من يستفيد من خصومة صهاينة العرب، عرب النفط، عرب أمريكا، الطاهر المُعز

يشترك طرفا “المهزلة التراجيدية” التي تدور على عتبات أبوابنا (السعودية وقطر) في محاولة كل منهما إبراز تَبَعِيّته للإمبريالية الأمريكية، وخضوع كل طرف منهما لها، ومحاولة الحصول على دعم واسترضاء حكام أمريكا وشركاتها…

نشرت الصحف الأمريكية والبريطانية بعض المقالات لباحثين واختصاصيين جِدِّيِّين خلال الأيام الفارطة، يبدو أن الولايات المتحدة وراء إشعال النِّيران من كل الجهات، ثم إطفائها بمقابل مُرْتفع،  في خطوة متعددة الأهداف والأبعاد، منها وضع اليد على أكبر قدر  من الثروات العربية الموجودة في أرض الجزيرة العربية (ذكرنا سابقًا في أحد أعداد نشرة الإقتصاد السياسي اشتراط أمريكا الحصول على نصف الثروات السعودية مدى الحياة مقابل الحماية، فيما اقترح محمد بن سَلْمان ثلث قيمة الثروة)، وإجبار قطر على تسديد حصة من الأموال (حدّدتها أمريكا) للخزينة الأمريكية مقابل الحماية، وهي عودة إلى أساليب الجباية لدى الدولة العثمانية… على الجبهة الدبلوماسية صدر تصريح عن وزارة الخارجية الأمريكية وَرَدَ فيه  “حققت قطر تقدماً كبيراً في مجال مكافحة تمويل الجماعات الإرهابية، ولا يزال يتعين عمل المزيد” وأَثْنَى متحدث باسم وزارة الحرب الأمريكية على قطر “لاستضافتها قوات أميركية في قاعدة العدِيد المهمة جدا لنا، والتزامها الدائم بالأمن الإقليمي”، وورد في بيان لوزارة الحرب إنّ الوزير “جيم ماتيس” تحدث هاتفياً مع نظيره القطري مساء يوم السادس من حزيران 2017، وصرحت وزيرة القوات الجوية الأميركية أمام لجنة في مجلس الشيوخ الأميركي أنها ليست قلقة بشأن القاعدة الجوية الأميركية ولا يوجد تهديد بنقل القاعدة، وأن العمليات الأميركية مستمرة من دون أي تغيير أو انقطاع” وأشارت إلى  وجود خطط بديلة كما هي الحال دائمًا، تحسُّبًا  لحدوث تطورات… من جهة أخرى، احتد الجدال بين ألمانيا (الحليف الوفي) والولايات المتحدة التي تريد منها مساهمة أكبر في الحلف الأطلسي، مع فرض ضرائب جمركية على السلع الواردة من ألمانيا، وصرح وزير الخارجية الألماني (سيغمار غابرييل) خلال حديث صحفي يوم 06/06/2017  أوردت وكالة رويترز مقتطفات منه، ان ترامب “يستثمر الأزمة” في الخليج إن لم يكن هو من خطط لها مُسبقًا ويمارس الابتزاز، بهدف ترتيب صفقة ملائمة مع الدوحة، و”إن ترامب يؤجج النزاعات في الشرق الأوسط عبر المجازفة بسباق جديد على التسلح بعد مقاطعة قطر”، أم حكومة فرنسا فتتخوف من مصير الإستثمارات القَطَرِية في فرنسا، وتحاول التهدئة، حفاظا على مصالحها مع الإشارة ان لفرنسا قاعدة عسكرية هامة في قطر، وكذلك في السعودية…
كان من نتائج الأزمة هبوط سعر صرف الريال القطري مقابل الدولار بسبب رفض مصارف الخليج التعامل به، لكنّ مصرف قطر المركزي يملك احتياطيات ضخمة من النقد الأجنبي تُمكنه من مواجهة الأزمة شرط أَلاَّ تَطُول، لكن إلغاء رحلات الخطوط القطرية قد يُكَبِّدُها خسائر بملايين الدولارات…

أظْهَرَتْ الخلافات الحالية هشاشة بناء “مجلس التعاون الخليجي” الذي تأسس سنة 1981 (السعودية والإمارات والكويت وقطر والبحرين وعُمَان) الذي فشل في تنسيق سياسته الخارجية وفي اعتماد عملة موحّدة أو إنشاء سوق مشتركة، أو حتى توحيد بعض المقاييس، وتُهَدِّدُ هذه الأزمة بتفجيره، بعد ان كاد يتفجر عدة مرات، وكانت أخطرها التدخّل العسكري السعودي في قطر، في شباط 1996 بدعم من نفس حلفاء اليوم، مصر في عهد حسني مبارك والبحرين التي فقد استقلاليتها منذ أوامر السعودية بحل البرلمان سنة 1974 والإمارات في ظل حكم بن زايد الأب…

أوردنا هذه التفاصيل التي قد تكون مُمِلّة أحيانًا ولكنها تُعْطِينا صورة متكاملة عن موقف معظم  الأطراف الخليجية والأوروبية والأمريكية، ولكن نفس هذه الأخبار تُبَيِّنُ أن ما يجري هو حلقة في سلسلة مشروع “الفَوْضَى الخَلاّقَة” (الهدّامة) وأن لا مصلحة للشعوب العربية وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني، في تطور الخلاف الحالي الذي يدور بهذا الشكل، في غياب بديل تقدمي في الخليج وفي الوطن العربي، لأنه لا يصب سوى في مصلحة الإمبريالية الأمريكية، والكيان الصهيوني، فقد استغلت السعودية فرصة الخلافات لدعم التعاون مع الكيان الصهيوني (بما ان التهمة موجهة إلى قطر بالتعاون مع إيران، وإيران عدو رئيسي للسعودية وللكيان الصهيوني الصديق والحليف) واستضافت قناة تلفزيونية صهيونية في فلسطين المحتلة عبر بث مباشر من السعودية (بلاد “خادم الحَرَمَيْن”)، شخصيات سعودية في عز شهر رمضان، للحديث عن الأزمة مع قطر (وهي قضية عربية وخليجية داخلية) وقضايا عربية أخرى، وشكّلت هذه المقابلة نَصْرًا إعلاميا وسياسيا هامًّا، في نظر وسائل إعلام العدو، وهي على حق في ذلك، لأن المُتحدث السعودي دعا إلى محاربة الفلسطينيين (مُتَذَرِّعًا بعلاقات حماس مع قطر) تحت يافطة “محاربة الإرهاب”، وإلى “بناء الشرق الأوسط الجديد” الذي يشكل الكيان الصهيوني أحد أعمدته، وهو ما يدعو له القادة الصهاينة منذ 1982، وبدأ “بوش الأب ثم الإبن بتنفيذه باحتلال العراق، كما جاءت هذه المقابلة في سياق تعزيز خطوات التطبيع للأنظمة العربية وخصوصًا الخليجية، في ظل هيمنة السعودية على الجامعة العربية، عبر دعم علاقاتها مع الكيان الصهيوني الذي يقتل الفلسطينيين يوميّا في الضفة الغربية وفي الأراضي المحتلة سنة 1948 أيضًا (في “كفر قاسم” يوم الخامس من حزيران 2017)، وتأتي هذه الخصومة والخطوات التطبيعية الجديدة مباشرة بعد زيارة “ترامب” للسعودية (وهي إحدى نتائجها)، والتصعيد العسكري الأمريكي في العراق وسوريا، حيث تعمل الإمبريالية الأمريكية على احتلال الحدود بين سوريا والعراق، وتُحَدِّدُ  أمريكا “خُطُوطًا حُمْرًا” للجيش السوري على أرض سوريا !!!

قد يقودنا الغضب المشروع إلى الإبتهاج لأن العُملاء بصدد إضعاف بعضهم، لكن الحركة التقدمية العربية ضعيفة وغير قادرة على استغلال التناقضات (إن وُجِدَتْ تناقضات جوهرية)، ويمكن طرح الأسئلة التالية قبل اتخاذ موقف حاسم:

 هل يسمح هذا الخلاف للمعارضين الخليجيين (في السعودية بشكل خاص) بالتنفس والخروج من وضع الإختناق؟ هل ستخرج السعودية والإمارات وقطر من فلك التبعية للإمبريالية ومن نهج التطبيع مع الكيان الصهيوني وهل سيضع هذا الخلاف حدًّا لتدخل دويلات الخليج (السعودية كما قطر) في البلدان العربية وتقسيمها على أسس مذهبية وطائفية، تُلْغِي مفهوم الوطن؟ هل ستتحول وجهة أموال ريع النفط من التخريب وشراء السلاح إلى تمويل برامج تنموية لتشغيل العاطلين والقضاء على الفقر والأمية؟

إنها حرب ضِدَّنا كشعوب ومواطنين وتقدميين وكحركة تحرر، حرب تستهدف الشعوب والأوطان والدول (ذات النظام الجمهوري، ولو شكْلاً) وهي حرب امبريالية بأدوات محلية وتمويل محلّي…

نحن بحاجة إلى السّلاح، لكن لتحرير أراضينا المُحْتَلّة من سبتة ومليلة إلى لواء إسكندرونة، مرورًا بفلسطين، ونحن بحاجة إلى المال لكن لبناء اقتصاد وطني أو قومي (عربي) يمكّننا من تحقيق الإكتفاء الذاتي الغذائي أولاً، وإنجاز برامج ومخططات تقضي على الأمية والفقر والأمراض… هذه مطالبنا الأساسية وهي المطالب التي رفعها المتظاهرون ضد الأنظمة الرجعية في تونس ومصر وغيرها، لكن الإمبريالية الأمريكية والأوروبية انقَضّت على الإنتفاضات بِسُرْعَة، وفَوَّضَتْ قطر وتركيا لِحَرْفِ الإنتفاضات عن مسارها عبر الإخوان المسلمين، واتحدت تركيا وقطر والسعودية والإمارات وغيرها ليس في سبيل تحرير فلسطين بل لتخريب وتفتيت ليبيا والعراق واليمن وسوريا وفلسطين

وجب المحافظة على اتجاه البوصلة نحو فلسطين، وتقف السعودية كما قطر عائقًا في وجه الراغبين في توجيه البوصلة نحو فلسطين، لا بل تُشَكِّلُ السعودية كما قطر دِرْعًا أمام الكيان الصهيوني “الصديق”، وتُحاول (السعودية وقطر) توجيهنا نحو أهداف تَضُر بنا، من قبيل سنة ضد شيعة أو عرب مسلمين ضد عرب مسيحيين…

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.