصيفه للوضع   السوري بشكل عام والوضع الميداني بشكل خاص ان ” الأسوأ وراء ظهورنا إذا توقف الغرب عن دعم الإرهاب ” …. فما الذي عناه الرئيس بهذه العبارة وهي عبارة فيها اختصار للواقع وتقدير للمستقبل؟

في حقيقة الأمور وانطلاقا من الوضع الذي دخل فيه المشهد السوري العام نستطيع ان نقول ان العدوان على سورية بالشكل المتعدد الخطط والوسائل منذ العام 2011، ان هذا العدوان وصل الأن إلى الحائط المسدود على الصعيدين السياسي والعسكري.

فعلى الصعيد السياسي يكفي ان نأخذ بما قاله مؤخرا  احد من يسمون انفسهم “قيادات في المعارضة السورية ” (رياض حجاب)  الذي و بعد ان لمس حجم الاستخفاف الفرنسي بزيارة وفد المعارضة تلك  لباريس و بعد ان حصرت الزيارة بمصاحفه الرئيس الجديد ماكرون و محادثة مستشاره لأقل من ساعة ، و بعد ان وصف لهم حال المعارضة السورية التي ينتمي اليها و شهد ردة فعلهم على التوصيف خرج ليقول بان هذه “المعارضة في أسوأ حالاتها ” ، فشهد شاهد من أهله و اكد ان معارضة مفككة متناحرة ذات مرجعيات خارجية متعددة ومتصارعة و لا تملك برنامجا سياسيا تتفق عليه ، و ليس لها في الميدان قوة تتخذها أوراق ضغط في السياسة و التفاوض ، ان معارضة هذه حالها هي معارضة لا تستحق هدر الوقت في التفكير بها  وبوزنها و قدرتاها لتكون طرفا نديا او متكافئا او اقله متقاربا  مع طرف أخر تمثله  دولة صامدة  ذات مؤسسات وطنية تعمل رغم كل الظروف  ، و ذات حضور دولي فاعل رغم كل أنواع الحصار .

أما على الصعيد العسكري الأمني الميداني، فان الناظر في الميدان السوري يجد ان المواجهة مع الإرهابيين والمسلحين باتت تظهر وفقا لخريطة من خطوط ثلاثة رسمتها الانتصارات السورية في الميدان، وساهمت في تظهيرها مؤخرا مذكرة مناطق خفض التصعيد، وعززتها انتصارات العراقيين بجيشهم وحشدهم الشعبي على الجانب الشرقي من الحدود العراقية السورية وبالتالي فان الميدان السوري يقرأ الأن وفقا للتالي:

إمساك الجيش العربي السوري و حلفاؤه بالوضع في المدن الأساسية الكبرى و الجزء الأساسي المأهول بالسكان و رسم خط الأمن الوطني الممتد من حلب شمالا إلى دمشق و ريفها جنوبا شاملا حماه و حمص و كامل منطقة الساحل ، و ان البؤر او النواحي التي لم يدخلها الجيش غربي هذا الخط عطلت فيها الفعالية الإرهابية و قدرات المسلحين عبر مذكرة خفض التصعيد ، و ان هذا الواقع حقق قفزة نوعية لصالح الأمن و الاستقرار في سورية تمكن الدولة من القيام بالكثير لصالح المواطن و الاقتصاد الوطني في منطقة يقطنها اكثر من ثلثي الشعب السوري .

استمرار تنفيذ الجيش العربي السوري وحلفاؤه خطة تطهير البادية شرقي خط الأمان الوطني المنوه عنه أعلاه، وانطلاق القوة المولجة بالمهمة والمختارة بعناية بالغة وفقا لظروف الميدان، انطلاقها جديا وبفاعلية للتنفيذ. وبالفعل حققت هذه القوى إنجازات بالغة الأهمية في ريف حلب الشرقي حتى استكملت تطهيرها واستعدت للتحول جنوبا، كما أنها حققت قفزات نوعية في البادية السورية جنوب شرقي تدمر، وتابعت تقدمها في البادية أيضا باتجاه معبر التنف في عمل منسق على محاور متعددة متوجهة إلى الحدود الشرقية لسورية مع العراق لملاقاة القوات العراقية الوطنية التي تتقدم بثبات واقتدار من الشرق والشمال وتجهز على داعش في المنطقة الحدودية بعد ان دخلت في المرحلة الأخيرة لتطهير الموصل. وبالفعل كان لتحرير قضاء البعاج العراقي على الحدود السورية دلالات هامة منحت القوى العراقية مكاسب معتبرة تبني عليها في عملياتها الحدودية المتتابعة التي ساهمت في أسقاط خطة الفصل والعزل التي اعتمدتها أميركا مؤخرا كخطة انقاد بديلة لخططها الأساسية الهادفة إلى أسقاط سورية والعراق.

عجز القوة الإرهابية المتبقية في الميدان داعش و سواها ، عن القيام بعمليات هجومية قابلة لتحقيق الانتصارات المستقرة ، و قد يكون هذا العنصر في المشهد هو الأساس في اطلاق القول بان ” الأسوأ بات وراء ظهورنا ” فمن ينظر بالسلوكيات الميدانية التي يلجأ اليها المسلحون و الإرهابيون يجد انهها في واحد من ثلاثة عناوين، أما انهها خامدة تنتظر أيام المواجهة الدفاعية ، او انهها في مرحلة اشتباك دفاعي ميؤوس منه و لذا فأنها تتقهقر أما م تقدم الجيش لعربي السوري و حلفائه كما حصل في ريف حلب الشرقي و ريف حمص الشرقي و البادية جنوبي شرقي تدمر ، او على  اتجاه التنف حيث يستمر التقدم رغم الوقاحة الأميركية بالتهديد و التحذير ، و أما أخيرا في عمليات هجومية محدوده و فاشلة كما حصل في جنوبي درعا حيث سحق الجيش العربي السوري هجوما استهدف حي المنشية فيها  .

وفي المحصلة نجد ان المشهد السوري هو بالفعل في وضع يدعو إلى الطمأنينة والثقة بالمستقبل، ويمكن المراقب المتابع لمسار الأحداث بان يقول بان سورية باتت في الهزيع الأخير من ليل أزمتها التي صنعها العدوان الأميركي الكوني. وبالتالي فان القول بان “الأسوأ بات وراء ظهورنا ” كما حدد الرئيس الأسد هو بالفعل توصيف موضوعي دقيق تؤكده الوقائع والحقائق الميدانية والسياسية، ولكن لماذا قال الرئيس ” إذا لم يتوقف الغرب عن …”

أننا نرى ان الرئيس و في ذهنه صورة واضحة  ان ما جرى في سورية لم يكن عملا داخليا او ثورة شعبية كما زعموا و لفقوا ، بل كان عدوانا خارجيا بدأته قطر و تركيا و التحقت بها السعودية إقليميا ، و قادته أميركا و خلفها بريطانيا و فرنسا دوليا ، و بالتالي طالما ان هذه   الدول مصرة على متابعة العدوان فان الحذر يجب ان يبقى قائما و يكون على سورية و حلفائها التيقظ إلى ما يمكن ان يقدم عليه هؤلاء من سلوكيات عدوانية برز  بعضها مؤخرا من خلال التصرفات الأميركية التي استهدفت بنار التحالف الأميركي وحدات الجيش العربي السوري ، او ما سربته أميركا منذ يومين بانها شرعت في تعزيز وجودها العسكري في جنوبي سورية و تقصد على الحدود السورية الأردنية قرب التنف في استعراض أعلامي يكمل ما قامت به الطائرات الأميركية من القاء قصاصات ورقية تحذر فيها سورية من الاقتراب من المراكز العسكرية التي أقامتها أميركا هنالك خرقا للسيادة السورية .

ان التحذير الذي أطلقه الرئيس من شانه ان يحمل مسؤولية استمرار الإرهاب في سورية وعبرها إلى العالم يحمله للغرب بقيادة أميركية، وهنا يكون واضحا بان ادعاء الغرب محاربة الإرهاب هو زيف ونفاق، وان سورية تقول للغرب بقيادة أميركية توقفوا عن دعم الإرهاب ونحن نتكفل بالقضاء عليه في بلادنا، وكفوا شركم عنا ونحن نتدبر امر امن شعبنا، كما انه يقول للسوريين والحلفاء والأصدقاء حذار الاسترخاء طالما ان هناك قوى دولية عظمى مصرة على العدوان علينا.

وعليه نرى ان الواقع السوري الأن فيه من عناصر التفاؤل ما يجعل المعنيين بالدفاع عن سورية مطمئنين لانتصارهم في الحرب الدفاعية التي خاضوها على مدار نيف وست سنوات، ولكن يبقى الحذر والتيقظ لمواجهة أي مستجد تلجأ اليه قوة العدوان من اجل إطالة أمد العدوان او تعويض الفشل السابق، انه تحسب والعسكري يبنى دائما على التوقع الأسوأ.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.