الذكرى المِائَوِيّة لثورة اكتوبر الإشتراكية 1917-2017 ، الطاهر المعز

مَدْخَل لإطلاق حوار من أجل بناء قوى اشتراكية في الوطن العربي

 

تحل هذا العام ذكرى مرور قرن على ثورة اكتوبر، أحد أهم أحداث القرن العشرين، وربما أكثر من ذلك، وبالنسبة لنا كَعَرب تُصادف هذه السنة أيْضًا مرور قرن على “وعد بلفور”، وقرن على نشر الثورة الإشتراكية في روسيا وثائق وتفاصيل اتفاقية “سايكس-بيكو”…

توفِّرُ هذه الذكرى مناسبة لتَحْيِينِ وتَحْدِيثِ بعض مفاهيمنا وممارساتنا وتجاربنا، بهدف تَقْوِيم أدائنا وتطوير مشاريعنا وبرامجنا، كاشتراكيين عرب، بالإستفادة من تجارب الإنسانية، في ظل حقبة “العَوْلَمَة” وهيمنة القُطب الواحد وتفتيت البلدان العربية إلى أجزاء تَفُوق بكثير ما خَططته الإمبرياليتان البريطانية والفرنسية في القرن العشرين…

تُعْتَبَرُ هذه المُساهمة مُحاولةً لإطلاق النقاش، وتكتفي هذه المحاولة بطرح نقاط بسيطة أو بعض ألأسْئلة، ومن المُفِيد الإجابة عنها (وغيرها من الأسئلة) بصورة جماعية، بهدف الحوار وإثراء النقاش داخل القوى (والأفراد) المؤمنة بان “الإشتراكية هي الحل” لمسائل الإنتاج والتوزيع وتلبية حاجيات البشر المادية والثقافية، وحل مسائل الحرب والسلم وغيرها من القضايا المطروحة على الإنسانية منذ قُرُون… أما الغاية فهي تحسين أدائنا بهدف بلوغ تحقيق الإشتراكية

موقع ثورة اكتوبر في تاريخ الإنسانية:

سجّل التاريخ الإنساني -خلال كافة العصور- ثورات على الظّلْمِ والإضطهاد والقهر والإستغلال، ومن أشهر ثورات المقهورين زمن العبودية ما عُرِفَ ب”ثورة سْبَارْتَاكوس”، وفي التاريخ العربي، بلَغَتْنا مَقولات “أبو ذر الغفاري” الذي نَفَاه “عثمان بن عفّان” الخليفة والصحابي وصهر الرسول والثري، بذريعة ان أبا ذر “لا يعرف من القرآن سوى آيات الإنذار لمن يكنزون الذهب والفضة” (مع الإعتذار للقائل، الشاعر الذي لم يَحْضرْني اسمه)، وثورة الزنج في جنوب العراق وثورة “القرامطة”، ويحفَلُ تاريخ جميع الشعوب بالإنتفاضات والثورات… غير ان فكرة الإشتراكية جاءت بمثابة بديل للرأسمالية، خلال إحدى مراحل تَطَوُّرِها، أي في مرحلة مُعَيَّنَة من تطور نمط الإنتاج، وقد طرح “كارل ماركس” و”فريدريك إنغلس” فكرة ان الصراع الطبقي هو مُحَرِّك التاريخ، ومن خلال ذلك طَرَحا بَديلاً للرأسمالية في الكُتَيِّب-البرنامج الذي أصبح اسمه “البيان الشيوعي”، ولم يكن إعداد البيان (سنة 1847، ونُشِرَ سنة 1848) تَرَفًا فكريا بل كورقة للدرس في مؤتمر عالمي بهدف تأسيس منظمة عالمية تُدافع على مصالح الطبقة العاملة وتعمل على إنجاز الثورة الإشتراكية ضد النظام الرّأسمالي، وانعقد المؤتمر الأول بعد حوالي 15 سنة، وفي الأثناء طَوّرَ “كارل ماركس” دراساته للرأسمالية، وشرح بإسهاب قانون “فائض القيمة” والأرباح “الزائدة” التي يُحَقِّقُها رأس المال من استغلال جهد العُمّال…

تعدّدَتْ نضالات الطبقة العاملة في البلدان الرأسمالية (قبل تأسيس الأُمَمِية) من أجل خفض وتيرة الإستغلال وخفض عدد ساعات العمل وزيادة الرواتب، ثم تأسست “جمعيات” (نقابات) للدفاع عن هذه المطالب بصورة جماعية، لكن هذف “الأممية الإشتراكية” كان أبْعد من “الإصلاحات”، أي تغيير النظام وإرساء نظام بديل على صعيد عالمي حيث يكون العامل أو المُنْتِج هو صاحب القرار…

بعد الهيمنة على السوق الداخلية اتجهت الرأسمالية نحو غزو الأسواق الخارجية للسيطرة على مصادر المواد الأولية ولتصريف فائض الإنتاج، وهو ما أسماه ماركس وإنغلس بالعولمة في بداية “البيان الشيوعي” وما حَلَّلَهُ “لينين” في “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية”، وكانت مسألة الإمبريالية ومساندة جزء من مكونات الأممية الإشتراكية للبرجوازية في غزوها للبلدان الأخرى وفي حروبها العدوانية (الحرب العالمية الأولى) واستعمار شعوب أخرى، من أسباب الإنقسام وتأسيس الأممية الثالثة خلال الحرب العالمية الأولى، التي دعا قادتها (ومنهم “لينين”) إلى السلام بين الشعوب ونبذ الحروب العدوانية واستغلال الحرب للثورة على النظام القائم واستمالة الجنود (أبناء العمال والفلاحين) إلى صفوف الثورة، وهو ما أنجزه الحزب الإشتراكي الديمقراطي الروسي (الحزب الشيوعي السوفييتي لاَحِقًا)، في ثورة 1917 التي بدأت في شباط/فبراير واكتمل إنجازها في تشرين الأول/اكتوبر 1917…

الإشتراكية، من النظرية إلى التطبيق:

حاصرت جيوش الدول الرأسمالية من أوروبا وحتى “استراليا” الثورة من سنة 1918 إلى سنة 1922، ما أدى إلى مجاعات وحرب أهلية وصعوبات جَمّة، أَثَّرَت في مسيرة الإتحاد السوفييتي، ثم جاءت الحرب العالمية الثانية التي أضرت كثيرًا بالبنية التحتية والزراعة والصناعة الناشئة، إضافة إلى قتل عشرين مليون سوفييتي في عمر الشباب والقوة والإنتاج، وما تلاها من “سباق تَسَلّح” وإجْهاد

بعد انتصار الثورة أصبحت مجالس العمال والفلاحين المُنْتَخَبَة ديمقراطيا هي صاحبة القرار والإشراف على التنفيذ، لكن من يملك النفوذ الإقتصادي يمكنه شراء النفوذ السياسي (والعكس ليس صحيحًا) وبقي النفوذ الإقتصادي بين أيدي الأثرياء، ما خلق صعوبات وانتكاسات، خاصة في المناطق الريفية وبعض المناطق النائية… يُذْكر ان النظام التقدمي في أفغانستان (بعد الإطاحة بالملكية وإقامة النظام الجمهوري سنة 1974) فتح أبواب المدارس للبنات ومحو الأمية للكبار من نساء ورجال وأمم الأراضي الزراعية ووزعها على الفلاحين الفُقَراء، لكن نفوذ الملاكين العقاريين بقي قويا، فضغطوا على سكان الأرياف لإخراج بناتهم من المدارس وإعادة الأرض للإقطاعيين وقتل المُدَرِّسين الذي ينْجِزون برنامج محو الأمية، أو العاملين في مجال الرعاية الصحية… يبقى السؤال مطروحًا لاستنباط وسائل الربط والتناغم بين الإنتاج المادي والإنتاج الفكري (البُنْيَة التحتية والبينة الفوقية)، وكذلك لتحصين المجتمع والفقراء والعُمّال والمُنْتِجين والشباب المُتَعَلِّم من اختراق الإمبريالية (حاليا بواسطة المنظمات غير الحكومية والمراكز الثقافية الأجنبية والمِنح الدراسية…) ومن استغلال البرجوازية للجهل المُتَفَشِّي والعادات البائدة وللإحتياج (وهو ما تمارسه قوى الدّين السياسي على سبيل “الإحسان” أو الصّدقة…)

الإشتراكية في القرن الواحد والعشرين:

تَبَنّى الإتحاد السوفييتي الإشتراكية بعد سنة 1917 ثم انتصر الحزب الشيوعي الصيني وأصبحت الصين ثاني دولة تتبنى الإشتراكية بداية من 1949، بالتوازي مع بلدان أوروبا الشرقية، إلى أن انهار الإتحاد السوفييتي ومعه أنظمة أوروبا الوسطى والشرقية، أما الصين فإن طموحها أصبح ينحصر في احتلال مكانة الإمبريالية الأمريكية، لكن القرن الواحد والعشرين شهد ميلاد حركات وقوى وصل بعضها إلى سدة الحكم في أمريكا الوسطى والجنوبية وأعلنت أنها تُطَبِّق “اشتراكية القرن الواحد والعشرين”… يبقى تقييم إجمالي التجارب التي ادّعت الإشتراكية مطروحًا، مع العمل في نفس الوقت على مواكبة التطورات المتسارعة للرأسمالية التي زادت من سطوتها ومن غطرستها بعد انهيار الإتحاد السوفييتي، والعودة إلى أساليب الإستعمار القديم بالتدخل العسكري المباشر وعدم الإكتفاء بالهيمنة الإقتصادية عبر الشركات متعددة الجنسية، ووجب التفكير في أساليب مواجهة هذا الوضع للحد من تمدده، قبل المرور إلى مرحلة الهجوم المعاكس بهدف القضاء على الإستغلال والهيمنة والحروب التي تُشْعِلُها الإمبريالية…

ذكرنا في مقالات سابقة أن تجارب “اليسار” في أمريكا الجنوبية لم تتجاوز مرحلة النيوكلاسيكية (نظريات “جون مينارد كينس”) ومحاولات إصلاح النظام الراسمالي من داخله، ويصعب إدراجها (في مرحلتها الحالية) في باب “الإشتراكية”، أما الأنظمة والأحزاب التي لا تزال تدعي انها اشتراكية بل حتى شيوعية (الصين وفيتنام ولاوس) فإن تفنيد “اشتراكيتها” بسيط ولا يحتاج جهدًا كبيرًا

من الإنتفاضة إلى الثورة:

أنجزت شعوب الوطن العربي عَددًا من الإنتفاضات الجماهيرية خلال العقود الأربعة الماضية (إضافة إلى الإنتفاضة الفلسطينية سنة 1987) في المغرب وتونس ومصر والأردن والسودان، ضد غلاء الأسعار وإلغاء (أو خفض) دعم المواد الأساسية، وأهمها انتفاضات تونس ومصر التي أدت إلى تغيير رأس النظام، لكن لا يؤول الحكم إلى المنتفضين بل للمُسْتَغِلِّين والمُضْطَهِدِين، بعد تضحيات جسيمة يتحملها الفُقراء، لأن الإنتفاضات بطبيعتها عفوية ولم تكن تحمل رُؤيا بديلة ولم تكن مُؤَطّرة جماعيا، ولم تطرح سؤال “ما البديل”، إذ وجب أن يكون الحراك جماعيا ومنظما لكي يطرح بديلا…

سبقت الإنتفاضات الأخيرة عمليات تخريبية للوعي التقدمي بشكل عام، منها مساندة أحزاب تَدّعِي الشيوعية لاحتلال العراق، أو تحالف أحزاب “شيوعية” مع الإخوان المسلمين سنة 2005 “بذريعة مقاومة الدكتاتورية” (تونس ومصر وسوريا…)، وأخيرًا المطالبة بتدخل الإمبريالية “لفرض الديمقراطية” وباحتلال سوريا، بدعم امبريالي وخليجي وتركي (اكتملت الدائرة)…

إن الإنتفاضات (ضد إجراءات صندوق النقد الدولي أو من أجل الحرية) بطبيعتها عَفْوِية، وهي جزء من سلسلة نضالات أخرى أقل حِدّة أو أقل اتساعًا، وفاجأت القوى التقدمية ولم توجد قوى اشتراكية أو حتى تقدمية داخلها (كقوة منظمة وليس كأفراد من هذه القوى) لتتمكن من تنظيم ما هو عفوي وتحويل الغضب ضد ممارسات الحكم إلى ثورة ضد النظام، بهدف إرساء نظام اشتراكي أو يطمح إلى بناء الإشتراكية (هذا نقاش آخر أكثر تشعُّبًا)… والسؤوال المطروح اليوم:

هل استخلصنا الدروس من الإنتفاضات التي أدت إلى حكم الإخوان المسلمين والكمبرادور؟

ما العمل؟

لا أملك القُدرة للإجابة على هذا السؤال ولكني سأطرح أسئلة أخرى، نحن مطالبون بدراستها بشكل جماعي، وقد تؤدي الإجابة عليها إلى بداية اتضاح الرُّؤْية.

كانت مطالب المظاهرات في معظم البلدان العربية من المغرب (حركة 20 فبراير) إلى الأردن، مرورًا بباقي البلدان العربية تتلخص في الشغل (مطلب اقتصادي) والحرية (مطلب ديمقراطي) والكرامة (مَعْنَوِي)، ومن واجبنا التساؤل حول كيفية تحقيق هذه المطالب

كيف يمكن تحقيق المطالب العاجلة، وكيف يتم تمويلها وما هي الخطوات التي تعتزم القوى الإشتراكية البدء بها كحلقات من تغيير النظام، وما هي المشاريع الإقتصادية المُمْكِنة لتشغيل العاطلين ولتفكيك علاقات التبعية، وما هي الإجراءات الممكنة في حالة الحصار الخارجي، وكيف يمكن ضمان التعبئة الجماهيرية في وجه العدو الداخلي والخارجي…

كيف يمكن تحقيق الإستقلال الإقتصادي في ظل العولمة وترابط اقتصاد الدول وارتباط اقتصاد البلدان العربية بالمصالح الخارجية، عبر اتفاقيات (علاقات شراكة مثلا) أو عبر منظمة التجارة العالمية، وكيف يمكن تحويل اقتصاد مبني على تصدير المواد الأولية والإنتاج الخام إلى اقتصاد مبني على تلبية حاجيات المواطنين وتصدير إنتاج ذو قيمة مضافة مرتفعة، وذلك في فترة زمنية معقولة، وقبل ذلك أو في انتظار تحقيق ذلك وجب توفير حاجيات المواطنين…

هذه بعض الأسئلة التي قد تُشَكِّلُ مَدْخَلاً لنقاش يهدف أولا لتحقيق “الهيمنة الثقافية” (بتعبير غرامشي) ولا يهمل القضايا المادية المتعلقة بالحياة اليومية ومطالب العمال والفقراء، من خلال “حرب المواقع”، أي نضال يومي من أجل قضم جزء ولو صغير من حكم الطبقات المُهَيْمِنَة، كل يوم، ونُذَكِّرُ أن كارل ماركس كان يكتشف نظريات ويؤلف كُتُبًا صعبة الهضم، لكنه كان رجُلاً عَمَلِيًّا ومن داعمي إضرابات واحتجاجات العُمّال ومن أعمدة تأسيس الأممية الإشتراكية الأولى، وكان لينين أيضًا مُنَظِّرًا ومُحَرِّضًا في نفس الوقت وقائدًا سياسيا…

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.