ملحق سايكس-بيكو…ليس مؤهلا للوحدة، محاورات في الاقتصاد السياسي 16، د. عادل سمارة

يفتقر مجلس التعاون الخليجي لعناصر الوحدة ويضجُّ بعناصر التجزئة والقُطرية والكيانية وذلك بقوة سلب العناصر الفاعلة التالية:

 

أولاً:على المستوى الخارجي:

لقد صنَّع الاستعمار الكيانات القطرية العربية ضمن ثلاثة مراحل في القرن العشرين:

كانت المرحلة الأولى عام  (1916) وتلاها تصنيع (بالتخطيط والقرار) الكيان الصهيوني (وعد بلفور1917) وهو تصنيع أبقى بين الطرفين حبلاً سُريَّاً بمعنى المصير المشترك، وإن بدا ظاهرياً أن القطريات العربية التابعة، كانت تناصب الكيان الصهيوني العداء. تُستثنى من ذلك الارتباط التعاقدي أنظمة التوجهات القومية الوحدوية التي حاولت الخروج على سايكس-بيكو. لكن ما حصل هو استمرار أنظمة الارتباط التعاقدي مع الاستعمار والصهيونية وهو ما يتجلى في هرولة انظمة عربية وخاصة الخليجية للاعتراف بالكيان الصهيوني،  وفشل الأنظمة القومية الوحدوية في إنجاز مهمتها بل وتعرضها للتصفية. هذا دون إغفال أن الإمبريالية واصلت تكريس التجزئة عبر الاستهداف الدائم للوطن العربي.

وكانت المرحلة الثانية (مؤتمر قرطاج) في منتصف خمسينات القرن العشرين حيث بادر الاستعمار الفرنسي إلى إعطاء تونس والمغرب استقلالات شكلية جزعاً ووقاية من تأثير الثورة الجزائرية وامتداد تأثيرها إلى البلدين كي لا يتحقق بينها أي شكل من الوحدة. وبالطبع بقيت الصحراء الغربية تحت الاستعمار الإسباني.

وكانت المرحلة الثالثة في ستينات القرن العشرين (باستثناء السعودية التي صُنعت باكرا) حيث تم منح كيانات صغيرة استقلالات شكلانية هي اليوم إلى جانب السعودية  أعضاء في مجلس التعاون الخليجي (قطر، الإمارات، البحرين، الكويت وعُمان).

ثانياً على المستوى الداخلي الذاتي هناك العوامل التجزيئية التالية:

1-    أنظمة الحكم، حيث انتدب الاستعمار  لحكم هذه الكيانات عوائل وشخوص من أوساط وبثقافة وعقليات قبائلية تبرر الاستتباع للخارج وفرض سلطتها في الداخل بسيفها وسيفه وهي حالة مشوهة مكونة من الاستتباع/القمع. فواقع وثقافة القبيلة تحول دون الوحدة مع الأخريات حتى ضمن الدولة الواحدة في تسبيق للقبيلة على الدولة وبالطبع على الوطن حيث تبدأ وتنتهي الهوية بالقبيلة. وعليه،  بقيت القبيلة الوحدة الاجتماعية وتقريبا الاقتصادية المنفصلة عن غيرها منذ ما قبل الإسلام وحتى اليوم أي ان الدولة لم تُذيب القبيلة بغض النظر إن كان السبب فشل الدولة أو استعصاء القبيلة أو، وهذا الأرجح غياب نمط الإنتاج الذي يغير التركيبة المجتمعية الهلامية إلى طبقية بعوامل مادية تصل إلى تغيير في الوعي أي انتقال الفرد من حضن القبيلة بنمط حياتها ومداخيلها ومراتبها الاجتماعية إلى تحوله إما إلى عامل مأجور أو مالك رأسمالي فتتحول العلاقات الاجتماعية إلى طبقية بمستوى أو آخر.

2-    تتشارك مع القبيلة صنوها في التشرنق على قاعدة غير وحدوية بل وحتى على شكل دولة عملية داخل الدولة الشكلانية هي الطائفة. فإذا كانت القبيلة مكونة من مراتبية في مستوى القبيلة، فإن الطائفة تمتد بشكل يستغرق العديد من القبائل ولكن دون أن تفقد ايا منها هرميتها المراتبية و “استقلاليتها” عن القبائل الأخرى مما يجعل من الطائفة مستوى إيديولوجي/ثقافي يتحول إلى حالة متفجرة حالما تتسيَّس اي تنتقل من الطائفة كثقافة ما إلى الطائفية كحراك سياسي ما وهو ما نشهده اليوم من قوى الإرهاب  التي تنضوي تحت يافطة أسميها “انظمة وقوى الدين السياسي” وليس فقط الإسلام السياسي لأن في الأديان الأخرى ظواهر مطابقة كالمحافظين الجدد (الحزب الجمهوري الأمريكي بأغلبه) أو الصهيونية. ولعل الشروط التي تعيق تفكيك القبيلة هي إلى حد كبير نفس شروط تغيير بنية الطائفة ،  ونموذج لبنان واضح هنا بل وصل درجة تقليده في العراق.

3-  تخدم هذه البُنى فئة رجال الدين التي هي مندمجة ومنفصلة عن تلك البنى، فهي مندمجة سياسيا بل متعاقدة مع السلطة السياسية، ومستقلة سياسيا عن القبيلة والطائفية بل لها عليهما تأثير مستمد شكليا من الدين وعمليا من مباركة السلطة السياسية لها، وهي بالطبع خارجة اجتماعيا من بنى القبيلة والطائفة. وهذا ما يؤدي بالطبع إلى تأبيد التجزئة عبر تقاطع أدوار السيد الإمبريالي، والحاكم المحكوم، ورأس القبيلة، وشيخ الطائفة كطائفي، ورجل الدين المرتبط والمتعاقد مع السلطة المحكومة. مفتي النظام.

ولكن، وراء كل هذه البنى السكانية والثقافية  يكمن العامل الحاسم أي العامل المادي .نحن أمام بنية سكانية/مجتمعية التي عاشت معتمدة على  نمط الإنتاج الرعوي وشبه التجاري والذي يحافظ على تماسك القبيلة وانحصارها تقوقعها على ذاتها تحت سلطة شبه حكومية ثم تنتقل بشدة وفجأة  إلى نمط ريعي لا يتطلب العمل المأجور الحقيقي، اي  نمط رأسمالي ريعي يقوم على  سيطرة السلطة على حصتها من الريع بعد أن يأخذ الاستعمار عبر شركاته الحصة الأكبر من الريع وتتصرف هذه السلطة كمالك  أوحد بالثروة وتقوم بممارسة اقتصاد التساقط على المجتمع، بل ربما افضل أن نسميه  السكان أي حالة اقل تبلورا من المجتمع وخاصة بالمعنى الطبقي كوعي لا كوجود مجاني الفاعلية السياسية والحقوقية. وبالطبع، توزع السلطة الريع بتفاوات ودرجات.

هذا المصدر للعيش وشكل التحكم بالثروة وحماية الأجنبي أعفى تلك السلطة من إفساح المجال للحداثة الحقيقية سواء في حرية الفكر والقول وتشكيل الأحزاب والبرلمان…الخ ذلك لأن البلد لم يجتاز مرحلة التحديث الراسمالي بالمعنى الإنتاجي الزراعي والصناعي ودخل مرحلة السيولة المالية المملوكة على اساس راسمالي او ملكية خاصة.

حالة هجينة إذن دمجت فجأة بين نمط ثقافة قبلية، ونمط استهلاك ترفي رأسمالي وتشبيك علاقات مالية معولمة أي الانخراط في شبكة رأس المال المالي المعولم. مدهش حقاً الانتقال من اقتصاد رعوي إلى نموذجه شخبوط بن لخبوط إلى اقتصاد المضاربات المعولمة وصناديق التحوط يمثلها الصهيوني شورش!! هذه الدهشة هي نفسها التي دفعت حمد بن جاسم وزير خارجية قطر السابق للتورط في محاولة رشوة روسيا لتقف ضد سوريا وهو ما كرره  محمد بن سلمان ولي ولي عهد السعودية. هذا الانهبال بالمال يذكرنا بأسطورة حي بن يقظان الذي تمنى ان يتحول كل ما يلمسه ذهبا، وحصل، وكانت نهايته. لا يوضح هذا في فجأته أكثر من دهشة هاجر بقولها لابنها حين تدفق الماء في الصحراء  “زم زم” .

إن جوهر هجانة الحالة، ربما توفر إمكانات مالية تبدو بشكل راسمالي لكنها ثروة وحسب او سيولة مالية لأنها تفتقر إلى المعنى الحقيقي لراس المال (ماركس: راس المال علاقة اجتماعية) وهو إن كان في هذه الحالة رأسمالاً بمعنى علاقة اجتماعية فهي علاقة في الاستهلاك أي ليست علاقة اجتماعية في الإنتاج طالما الدفوقات المالية ليست من شغل في الاقتصاد الحقيقي .

هي سيولة مالية هائلة سواء من حيث الكم الحقيقي رغم ان حصة النهب الشركاتي الأجنبي أعلى ومن حيث ضآلة عدد السكان مقارنة بالثروة، والأخطر أنها توقع وتُقر في وعي الناس ،  معظم الناس بأن كل شيء للسلطة وقناعة السلطة بأن كل المال لمن استخرج النفط. وهذا اقتفاء للمقولة الراسمالية الاستعمارية الغربية :”كيف حصل ان نفطنا وُجد في أرضهم”!

هذه البنية الاستتباعية والتي يتابعها الأجنبي يومياً لن تخرج بعيدا عن الدور الريعي للسلطة/الدولة مجسد اغلبه في الاستهلاك والتجارة والمساهمة في شركات أجنبية حتى لو إنتاجية فهي في الخارج، اي أن عوائده منها ريعية على صعيد معولم كما ذكرنا في نقال سابق عن القيمة الزائدة. كما بوسع بلد تلقي الاستثمار هذا أن تتهم هذا المال بالإرهاب وتحتفظ به.

 وبسبب قرار الإمبريالية وثقافة الريع التجاري لم تتكون قاعدة صناعية إنتاجية بالمعنى التشغيلي الواسع والذي يفك أو يقلل الارتباط القبلي  و /أو الطائفي، فإن تماسك القبيلة والطائفة يبقى على حاله. كما لا يتم خلق سوق خليجي أهلي لمنتجات خليجية وذلك لعدم وجود إنتاج حقيقي خليجي. وغياب السوق المحلي أو انكماشه لا يخلق ضرورة مادية حياتية ضاغطة من أجل وحدة خليجية. وبالطبع فإن ما يغمر السوق الخليجي هي المنتجات الأجنبية المستوردة  بكثافة وترف والتي تُقابل بشره استهلاكي ومن هنا أهمية سوق الخليج ليس للسلاح فقط بل للسلع المدنية كذلك. علماً بأن وحدة السوق المحلية وعدم انكماشها لو توفرت  المنتجات المحلية، هامة للوحدة الجغرافية الديمغرافية الاقتصادية بالطبع.

هنا يقع دور النفط في حرق أي توجه وحدوي، فجميع كيانات الخليج هي كيانات بيع/تسويق/ترويج النفط مما لا يخلق سوقا بينياً لها، فجميعها متخارجة التسويق مما يزيد احتمال تنافسها لا تكاملها.

ولعل هذا المدخل يفسر أسس الصراع بين السعودية وقطر على سبيل المثال، فطالما لا تقوم وحدة وطالما لا يوجد سوق يوحد الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، فإن المنافسة هي الحكم بين هذه الدول/الكيانات التابعة سياسيا ومصيريا والريعية مصدر عيش. توضح هذا المنافسة على حيازة الريع وعلى الأسواق الأجنبية وخاصة فيما يخص غاز قطر.

ليس هدفنا التوسع خارج التشخيص الاجتماعي الثقافي الاقتصادي لأن الهدف من هذه العجالة هو تفسير عدم نزوع هذه الكيانات للوحدة على فرض أن لها حق اختيار الوحدة أم لا،  أو لو كان قرارها غير مشروط من الخارج.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.