مركز الدراسات الأميركية والعربية في واشنطن: مخططات اميركا في سوريا مآلها الفشل، منذر سليمان

التقرير الأسبوعي لمراكز الأبحاث الاميركية

رئيس التحرير: د. منذر سليمان

نائب رئيس التحرير: جعفر الجعفري

 

مركز الدراسات الأميركية والعربية – المرصد الفكري / البحثي

واشنطن،  1/ تموز – يوليو/‏ 2017    

المقدمة

        ارتاب العالم مشككاً بالسردية الاميركية على وقع “تحذير” واشنطن لسوريا بأنها عازمة على شن حرب واسعة مباشرة عليها “لمعاقبتها” على هجوم بالاسلحة الكيميائية لم يحدث بعد.

        سيستعرض قسم التحليل أبعاد الخطوة الاميركية التي أتت عشية كشف المحقق الصحفي الشهير، سيمور هيرش، عن “كذبة” ادارة ترامب بإتهام سوريا في حادثة خان شيخون، في نيسان من العام الجاري، وما ترويجها لحادثةٍ لمْ تَقع الا محاولة لصرف الأنظار عن تقارير دامغة تدحض مزاعمها السابقة.

        ايضاً، شعرت الادارة الاميركية واقطاب اليمين بالزهو لقرار المحكمة العليا الاميركية تقييد حركة سفر المهاجرين بحصر صلة القرابة بالمرتبة الاولى واستثناء الاجداد من حق لقاء احفادهم واقاربهم على الاراضي الاميركية.

ملخص دراسات واصدارات مراكز الابحاث

اميركا والحرب على الارهاب

        استعرض مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية حقيقة المقايضات التي أدت لتبني وزارة الدفاع الاميركية استراتيجيتها الراهنة والتي “يمكن ايجازها بأنها عبارة عن ادارة المخاطر وانتهاز الفرص في البعدين المعلوم والمجهول، وفي نفس الوقت التعايش مع سقف الميزانية السنوية التي اقرها الكونغرس.”  واوضح ان المهام الجديدة الملقاة على عاتق وزير الدفاع “تقوده إلى رفض التمسك بأسطورة القائد الاستراتيجي الأول .. والعمل مع أُطر الوزارة المتعددة والبيت الابيض والكونغرس لتحديد واستغلال آلاليات الضرورية للتنقل بين حدود القيود التي تواجه مستقبل القوات المسلحة.” واستدرك بالقول إن السياسة الراهنة لا تأخذ بعين الاعتبار “التغيرات التي ستشهدها طموحات تحقيق الاهداف الاستراتيجية وكلفة العمليات وتعديل بعض الموارد الضرورية قيمتها المقدرة نحو 100 مليار دولار سنويا،” والتي ينبغي تطبيقها كي يتحقق “انشاء أسس صلبة لهيكلية تحابي الابداع ..”

https://www.csis.org/analysis/defense-strategy-and-iron-triangle-painful-trade-offs

        اعتبر معهد كاتو أن “الحرب على الإرهاب فشلت،” وينبغي النظر في الدروس المستفادة، ابرزها “التقييم المبالغ به في تهديد الارهاب على الولايات المتحدة، والذي أدى لشن حملة واسعة لمكافحته لم تسفر عن حماية الشعب الاميركي من تلك الهجمات.” اما الدرس الثاني فيتمحور حول “اعتماد استراتيجية طموحة للتدخل العسكري،” وما يقتضياه من ضرورة تبني الولايات المتحدة “توجها مختلفاً.” وحث المعهد صناع القرار على “الإقرار أنه وبالرغم من صوابية المخاوف من الارهاب، فإنه لا يمثل سوى تهديدٍ أمنيٍ متواضع للاراضي الاميركية؛ والاقلاع عن سياسة التدخل العسكري وإعادة تشكيل الدول في سياق الحرب على الارهاب.” وخلص بالقول انه يتعين على الولايات المتحدة “حث شركائها على مواجهة المجموعات الارهابية خارج اراضيهم.”

https://www.cato.org/publications/policy-analysis/step-back-lessons-us-foreign-policy-failed-war-terror

سوريا

        التصعيد العسكري الاميركي في سوريا كان محط اهتمام مجلس السياسة الخارجية الاميركية معتبراً سوريا “ربحت الجولة .. اذ ان المقاتلة السورية شنت غارتها على الرغم من تحذيرات قوات التحالف ولعلمها ايضاً ان المقاتلات الاميركية تتواجد” بالقرب منها. وبرر استنتاجه “بإن الرهان (السوري) كان إما أن تتردد الولايات المتحدة بالتحرك، او أنها ستبادر لإسقاط المقاتلة وتصعيد التوترات في العلاقة الاميركية مع روسيا.” واستطرد بالقول ان هدف “الرئيس السوري .. لا ينحصر في القضاء على مجموعة الدولة الاسلامية بل أيضاً إعادة تأكيد سيطرة نظامه على كافة مناطق الدولة.” ومضى موضحاً ان توجه اميركا “للتحرش سيضاعف كلفة بقاء (القوات) الاميركية في سوريا، وربما الى نقطة لم تعد تستحق كل هذا الجهد.” وختم بالقول انه يعوّل على “تسيُّد العقول الهادئة في واشنطن وموسكو، والابقاء على هدف الحاق الهزيمة بالدولة الاسلامية حياً.”

http://www.afpc.org/publication_listings/viewArticle/3547

فلسطين

        استعرض معهد كارنيغي تطور “الهوية الفلسطينية في ظل الذكرى الخمسين لحرب عام 1967.” وقال إن “رهان الدول الغربية الاعتماد على اسرائيل قد تنامى بالتوازي مع مخاوفها من تدهور الأمن العالمي وحاجتها في الارتكاز الى حلفاء لمحاربة الارهاب الدولي .. وقدرة اسرائيل على تسويق ذاتها بأنها أبرز الخبراء الدوليين في مجال مكافحة الارهاب.” وشدد المعهد على ميل “اسرائيل” استغلال المتغيرات الدولية “بتهميشها المسألة الفلسطينية .. ونجاح بنيامين نتنياهو الاستغلال الفعال لمخاوف الدول العربية من (تمدد) ايران والمضي لتحقيق اهداف اسرائيل السياسية.”

http://carnegieendowment.org/2017/06/28/revitalizing-palestinian-nationalism-options-versus-realities-pub-71364

قطر وأزمة الخليج

        اعتبر معهد واشنطن لسياسات الشرق الادنى أزمة دول الخليج مع قطر “تشكل تحدياً للولايات المتحدة .. اذ من الصعب فهم الكيفية التي تمت بموجبها صياغة قائمة المطالب والتوصل إلى حلٍ بدلاً من تقويض كامل للدبلوماسية؛ ولا تدعو لتغيير النظام في قطر بل تغيير سياساتها.” واعرب عن خشيته مما يكمن وراء تلك المطالب “لربط الولايات المتحدة بالأزمة .. والتي طالب وزير الخارجية الاطراف المعنية بأنه ينبغي ان تكون المطالب معقولة وقابلة للتنفيذ؛” وتفاقمت المواقف الاميركية “بفعل رسائل متضاربة من البيت الأبيض، ووزارتي الدفاع والخارجية.” واوضح المركز أن “تهور ولي العهد السعودي الجديد محمد بن سلمان يقلق” الولايات المتحدة بالاضافة لتراجع دور ولي عهد ابو ظبي، محمد بن زايد “لتقييد” اندفاعة نظيره السعودي. وحذر المعهد صناع القرار من “استدراج الولايات المتحدة بفعل ضغوط متجددة من السعودية والامارات للتخلي عن قاعدة العديد الجوية” في قطر. وختم بالقول انه ينبغي على واشنطن “إجراء بعض المحادثات القاسية، وبسرعة، مع جميع حلفائها الخليجيين، لكي تضمن لنفسها دوراً في الدبلوماسية، وتُخفف من حدة الأزمة وتضع حداً لتصعيدها.”

http://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/gulf-crisis-with-qatar-challenges-the-united-states

ايران

        اعتبر معهد واشنطن لسياسات الشرق الادنى الهجمات الصاروخية لايران على مواقع داعش في محيط مدينة دير الزور السورية بأنها “إشارةٍ ثنائية واضحةٍ إلى المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة،” ورسالة ردع ارادتها القيادة الايرانية فضلا عن “اختبار أحد تصاميم الصواريخ المحلية “الأكثر حداثة” في عملياتٍ حية.” والقى المعهد ظلالاً من الشك حول فعالية الصواريخ الايرانية المذكورة، اذ ”لا توجد أدلة كافية لدعم الإدعاءات الإيرانية بأنّ كافة الصواريخ وصلت إلى أهدافها المرجوّة وألحقت أضراراً جسيمة وأوقعت عدداً كبيراً من الضحايا.” واستند المعهد الى “تقارير اسرائيلية” في تقييم فعالية الصواريخ اذ “أنّ إيران ربما تواجه مسائل خطيرة في ما يخص مراقبة الجودة والموثوقية المتعلقة ببرنامجها الصاروخي. وفي حين أن هذه الحادثة قد تدفع الإيرانيين إلى إعادة النظر في تدابير التصنيع ومراقبة الجودة وتقييمها، مما يزيد من تأخير مشاريعهم الراهنة، فقد تبحث طهران أيضاً عن حلول لهذه العيوب الواضحة في مصادر التكنولوجيا الأجنبية.”

http://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/iran-missile-strikes-reveal-potential-military-weaknesses

 

التحليل: مخططات اميركا في سوريا مآلها الفشل

 

تصعيد أم حرف أنظار

        جددت الولايات المتحدة تهديداتها لسوريا متوعدة بتكبيدها “ثمناً باهظاً،” كما جاء في بيان البيت الابيض، 26 حزيران، على خلفية مزاعم بأن “الولايات المتحدة حددت استعدادات محتملة لشن هجوم آخر بالاسلحة الكيميائية ..” واكد رسالة التهديد وزير الدفاع الاميركي، جيمس ماتيس، 28 حزيران، بأنه لن “يتحدث عن العمليات المستقبلية المحتملة على الاطلاق.”

        وابلغ ماتيس طاقم الصحافيين المرافق له لحضور مؤتمر وزراء دفاع حلف الناتو ان سوريا “تبدو أنها انصاعت للتحذير” الاميركي دون عناء ابراز أدلة على تطورات جد خطيرة قد تنزلق فيها المنطقة الى حرب لا تُبقي ولا تُذر.

        من الطبيعي ان تتطابق الردود السورية والروسية برفض الادعاءات، وتحذير واشنطن بالمقابل بأن الانتصارات التي يحققها الجيش السوري “لن تتوقف،” سواء في درعا والجنوب، او دير الزور وتدمر، بعد ان ظفرت دمشق وحلفاءها بمعركة التنف على الحدود المشتركة مع الاردن، وتهاوي المشروع الاميركي لدق إسفين في خاصرة رخوة لسوريا، بشريط عمقه 12 كلم.

        تفنيد السردية الاميركية الرسمية أتى مفاجئا للبيت الابيض كونه جاء من مصادر عدة من الصعب الطعن فيها، ولجأت بمعاونة وسائل الاعلام الرئيسة كافة الى تجاهل كلي لتلك التقارير، والتي سنأتي على ذكرها لاحقاً.

        بداية، كشفت صحيفة نيويورك تايمز عن أن فريقاً من العسكريين الاميركيين، بعضهم في قيادة القوات المركزية، أعرب عن دهشته من تحذير البيت الابيض، لهجةً وتوقيتاً، مشيرين الى أنهم لم يكونوا على علم بأي هجوم سوري من هذا القبيل، مما اضطر البيت الابيض صباح اليوم التالي اصدار بيان مفاده ان القرار الرئاسي “صدر بعد التشاور مع وزارة الدفاع ووكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الخارجية ومدير الأمن القومي.” الأمر الذي يستدرج تساؤلات حول طبيعة وأبعاد القرار ان كان بدافع توزيع الأدوار أم أنه يعكس خلافات حقيقية على رأس المؤسسة، وبشكل محدد بين وزير الدفاع جيمس ماتيس ومستشار ترامب للأمن القومي هيربرت ماكماستر.

        الجزم في هذه القضية ليس بالأمر اليسير، لكن القرار الرئاسي، مهما كانت ابعاده، يعد القرار النافذ وينبغي التعامل معه على هذا الأساس، على الرغم من شعور المحللين والساسة والمراقبين بالاجماع ان “البيت الابيض والمؤسستين العسكرية والاستخباراتية تفتقد بمجموعها لرأي متطابق او سياسة” واضحة المعالم.

        من الضروري الاشارة الى ان هاجس ادارة ترامب مرتبط عضوياً بقلق “اسرائيل” من تجذر معسكر المقاومة وتراكم الخبرات العسكرية والميدانية بكمٍ يُشهد له، واعادتها تصويب السهام باتجاه ايران بشكل خاص.

        أحد كبار العسكريين الاميركيين من المتقاعدين علق قائلاً أنه لا يستبعد مطلقا مبادرة نتنياهو الاتصال بصهر الرئيس جاريد كوشنر وابلاغه عظيم قلق المؤسسة “الاسرائيلية” من تراكم انتصارات سوريا ميدانياً، لحث الرئيس ترامب الاقدام على عمل عسكري جديد. ترامب من ناحيته وجدها فرصة سانحة لصرف الأنظار عن أزماته الداخلية وملاحقته قضائياً.

        التفنيد الرئيس والأشد ايلاما للمؤسسة الاميركية الحاكمة جاء عبر تقرير مطول نشره الصحافي الاستقصائي الشهير، سيمور هيرش، يوم 25 حزيران، قبل اعلان البيت الابيض، بأن أجهزة الاستخبارات الأمريكية لم تكن لديها أدلة يقينية تثبت مسؤولية الحكومة السورية عن الهجوم الكيماوي على بلدة خان شيخون في ريف إدلب، يوم 4 نيسان 2017؛ وذلك  بناء على “مصادر موثوقة داخل البنتاغون ومجمّع اجهزة الاستخبارات الاميركية” أبلغته ذلك.

        تقرير هيرش المطول بعنوان الخط الأحمر لترامب فحواه ان الولايات المتحدة واخطبوط اجهزتها الاستخباراتية كانت تعرف ان (الرئيس) الأسد لم يكن لديه أسلحة كيميائية، قبل إصدار ترامب قراره بشن غارة جوية واطلاق 59 صاروخ توماهوك، على قاعدة الشعيرات الجوية؛ مؤكدًا أن بعض المَسؤولين العسكريين الأمريكيين، ومنهم ضباطاً ميدانيين، شعروا بالقلق من تصميم ترامب على تجاهل التقارير التي أرسلوها.

        واعرب أحد العسكريين لهيرش عن الأسى الشديد داخل المؤسسة العسكرية الاميركية لتصرفات الرئيس ترامب قائلا ان الأخير “لا يقرأ شيئا، ولا يملك أي معرفة بالتاريخ، ويميل للتصرف بشكل متسرع، ويخلط بين إدارة صفقات تجارية، وبين الأعمال العسكرية، ولا يعلم أن الخسارة في الأولى مالية، وأما في الثانية فهي إزهاق أرواح تلحق ضرراً بالأمن القومي الأميركي على المدى البعيد.”

فجّر التقريرأيضاً حزمة من القضايا تدين الحكومة الاميركية، نقتطف منه إعادة تأكيده على “دور إدارة اوباما النشط في تهريب الاسلحة من ليبيا الى سوريا، مرورا بالاراضي التركية .. وانشاء جملة من الشركات الوهمية من قبل المخابرات التركية لتغطية تمويل وتسليح المجموعات الارهابية” داخل سوريا.

        كما اعرب هيرش عن “استيائه من آلية تعاطي وسائل الاعلام الاميركية (الرئيس) للغارة الجوية التي نفذها سلاح الجو الاميركي في خان شيخون”  والتي كانت تخضع لسيطرة ما يسمى “هيئة تحرير الشام؛” ونقلها لروايات “شهود عيان” دون تمحيص بأنهم استطاعوا “شم رائحة غاز السارين من على بعد 500 متر؛” على الرغم من خصائص السارين الكيميائية بأنه غاز عديم الرائحة.

        “اضطر” هيرش التوجه لصحيفة ألمانية داي فيلت لنشر تحقيقه بعد رفض كافة وسائل الاعلام الاميركية، خاصة تلك التي سبق له وعمل معها، بل لا يجد المرء اي إشارة لتقريره في أي من المواقع الاميركية الرئيسة.

        ألمانيا لم تعد تخفي استياءها من سياسات واشنطن التصعيدية، وذكّرت المستشارة انغيلا ميركل أميركا بأنها بعيدة بضعة آلاف الأميال عن المنطقة، اما اوروبا فهي الأقرب ولا تملك ترف المجازفة اشعال حرب غير محمودة العواقب.

        بعد بضعة أيام، كشف المفتش السابق لأسلحة الدمار الشامل في العراق، سكوت ريتر، 29 حزيران، عن وقائع تعزز ما ذهب إليه هيرش، في تقرير منفصل تحت عنوان ادعاءات ترامب بغاز السارين مبنية على أكاذيب، نشره في اسبوعية أميريكان كونسيرفاتيف The American Conservative.

        أهمية مقال ريتر تكمن في اقراره بأنه اطّلع مسبقا على استقصاء هيرش وقام “بمساعدته في التحقق من صدقية المعلومات المبينة،” نافياً ان يكون مصدراً لأي من المعلومات المتضمنة.

واوضح انه اثناء التحقق من وقائع حادثة خان شيخون “لم يتقدم أحدٌ بدليل مادي يشير الى إطلاق سلاح كيميائي .. فريق الاتهام ضد لسوريا بنى رواية عناصرها ظرفية صرفة – العديد من الضحايا ومن هم على فراش الموت، لكن لا دليل يربط مأساة اولئك بحدث مادي محدد” يمكن اخضاعه للقواعد العلمية الدقيقة.

كما فند ريتر “تقارير” منظمة حظر الاسلحة الكيميائية الدولية التي “استنتجت ان غاز السارين او عنصر مشابه للسارين” تم استخدامه في خان شيخون. ودحض ريتر مزاعمها بالتأكيد على ان “المنظمة غير مؤهلة في اطلاق حكمها كما ورد،” نظراً لاقرارها لاحقاً بأن فرقها المنتشرة “لم تتمكن من دخول خان شيخون في أي وقت.”

        يشار في هذا السياق الى تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست مؤخراً كشفت فيه “مسؤولية” الولايات المتحدة وقوات تحالفها الدولي استخدام الفوسفور الابيض في مناطق مأهولة بالسكان في الموصل والرقة. المتحدث الاميركي باسم قوات التحالف، العقيد ريان ديلون، لم يؤكد أو ينفي استخدام الفوسفور المحرم دوليا، مكتفيا بالزعم أن “قوات التحالف تأخذ كافة الاحتياطات لتقليل خطر الإصابة العرضية لغير المقاتلين.” اما “منظمة هيومن رايتس ووتش” اكتفت بالتعليق بأنها “لا تزال تحقق فيما إذا تعرض المدنيون حقا لهذا النوع من الذخائر.”

خيارات واشنطن

        الخوض في خيارات واشنطن المتاحة والممكنة يستند الى فرضية تسيّد منطق دعاة الحرب بالمضي قدما في “توجيه ضربة استباقية لمزاعم حيكت مسبقا” وتنفيذ احدى آخر حلقات المشروع الاميركي بهجوم مباشر لتقسيم سوريا.

        من بين الخيارات الاميركية:

  1. شن غارة جوية “استباقية” ضد قاعدة او سلسلة قواعد جوية سورية وما تستدعيه من حركة استطلاع جوية مكثفة وما يواكبها من حركة اتصالات نشطة، بالرغم ما ينطوي عليها من مخاطر ديبلوماسية وسياسية.
  2. تعزيز الغارة الجوية بقصف لمدرجات الطائرات، كما حاولت عند قصفها قاعدة الشعيرات في شهر نيسان الماضي. وتدرك القوات العسكرية الاميركية ان اصلاح مدرجات اي قاعدة عسكرية أمر محسوب مسبقا لدى الطرف المتضرر، وما هي الا فترة زمنية قصيرة قبل ان تعود المدرجات للخدمة الفعلية.
  3. فتح جبهات مواجهة عسكرية مع الجيش العربي السوري في مناطق أخرى بالايعاز للمجموعات المسلحة المتحالفة مع واشنطن؛ وهو ما يجري تطبيقه راهنا.
  4. يستبعد القادة، عسكريين وسياسيين على السواء، انخراط اعداد كبيرة من القوات الاميركية في الحرب على سوريا، ويرجحون الاولوية لاطلاق صواريخ كروز بعيدة المدى، تواكبها حرب تشويش الكترونية، لإرضاء فريق المتشددين والأعوان الإقليميين لا سيما في دول الخليج.

الرد السوري – الروسي

        بداية لم يقدم أحدٌ أدلة منطقية لماذا قد يلجأ الرئيس الاسد استخدام عناصر كيميائية في ساحة حرب له الكفة الراجحة ويحقق انتصارات ميدانية متسارعة، بفضل صمود سوريا ودعم الحلفاء. فضلاً عن أن أي حرب يستخدم فيها السلاح الكيميائي غير مضمونة النتائج وعادة يلجأ لها الطرف المتراجع وليس المتقدم، وتنتفي الحاجة لها في ظل المعادلات القتالية القائمة، لا سيما وان سوريا اعلنت انضمامها لاتفاقية حظر الاسلحة الكيميائية، 12 ايلول / سبتمبر 2013، وما ينطوي عليها من مسؤوليات وفق نصوص القانون الدولي.

        اميركا، من وجهة نظر سوريا وروسيا، تستغل “زوبعة” الكيميائي كذريعة لتدخلها المباشر في سوريا؛ وربما تكتفي اميركا بتفسيرها ان اقدمت سوريا على تدريبات وقاية من الاسلحة الكيميائية لشن عدوانها. وهذا يقتضي من سوريا وروسيا معاً إبلاغ واشنطن مسبقاً بأي تدريباتً وقائية قد تُجريها، وما يَستتبعها من حركة استطلاع (اميركي) مكثفة للتحقق من صدقيتها.

        معادلة توازن الرعب يدركها جيدا الطرفين الاقوى، روسيا واميركا، ويقع على الاولى عبء توضيح كلفة المغامرة لواشنطن التي لن تصغي لسواها، خلف الابواب المغلقة.

        المسألة في جوهرها أبعد من “أسلحة كيميائية،” محتملة أو مختلقة، بين القطبين العالميين. انها صراع على النفوذ ومستقبل سوريا في منطقة لا تزال تشهد صراعاتٍ وهزاتٍ اجتماعية لن يغامر أحدهم بالتكهن الى ما ستؤول اليه الاوضاع المقبلة. وهي صراع يحشد فيه الطرفين حلفاءهما، لا سيما حلف الناتو وتمدده في اوروبا وبمحاذاة الحدود الطبيعية لروسيا.

        الولايات المتحدة، من جانبها، لم تقلع بعد عن مخططاتها بتغيير بنية الأنظمة بما يتلائم ومصالحها في الهيمنة والتبعية. روسيا، بالمقابل، تتلمس طريقها في صعودها ثانيةً بقوة على المسرح الدولي وأثبتت أنها بعيدة كل البعد عن اخلاء الساحة لخصمها اللدود؛ وما تقاربهما في زاوية ضيقة “بمحاربة ارهاب داعش” الا مرحلية سرعان ما تختفي ويأخذ الصراع الكوني بينهما آفاقا أخرى.

        القوى الاميركية النافذة في القرار السياسي لا يزال يراودها حلم اسقاط الدولة السورية، وتُقدمه على أي اولوليات سياسية أخرى. إذ تكمن مصلحتها في إدامة أمد الحرب على وفي سوريا، والمحاولة تلو الاخرى لجر سوريا وروسيا لحرب هناك، خاصة في ظل انكشاف “سندها الاستراتيجي” بقرب القضاء على داعش وتراجع منطق ومتطلبات “الحرب الكونية على الارهاب.”

        عند العودة للاستدلال على مغزى الاتهام الاميركي الجديد لسوريا، يتشكل شبه اجماع متسارع مع مرور الايام، بأن الادارة الاميركية وأقطابها المتعددة رمت لإطلاق آخر ما في جعبتها “لصرف أنظار” العالم عن مضمون تقرير سيمور هيرش بوصفه ادعائها السابق في خان شيخون، بأنه “كذبة كبيرة.”

        ولعل الاجابة الحقيقية جاءت غير مقصودة بنشر صحيفة نيويورك تايمز، 29 حزيران، مضمون تقرير أعده (مركز مكافحة الارهاب في أكاديمية ويست بوينت العسكرية) يحذر من “اليوم الذي يلي القضاء على داعش.”

        واوضح التقرير استناداً إلى شهادات “عسكريين وديبلوماسيين” اميركيين أن “التحدي الأكبر من الاطاحة بدولة داعش .. ربما يكون اعادة البناء السياسي والاقتصادي في السنوات القادمة.”

        اذن، القرار السيادي السوري كان ولا يزال هو الهدف طيلة سنوات الحرب الدموية والمدمرة. وينقل الخبير البريطاني المرموق بالشؤون الروسية والاستخباراتية، الكسندر ميركوريس، ما تضمره مجموعة “المحافظين الجدد .. الذين يتحكمون فعلاً بمراكز قوى الدولة العميقة” في اميركا، للسيطرة التامة على “المصارف المركزية” للدول المختلفة وابقائها مديونة للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى أمد غير مسمى.

        ويستطرد أن سوريا في مرحلة اعادة البناء ستبقى تتحكم ذاتياً ودون تدخل من أحد في آليات مصرفها المركزي والذي باستطاعته اصدار عملته الوطنية كما تقتضيه الحاجة “دون اي اشراف خارجي او مديونية لصندوق النقد الدولي او اي طرف آخر.”

        جدير بالذكر ان سوريا طيلة سنوات الحرب عليها، بالوكالة ومباشرة، ابقت على تقديم خدماتها المجانية من تعليم وطبابة ورعاية صحية ودعم الخدمات الاساسية من كهرباء ومياه ومواد غذائية، فضلا عن صرفها رواتب موظفي الدولة المنتشرين في كافة انحاء البلاد. ألا يقلق هذا الأمر الساسة والإقتصاديين الدوليين على السواء !

:::::

المصدر: مركز الدراسات الأميركية والعربية – المرصد الفكري / البحثي

الموقع: www.thinktankmonitor.org

العنوان الالكتروني: thinktankmonitor@gmail.com

 

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.