تونس- استخدام “الفنون” جسرًا للتطبيع: (1) مقدمة للطاهر المعز(2) ل”غسان بن خليفة” (3) و”شكري لطيف”

نشر موقع “نواة” في تونس (nawaat.org) “رسالة مفتوحة من الحملة التونسية للمقاطعة ومناهضة التطبيع مع الكيان الصهيوني إلى السيدين وزير الشؤون الثقافية ومدير مهرجان قرطاج، احتجاجًا ورفضًا لدعوة المُهَرِّج الصهيوني “ميشال بوجناح” (تونسيًّ المولد) تجدونه على الرابط التالي:

http://nawaat.org/portail/2017/06/26/%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D9%85%D9%81%D8%AA%D9%88%D8%AD%D8%A9-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%88%D8%B2%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%AF%D9%8A%D8%B1-%D9%85%D9%87/

أثار نشر هذه الرسالة موجة من النقاش والجدل، وأعلنت السيدة “رجاء بن سلامة”، إحدى المُثَقّفَات “الحداثيات” (وهي من داعِمِي الرّئيس الشيخ الباجي قائد السبسي، وهو بدوره كان وزيرًا للداخلية في عهد بورقيبة طيلة أربعة عشر سنة وكان لرئيسًا للبرلمان غير المنتخب خلال حكم بن علي):

“ميشال بوجناح تونسيّ، ويدافع عن تونس في فرنسا كأحسن من يدافع. طبعا هو يهودي. وماذا تريدون من يهودي؟ أن يعتنق الإسلام؟ أن يشتم إسرائيل ضرورة؟
هو تونسي، وتونس تتّسع للجميع. والمطالبة بإلغاء عرضه هي من باب محاكم التّفتيش الجديدة. اهتمّوا بالبناء والاقتراح الإيجابيّ، فذلك أفضل” (قد يكون الإقتراح “الإيجابي” فتح سفارة صهيونية في تونس)

وهي ليست الوحيدة التي أدْلَتْ بمثل هذه التصريحات، بل انطلقت أَلْسُنُ بعض من بالغوا في “الإنفتاح” والدفاع عن “التَّعَدُّدِيّة”، ومعظمهم (وليسو كلهم) كانوا من داعمي نظام الحكم الدكتاتوري في تونس وغيرها، ومُعْظَمُهُم مُتَمَوِّلُون ومتمولات من منظمات أو مراكز بحث أو جامعات أجنبية (أوروبية أو أمريكية)، وهل من باب الصدفة أن يُجاهر هؤلاء بالدفاع عن الصهاينة وعن المُتَنَفِّذِين (مهما تنوعت الذّرائع)، ويغيبون عن ساحات الدفاع عن فقراء سيدي بوزيد والكاف وتطاوين، ولا نعتقد انهم سيكونون في الصفوف الأمامية (ولا الخلفية) للدفاع عن الوطن، فعندما يشعرون بأي يضيق يقصدون سفارات بلدان الإتحاد الأوروبي أو كندا ليحصلوا على تأشيرات طويلة المدى، ولا يبقى في الوطن غير كاحيه وفقرائه، وعندما يشعر هؤلاء “المُثَقَّفُون الحداثيون” بزوال الخطر يعودون بسيارات فاخرة وبشهادات جامعية إضافية وربما يؤسسون أحزابًا تُشارك في الحكم…

ننشر فيما يلي مقالتين -بشأن هذا الجدل- لرمزيْن من المدافعين عن حقوق الشعوب ومن مناهضي التطبيع:

الأولى للصحافي “غسان بن خليفة” الذي يكتب باستمرار في موقع “نواة”

والثانية ل”شكري لطيف” وسبق أن نشرت له “كنعان” عددًا من المقالات.

  • ● ●

 غَسّان بن خليفة

حملة شعواء يشنّها الصهاينة وأتباعهم من الحَدَثُوت (“الحداثيين”) على موقع Nawaat و الحملة التونسية لمقاطعة ومناهضة التطبيع مع الكيان الصهيوني اثر نشرنا الرسالة المفتوحة إلى وزير الثقافة ومدير مهرجان قرطاج ورفضنا لبرمجة عرض للصهيوني ميشال بوجناح.

الصهاينة الذين نجحوا في الفترة الماضية في الغاء عرض للكوميدي الفرنسي ديودوني في تونس بدعوى أنّه معادٍ للسامية (ووقتها لم نسمع احتجاجات الليبراليين السطحيين الذين كسروا رؤوسنا بدفاعهم المزعوم عن “حرية الفنّ والاختيار” والخ. في قضية فيلم “المرأة الأعجوبة”)، يريدون على مايبدو الثأر لأنفسهم اثر الغاء عرض الفيلم وفرض التطبيع مع بوجناح الصهيوني العتيد. علمًا وأنّ الأخير لم يصعد للركح في تونس منذ سنوات عديدة وسبق أن نجح أنصار مناهضة التطبيع في الغاء عرض له سنة 2009.

حجّتهم المتهافتة الوحيدة أنّه “يهودي تونسي” وأنّه “يحبّ تونس”. وهنا يكشف هؤلاء الحمقى مدى عنصريّتهم حتى تجاه التونسيين. إذ أنّهم يقولون ضمنيًا أنّ ميشال بوجناح مواطن تونسي من الدرجة الأولى (بغضّ النظر عن أنّه لا يعرف تونس الاّ سائحًا أو مطبّلا لحكّامها، منذ غادرها مع عائلته في الستينات). فيما يُعدّ الشهيد محمّد الزواري، وبقية شهداء غارة حمام الشطّ ورجال الأمن الذين استشهدوا في عملية اغتيال أبو جهاد والخ. مواطنين تونسيين من الدرجة الثانية. أفلا تشفع دماء هؤلاء، فضلا عن جنسّيتهم التونسية، كي نطالب بمحاسبة من قتلهم. وحتى ان عجزنا عن المحاسبة (أصلا هذه السلطة لا تفكّر البتّة في ذلك، فهي متواطئة مع الصهاينة)، أليس من حقّهم علينا أن نطالب على الأقلّ بعدم استقبال الصهاينة ومن يدافعون ويروّجون للدولة العنصرية الفاشية التي قتلتهم؟! هذا طبعًا إن حاولنا مساءلة إحدى حججهم الواهية الزاعمة بأنّهم “لا يدافعون الاّ عن تونس والتونسيين”. وهي طبعًا حجّة انعزاليّة ورجعيّة نرفضها ونعلم أنّها لا تمثّل سوى أقلّية منبتّة من أبناء شعبنا، الذي طالما عبّر عن تعلّقه بفلسطين وتشبّثه بانتمائه لمحيطه المغاربي والعربي.

وفي الحقيقة ينبع دفاع هؤلاء الحمقى من مركبّ من العُقد النفسيّة و”الحضارية”، التي لا تلزمنا. إذ يجمع بين عقدة ذنب غير مبرّرة تجاه “التونسيين اليهود” (الذين اختار العديد منهم الهرب من تونس إثر بعض الاعتداءات المدانة التي عقبت حرب 67 ولكن أساسًا بفعل الدعاية الصهيونية وتواطئ نظام بورقيبة)، وعقدة نقص تلقيدية تجاه “الرجل الغربي الأبيض المتحضّر”، الذي لا يجانب الصواب (وهو في الغالب مناصر لـ”اسرائيل”)، وكذلك عقدة تفوّق عنصريّة ولا أساس واقعي لها تجاه باقي الشعوب العربيّة (ويحاول بعضهم تلطيفها بخطابه الانعزالي: “نحن لا تهمّنا فلسطين، بل فقط تونس”).

ختامًا، يبدو من الواضح (أنظروا فقط تعليقاتهم المحمومة على البيان في صفحة موقع نواة) أنّ الصهاينة وأذنابهم في تونس مستنفرون للدفاع عن ميشال بوجناح، أحد أهمّ رموز التطبيع والتصهين لديهم. ولذلك، فإنّه من واجبنا جميعًا، نحن أنصار فلسطين ومقاومة الشعوب وحرّيتها أن نتجنّد بدورنا لكسب هذه المعركة وفرض الغاء هذا العرض (وان اضطرّ الأمر افساده). فهي ستكون جولة حاسمة في الصراع ضدّ أنصار التطبيع والصهيونية في هذه البلاد. ولنحافظ على مطلبنا الأساسي: سنّ قانون لتجريم كافّة أشكال التطبيع مع الصهاينة وكيانهم الاستعماري.

بالمناسبة (ولبعض المتردّدين أو الليبراليين الذين بلعوا ألسنتهم) سيقدمّ الصهيوني بوجناح مساء اليوم عرضه في احدى قاعات مدينة تلّ أبيب بفلسطين المحتلّة. وهذا وحده – ان قصرنا النظر على كونه تونسي كما يحاجج البعض – يُعدّ جريمة تطبيع لا يمكن السكوت عنها. فما بالك بشخص يدافع صباح مساء عن “اسرائيل” ويقول عن نفسه أنّه “صهيوني”؟!

رجاء بن سلامة تونسيّة، وهي أيضا تُعتبر “مثّقفة حداثيّة” للأسف. ماذا تريدون من “مثقّفة” سطحيّة لا يهمّها سوى “الحريات الفردية”؟ أن تدافع عن فلسطين؟ أن تتصدّى للصهاينة؟ ماذا تتوقّعون من ليبرالية اعتادت القاء الدروس الفوقيّة على شعبها ولا يهمّها ما تعنيه له فلسطين ولا دماء الشهيد محمّد الزواري وغيره؟

الرجل يقول “بالفمّ والملا” أنّه صهيوني، وأنت تقولين لنا “طبعا هو يهودي”. أي أنّك تقولين ضمنيًا أنّ اليهود هم صهاينة بالضرورة. يعني تتنبّين بدورك خطابًا معاديًا للسامية.
اهتمّي بمزيد البحث في “بنيان الفحولة” وفي كيفيّة مزيد دعم الباجي قائد السبسي، فذلك أفضل.

#لا_للصهاينة_في_مهرجانات_تونس

#لا_تطبيع_مع_الصهيونية_مهما_كانت_الجنسيّة

#ميشال_بوجناح_مكانه_في_السجن_لا_في_قرطاج

  • ● ●

التطبيع مع العدو الصهيوني في تونس ، المُقاومون/ المُطبّعون : من يُحاكم من ؟

شكري لطيف

ميشال بوجناح يهودي من مواليد تونس . طيّب .و لكن …..ليست المشكلة في كونه يهوديا.
فالدين اليهودي احد المكونات الثقافية التاريخية في تونس قبل انتشار المسيحية و الاسلام فيها ، ثمّ بعد استقرار آلاف اليهود المطرودين مع المسلمين من الاندلس في القرن 16.
كما أن الانحدار من وسط يهودي لم يمنع مناضلين كبار على غرار المناضل الشيوعي التونسي جورج عدّة من تصدّر المساندة المتماسكة لحقّ الشعب الفلسطيني في الحرية و الاستقلال على كامل أرضه دون نقصان ، و في المعاداة التي لا هوادة فيها للصهيونية و للمشروع الصهيوني الاستعماري العنصري في فلسطين.

كون ميشال بوجناح “دافع عن تونس كاحسن ما يكون الدفاع “…فذلك فيه شكّ كبير و قول أكيد و توضيح ضروري .فما نعرفه هو ان ميشال بوجناح كان من اشدّ المدافعين عن بن علي و نظامه الدكتاتوري الدموي العميل ….و لا نظنّ ان بن علي هو تونس و ان الدفاع عنه هو دفاع عن تونس .
و اليوم يواصل بوجناح نفس التمشّي …فهو يدافع عن ورثة و امتداد بن علي في الحكم …و اقامة مطابقة بين هؤلاء و بين تونس و شعبها مجلبة للضحك .

“هل المطلوب من بوجناح أن بعتنق الاسلام ؟ “…
طبعا لا .
فمن حق أي انسان يرتبط معنا بالانتماء الى تونس او الى أي شعب من شعوب الانسانية جمعاء أن يعتنق الديانة و العقيدة التي يرتضيها لنفسه ، او أن يرفض اعتناق بعضها أو كلها.

هل انه على بوجناح ان يشتم “اسرائيل ضرورة” ؟
القضية ليست قضية شتم و سبّ . فكم من شتّامين في الظاهر لـــ”اسرائيل” من الحُكّام و “المثقفين” … كانوا من اكثر “أصدقائها” في السرّ و الواقع.
القضية هي ان المدعو بوجناح هو من دعاة الصهيونية و من المدافعين عنها و عن مشروعها الاستعماري في فلسطين و انه احد ابواق دعايتها لتبرير جرائمها و تشريع وجودها ، و انه لم يتخلّف عن مساندة و اعلان صداقته مع اكبر مجرميها و سفاحيها : أريال شارون ، و قيادة مظاهرا ت مساندة له في فرنسا .

” تونس تتّسع للجميع ” ؟ …
دون ادنى شكّ…..
غير ان “التونسي” الذي قد يحمل “جنسية” العدو، و الذي يدافع عن جرائم العدو الذي يغتصب ارض أشقائنا و يُقتّل ابناء شعبهم منذ عقود ، والذي ارتكب على ارض تونس جرائم و مجازر عدوانية عسكرية أودت بحياة العشرات من الشهداء فلسطينيين و تونسيين……هذا “التونسي” …أيّا كان اسمه و لقبه و ديانته و مذهبه و مذهب والديه و جدوده الغابرين ميشال بوجناح أو صالح بن محمد …ألخ…هذا “التونسي” ، و بمثل هذه “المواصفات ” هو خائن لبلده و عون و عميل لـ”دولة” مُعادية لتونس و في حالة حرب معها.
و مثل هذا “التونسي” لا يمكن مع الاسف أن تتّسع له تونس .
الاختلاف بين التونسيين و التونسيات في المعتقد و الراي و التقدير و المواقف و المشاريع السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية حقّ ثابت و جدير بان تتّسع له تونس الى اقصى الحدود. فذلك عنوان ولوجها التاريخ ، تاريخ المواطنة و الديمقراطية الفعلية.
غير ان الخيانة و التعامل مع العدو ليست وجهة نظر. بل جريمة.

هل “أن المطالبة بالغاء عرض ميشال بوجناح من باب محاكم التفتيش الجديدة ؟ ”
قطعا لا …
هو باختصار شديد موقف أخلاقي و سياسي مبدئي ضدّ مُدافع عن كيان استعماري استيطاني توسّعي عنصري ، و هو دفع لحركة الحصار و المقاطعة له على غرار ما حصل مع نظام الميز العنصري في جنوب افريقيا الذي انتهى طريدا مقاطعا ( الاّ من قلة من “اصدقائه” ) سياسيا و اقتصاديا و ديبلوماسيا و ثقافيا و رياضيا الى أن تهاوى.
أما بالنسبة لمحاكم التفتيش الجديدة ، فيبدو ان ذاكرة السيدة المحترمة قد خانتها او انها انتقائية جدا.
و لا بدّ و الحالة تلك ان نذكّرها بالوقائع التالية :
فنفس هذه السيدة التي تستهجن اليوم ما تُسمّيه عودة محاكم التفتيش حين يتعلق الامر بميشال بوجناح ، هي نفسها التي اعادت تلك المحاكم و انتصبت مدعية فيها ضدّ المفكر الكبير محمد الطالبي حيث “أفتت ” بمنعه سنة 2016 من تقديم محاضراته في دار الكتب الوطنية التي تتولّى ادارتها.
و لم تتردّد السيدة المحترمة التي تستهجن اليوم عودة محاكم التفتيش من التعدّي على الحريات الاكاديمية و حرية التعبير عموما لمفكر في قيمة الاستاذ الكبير محمد الطالبي ، كما أنها لم تراعي مسيرته العلمية رصيده الاجتهادي و رصيده النضالي ضدّ الدكتاتورية زمن بن علي و ضدّ النزعات االظلامية الدينية زمن حكم الترويكا.
و قد خلّف هذا القرار التعسفي الما و حسرة شديدة لدى الاستاذ محمد الطالبي حيث أحسّ ، و هو في سن متقدمة (95 سنة) بمرارة الحصار و الاضطهاد و التهميش من قبل من كانوا يدّعون زورا و بهتانا الدفاع عن “الحرية” و “الحداثة”. و أشهد أنه رفض اقتراحي له بتوفير فضاء بديل لتقديم محاضراته و قال لي بالحرف الواحد : ” لا بأس…اريد ان يُسجّل في التاريخ أن قرار منعي من القاء محاضراتي في دار الكتب الوطنية وصمة عار على جبين صاحبة القرار و من كان ورائها في الكواليس ممّن سعت الى استرضائهم و عدم “خدش” و كشف عوراتهم الفكرية ” .( رسالة الاستاذ الطالبي حول منعه في اول خانة التعليقات).
هو اذن الكيل بمكيالين لدى السيدة المحترمة :
عندما يتعلّق الامر بمُفكّر من طراز محمد الطالبي يكون انتصاب محكمة تفتيش حقيقية لمصادرة فكره و رأيه جائزا و مشروعا لاقترافه جريمة اعلانه ” حريتي هي ديني ” و اعلانه أنّ ” الشريعة انجاز بشري ..و لا بدّ من مواجهتها بالنقد و تجديد الفكر و التشبّث بحقوق الانسان و باللائكية ”
أما حين يتعلّق الامر برفض افساح المجال لـ ” مُهرّج” يشتغل بوقا من أبواق الدعاية للعدو الصهيوني ، قيصبح ذلك لديها ، مسّا و تجريحا في أقدس مُقدّسات حرية التعبير .!!!

“الاهتمام بالبناء و الاقتراح الايجابي أفضل ؟ ”
طبعا …و ذلك يمرّ حتما عبر مقاومة كل أشكال التطبيع مع العدو و الاقتراح الايجابي بتجريمه ، و عبر الاسهام في بناء شحصية قاعدية مُتشبّعة بقيم الاعتزاز بالانتماء لوطنها و شعبها و تأصيل قيم الكرامة و السيادة الشعبية المواطنية ، و عبر مناصرة القضايا العادلة للشعوب و الامم المضطهدة المناضلة من اجل التحرّر و الانعتاق من كافة اشكال الاستعمار و الهيمنة و التسلّط.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.