من يَرْدَعُ أمريكا؟ الطاهر المعز

تمكَّنَ محقِّقُون في جرائم الحرب تابعون للأمم المتحدة من توثيق ما لا يقل عن 300 جريمة قتل ارتكبتها قوات الولايات المتحدة (باسم التحالف الدولي) عبر القصف الجوي (ناهيك عن الجرائم الاخرى) للسكان المدنيين في مدينة الرّقة السورية، خلال شهر آذار/مارس 2017 بذريعة “مكافحة الإرهاب”، وفي تقرير آخر عبرت منظمة “هيومن رايتس ووتش”، وهي منظمة أمريكية مُصَنّفَة “غير حكومية” ولكنها تتلَقّى تمويلا من وزارة الخارجية الأمريكية، عن “القلق من استخدام التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لأسلحة الفسفور الأبيض الحارقة في مناطق مأهولة بالسّكان في العراق وسوريا، ما يُعَرِّضُ  المدنيين للخطر”، مع الإشارة أن الفسفور الأبيض يسبب حروقا شديدة كثيرا ما تفضي إلى الوفاة، ونُشِرَ هذا التقرير بعد توارد أخبار عديد وموثقة من مصادر مختلفة عن هذه الجرائم، مع الإشارة ان الإمبريالية تعتمد على قوات برية من تنظيمات كُرْدِيّة تحت يافطة “قوات سوريا الديمقراطية” وتُغَطّي طائراتها الحربية العمليات البَرِّية، بهدف منع الجيش السوري من السيطرة على المناطق الواقعة على الحدود بين سوريا والعراق، وسبق ان استخدمت قواة الإحتلال الأمريكي في العراق والإحتلال الصهيوني في غزة قنابل الفوسفور الأبيض الذي تُؤَدِّي شضاياه “لتفاقم الجروح حتى بعد العلاج ويمكن أن تدخل في مجرى الدم وتسبب فشلا في وظائف عدد من الأعضاء ويمكن أن تتدهور الجروح المضمدة بالفعل عندما تتم إزالة الضمادات وتتعرض (الجروح) للأكسجين”، وفق تقرير الأمم المتحدة، وأَكّدت بعض القوى الموالية لأمريكا والتي تُحارب الجيش السوري “إن الغارات الجوية الأمريكية أسفرت عن مقتل عدد كبير من المدنيين”، ليس في سوريا وحدها وإنما في العراق أيضًا… بقيت هذه الأخبار مَكْتُومة ولم توردها الصحف “الغربية” في صفحاتها الأولى، كما تفعل عادة عند اتهام خصوم أمريكا بارتكاب جرائم (مُخْتَلَقَة أحيَانًا، ومبالغ في ضخامتها دائمًا) وبانتهاك “حقوق الإنسان”… من جهة أخرى، وسَّعَ الجيش الأمريكي المساحة التي يحتلها في سوريا، وعزز المنظومة الحربية (وأسلحة أمريكا كلها هجومية) في هذه المناطق المُحْتَلّة، ونقلت شاحنات عسكرية أمريكية قادمة من الأردن منظومة راجمات صواريخ جديدة بعيدة المدى إلى قاعدة أمريكية في مدينة “التنف” جنوب سوريا على الحدود مع العراق والأردن، وهي منظومة “هيمارس”،المتطورة وسريعة الحركة، بينما كثَّفَ الجيش الأمريكي قصف الجيش السوري وحلفائه والمدنيين السوريين والعراقيين على حد السواء، في المناطق الحدودية، لأن جيش الإحتلال الأمريكي يُحاول منع الجيش السوري من تحرير أراضيه التي يحتلها تنظيم “داعش” (أو يحتلها غير “داعش” فلا فرق في ذلك)، بل بلغت الوقاحة بوزير الحرب الأمريكي حد القول “إن الجيش الأمريكي في حالة دفاع عن النفس” على بعد آلاف الكيلومترات من الحدود الأمريكية، وضد إرادة حكومة وشعب البلاد، وكان الجيش الأمريكي قد نشر نفس هذه المنظومة الحربية (هيمارس) في شمال سوريا، حيث ساعد مليشيات الأكراد على احتلالها، بتغطية جوية أمريكية، ولكن تقدم الجيش السوري المدعوم من روسيا (أحيانًا) ومن إيران وحزب الله اضطر الجيش الامريكي إلى زيادة عدد أفراد المخابرات و”القوات الخاصة” والقوات البرية في شمال شرق وجنوب شرق سوريا، وأعلنت بعض المنظمات المُعادية للنظام في سوريا ان أمريكا سلمتها مُؤَخّرًا مزيدا من الأسلحة المتطورة ودربت عناصرها على استخدامها، فيما نفذت الطائرات الحربية الأمريكية خلال  أسابيع قليلة أكثر من 100 غارة قصفت خلالها “قوات موالية للحكومة لمنع تقدمها” فيما وصفته واشنطن بأنه دفاع عن النفس، ثم أقامت القوات الأمريكية قاعدة جديدة في “الزكف” على مسافة تتراوح بين 60 و 70 كيلومترا عن “التنف” باتجاه الشمال الشرقي، وتقوم القوات الخاصة الأمريكية “بدوريات على مسافات تصل إلى مئة كيلومتر من التنف”، في خطوات استفزازية “لقوات موالية للحكومة” تتمركز في مواقع شمالي “التنف”، بحسب مصادر من “فصيل مغاوير الثورة” الذي أنْشَأته أمريكا مباشرة، بهدف منع الجيش السوري من مواصلة تقدمه نحو الحدود السورية العراقية على الطريق السريع الرابط بين بغداد ودمشق وساعد الجيش الأمريكي هذه المليشيات للسيطرة على هذه الطريق التي تساعد على التقدم نحو مدينة “دير الزور” الإستراتيجية، حيث تحاصر المجموعات الإرهابية جنودًا سوريين داخلها منذ سنوات…

وردت جميع هذه الأخبار في بيانات أمريكية أو موالية لأمريكا أو من مصادر لا يمكن وصفها بالمناهضة لأمريكا مثل الأمم المتحدة أو وكالة “رويترز”، وهي تستوجب طرح تساؤلات مشروعة، منها:

من خَوّل لأمريكا احتلال أراضي الغير وتهديد السكان المحليين، بل قَتْلُهم في بلادهم وفي منازلهم وشوارعهم، بذريعة “الدفاع عن النفس”؟

ما الفرق بين احتلال “داعش” (وهي صنيعة أمريكية) لمدينة أو منطقة عربية، واحتلال قوات أمريكية أو مُوالية لها؟

إن كل احتلال يستوجب المقاومة لطرد المُحْتل وهذا ينطبق على الكيان الصهيوني كما على أمريكا وحلفائها، لأن الشعب الواقع تحت الإحتلال في حالة دفاع عن النفس أما المُحْتل فهو مُعْتَدِي ومن الواجب ردعه وطرده، مهما كانت الوسائل

هذا إدْرَاكِي لما يحصل، وبكل بساطة: الجيش الأمريكي وتوابعه، وداعش وأمثالها، يُمثلون قوات احتلال، والجيش السوري يدافع عن أراضيه، وَوَجَبَ رَدْعُ أمريكا، لسبب بسيط أيضًا، فهي قوة امبريالية، والإمبريالية بطبيعتها هجومية وعدوانية، ولا توجد قوة احتلال تبني قواعد لتتخلى عنها بعد مدة قصيرة، بل لتبقى أطول مدة ممكنة، إذا لم يتم طردها بالقوة، وسبق أن أعلن أحد جنرالات أمريكا ووزير حربها السابق “إن الحرب ضد داعش ستتواصل لفترة ثلاثة عقود”

إن الحرب ضد سوريا والعراق جزء من مخطط أمريكي، بدأ سنة 1991 بالتزامن مع انهيار القوة التي كانت تنافسها (الإتحاد السوفييتي)، وتمت تجربته (بنجاح) في يوغسلافيا، وبدأ تنفيذ المرحلة الموالية منه باحتلال العراق سنة 2003، وبدل خفض الإنفاق العسكري، بعد انهيار المنافس السوفييتي، زادت أمريكا من الإنفاق العسكري والتسلح وتوسيع الحلف الأطلسي، وأصبحت أمريكا أكبر خَطَرٍ يُهَدِّدُ العالم، لأن هيمنتها متعددة الجوانب: عسكرية ومالية (بواسطة الدولار) واقتصادية (بواسطة البنك العالمي وصندوق النقد الدولي) وسياسية (بواسطة الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية والمراكز “الثقافية”) وإيديولوجية بواسطة “هوليود” و”سي ان ان” وديزني وماكدونالدز وغيرها…

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.