الحرب الأهلية في فنزويلا ومصير الدول الصغيرة (جزء 1 و 2)، بقلم عامر محسن

الحرب الأهلية في فنزويلا ومصير الدول الصغيرة [1]

عامر محسن

أوّل ما يجب فهمه عن هوغو تشافيز هو أنّه لم يصل الى الرئاسة وهو يملك مخططاً لبناء نظامٍ اشتراكيٍّ أو الصدام مع النخبة الفنزويلية أو معاداة اميركا. في الحقيقة، فإنّ وصول رجلٍ مثل تشافيز الى الحكم لم يكن مستغرباً في التقليد السياسي لأميركا اللاتينية: بلادٌ مأزومةٌ تديرها أحزابٌ تقليدية فاسدة في إطار ديمقراطية شكلية، يصل المجتمع فيها دورياً الى لحظة انهيارٍ أو انتفاضة (تنخفض أسعار النفط أو تقع أزمة دينٍ عام أو ينكسر الاقتصاد)، فيدعم الناس نظاماً «شعبوياً»، أو انقلاباً عسكرياً، أو مرشّحاً من خارج النظام، يستبدل النخبة التقليدية ويعد بوضع حدٍّ لفسادها.

الفارق الأساس بين تشافيز وبين أمثال خوان بيرون في الارجنتين أو فارغاس قبله في البرازيل، بحسب نصٍّ لغريغ غراندِن في «لندن ريفيو اوف بوكس»، هو أنّ تشافيز لم يقم بخيانة الطبقات الشعبية التي أوصلته الى الحكم. كان النمط المعتاد هو أن يصل الحزب «الراديكالي» أو الجنرال، كما فعل بيرون، الى السّلطة محمولاً على وعودٍ شعبية، ثم يقوم فوراً بالاستدارة والتحالف مع اليمين التقليدي ورأس المال المحلي، ويتحوّل الى محض جنرالٍ سلطويّ، يحكم النّظام القديم ذاته تحت شعاراتٍ وطنية وقوميّة، في ما يشبه صورة «الجنرال» التي رسمها ماركيز في رواياته (بالمناسبة: هل يوجد نقدٌ سياسيّ لروايات ماركيز؟ ألا يمكن أن نعتبرها من الرموز التي ألهمت جيل النرجسية والفردانية في العقود الأخيرة؟ في العالم الفنّي الذي بناه ماركيز، ألا تلاحظون أن «الثّورة» هي دائماً مسخرة، والسياسة عالمٌ وسخ، متروكٌ للواهمين والمجانين والفاسدين؛ والأمثولة التي توصلها الرواية هي غالباً أنّ المعنى الحقيقي للحياة يتمثّل في أن تجد حبيبتك، وتلتفت الى سعادتك الفرديّة وشغفك الصغير ومكتبتك، ولا تكترث لـ«الوساوس» كالقضايا والنضال؟).

ما دفع تشافيز الى سياسات أكثر جذرية والى الالتصاق بالطبقات الفقيرة كان، أساساً، العداء الشرس الذي أبدته النخبة الفنزويلية وواشنطن تجاهه. لم يتكلّم تشافيز عن «اشتراكية»، ولكن شعاراته «البوليفارية»، وهي مستقاة من تقليد سياسي فنزويلي قديم لم يكن يمثّل ايديولوجيا واضحة بل شعارات عمومية عن التوزيع والعدالة ومعاداة الامبريالية، هذه الشعارات كانت كافية لإثارة ذعر الطبقة الحاكمة في كاراكاس، وهي قد شنّت عليه ــــ منذ البداية ــــ حرباً بلا هوادة. انتخب تشافيز رئيساً عام 1999 ووقع ضدّه أوّل انقلابٍ عام 2002، وقد وقفت فيه وسائل الإعلام الرئيسية في فنزويلا، وأكثر وجوه المعارضة، موقفاً داعماً للإنقلاب العسكري بل لعبت دور «الإعلام الحربي» لفلول المعارضة اليمينية. يلفت غراندِن الى أنّ عدداً قليلاً من المتورّطين المباشرين الكبار قد تمّ سجنهم أو نفيهم اثر الانقلاب المدعوم أميركياً، ولم تحاول حكومة تشافيز حينها أن تستغلّ المناسبة لملاحقة وسجن من أيّد الإنقلاب. النتيجة كانت أنّه، بعد أشهر قليلة، حاولت النّخبة في فنزويلا ــــ مجدداً ــــ إسقاط النّظام عبر تحطيم الاقتصاد، ومنع تشافيز من الحصول على الموارد المالية لتنفيذ مشاريعه الاجتماعية، فحصل إضرابٌ في شركة النفط الوطنية أوقف فعلياً انتاج النّفط ــــ وسيل العائدات الى الحكومة والاقتصاد ــــ لمدّة أشهر.

هذه العقلية ذاتها هي التي تسعّر الصّراع في فنزويلا حالياً، فالمعارضة اليمينية لا تريد اتفاقاً أو مواءمةً مع مادورو، أو خفضاً لمستوى الاضطرابات والعنف، بل هي لن تقبل بأقلّ من الهزيمة الكاملة للحركة التشافيزية وخروجها من النّظام السّياسي. في مطالعةٍ للاقتصادي كلاوديو كاتز حول الصّراع الدائر في فنزويلا، يلفت الباحث الأرجنتيني الى أنّ السيناريو الاعتيادي لانقلابٍ من هذا النّوع ــــ باستخدام الجيش ــــ غير ممكنٍ في حالة فنزويلا، ومادورو يملك دعماً شعبياً في وجه المعارضة فهو لن يتراجع تحت ضغط الشارع، فأصبح المسار الوحيد لتنفيذ الانقلاب هو عبر استدامة الاضطرابات وشلّ البلد وتخريب الاقتصاد، حتّى ينهار النّظام وينفضّ عنه مؤيدوه وقد نال منهم التّعب والإفقار والفوضى.

«ثورة» أو رئاسة؟

المسألة الثانية التي يلفت اليها أكثر دارسي السياسة في فنزويلا هي أنّ «الثورة البوليفارية» لم تكن «ثورةً» بالمعنى التاريخي، تمسك بالسلطة وتُقصي أعداءها وتقود المجتمع. تشافيز ومادورو قد سيطرا فحسبٍ على الجهاز التنفيذي عبر عملية انتخابية دستورية، فيما ظلّ الاقتصاد والإعلام والبيروقراطية والمحاكم ــــ وكلّ مؤسسة ذات قيمة في البلد ــــ في يد خصومهم. هذا السيناريو يشبه حالة «الثورة» في مصر، حيث تغيّر رأس الهرم وبعض الأفراد وظلّت الدولة والمجتمع تحت هيمنة النّظام القديم. أو كأن تؤسس نظاماً «ثورياً» في لبنان، يدعو الى التوزيع والعدالة وتحفيز الزراعة والانتاج، فيما كلّ العائلات التقليدية لا تزال في مواقعها، والدّولة تحت تصرّفهم، والمصارف تدير اللعبة المالية.

بحسب توصيف غراندِن، اضطرّ تشافيز ــــ بعد أن استعاد شركة النفط الوطنية ومعها موارد البترول ــــ الى بناء بنية موازية للدولة التقليدية، بدلاً من استبدالها. أبقى على البيروقراطية الفاسدة كما هي ولكنّه أطلق عدداً كبيراً من البرامج تحت مسمّى «بعثات» (Misiones) تموّلها عائدات النفط وتؤدّي المهام التي ترفض البرجوازية الفنزويلية التعاون فيها: بعثات لتوزيع الطعام في أحياء المهمشين، بعثات للتعليم وللصحّة والتدريب المهني والبيئة الخ… يضيف الكاتب أنّ هذه البرامج التوزيعية، بين عامي 2005 و2012، قد حققت نجاحاً كبيراً ــــ كما تظهر الأرقام ــــ في رفع مستوى حياة الفقراء في فنزويلا، وخفض مستوى الأمراض والآفات الاجتماعية، حتّى أنّ البلد كان على وشك بلوغ الأهداف التي وضعتها الأمم المتحدة للتنمية الانسانية قبل الموعد بسنوات. ولكن تشافيز ــــ من جهةٍ ــــ لم ينجح في تغيير شيءٍ مهمٍّ في النظام الاقتصادي، أو بناء صناعات محلية ومصادر انتاج بديلة، وكان هذا النمط المكلف في الإدارة ــــ من جهةٍ أخرى ــــ معتمداً على أسعار نفط مرتفعة. فلمّا انهار السوق النفطي عام 2014 انكسرت ماليّة الدّولة ووقعت في هوّة الاستدانة، فيما فُقدت البضائع من السوق وبدأ التراجع على كلّ المستويات، بما في ذلك الخدمات الطبية والأساسية.

تشافيز، على حدّ قول غراندِن، هاجم خصومه على التلفزيون وهزمهم في الانتخابات، ولكنّه سمح لهم بأن يصيروا أثرياء وأن يضاعفوا ثرواتهم (تضخّم القطاع الخاص في عهد تشافيز ولم ينحسر)، وأن يتّحكموا بالاستيراد ويقطعوا السّلع عن السّوق متى شاؤوا، ويخرجوا رساميلهم بسهولة ما أن يقرّروا تخريب الاقتصاد. هذه أهمّ الاسباب التي أبقت على طموح المعارضة بسحق الحركة التشافيزية واستعادة «النظام القديم»، فالأمر ــــ بالنسبة الى النخبة المهيمنة ــــ هو بسهولة خلع الرئيس أو تغييره.

شروط المعركة

دراسة كلاوديو كاتز هي، في عمقها، تقريعٌ لليسار «الجديد» في اميركا اللاتينية وفي الغرب، والذي يقف الكثير منه على الحياد في فنزويلا، أو يساهم حتّى في الدعاية المعادية لمادورو (في دراسة أخرى له، يوصّف كاتز هذا اليسار الذي يقول انه يعتنق «الاستقلالية الذاتوية» ــــ autonomism ــــ وصفاته أنّه يعارض الرأسمالية والامبراطورية، ولكن من زاوية معارضة عامّة لكلّ سلطةٍ، عنده أميركا والاتحاد السوفياتي وكوبا سيّان. وهو تيّارٌ يأنف «الرضوخ» للايديولوجيا والقيود التنظيمية التي تحدّ الفرد، ويعتقد أنّ نقده يساريٌّ فيما هو، في الواقع، أشبه بالخطاب الليبرتاني الأميركي libertarian. قسمٌ كبير من هؤلاء المثقفين يعتبر أن مادورو مجرّد سلطويٍّ برجوازي لا يختلف عن البديل الفنزويلي اليميني). الأمور سيّئة للغاية في فنزويلا، يقول كاتز. قُتل أكثر من أربعين شخصاً في اضطرابات 2014 وعدد القتلى في الاشتباكات الحالية صار يربو على السبعين. ولكنّ الأوضاع أسوأ بكثير في باقي أميركا اللاتينية، يضيف كاتز، ولا أحد يوجّه اليها كلّ هذا الاهتمام الاعلامي: قُتل أكثر من 46 قيادياً لحركات شعبية في كولومبيا منذ بداية السنة، وبلغ عدد من اغتالتهم قوى موالية للحكومة 120 ناشطاً في الأشهر الـ14 الماضية، والآلاف في العقدين الأخيرين، والحال مماثلة في هندوراس والمكسيك وغيرهما، بل في فنزويلا نفسها، قتلت الحكومة خلال احتجاجات 1989 أكثر من ألف متظاهر (هذه الوقائع لا تجعل الوضع في فنزويلا أفضل، ولكنّها تشكك في دوافع من يقارن مادورو بصدّام حسين ويدّعي الحرص على الشعب والديمقراطية في فنزويلا).

هؤلاء النشطاء، يضيف كاتز، لا يشيرون الى العنف الذي تمارسه المعارضة الفنزويلية (سواء ضدّ مؤسسات الدولة التي تعتبرها «معادية» أم ضدّ رموز الحركة الشعبية التشافيزية)، والى أنّ أكثر القتلى في اضطرابات 2014 و2017 لم يسقطوا على يد الأمن. الإعلام العالمي لا يلفت الى العنف والاحتقار الذي يمارسه اليمين الفنزويلي ضدّ الفئات التي يعتبرها «تشافيزية»، في علاقة تشبه العلاقة بين البيض والسود في جنوب افريقيا واميركا، وصولاً الى الهجوم على مدارس وعيادات ومراكز لتوزيع الغذاء، ومنازل ناشطين تشافيزيين، وصولاً الى إحراقهم أحياء (منذ يومين فقط، قام شرطيّ معارض بالاستيلاء على مروحية واستخدمها للهجوم على المحكمة العليا بالقنابل والرصاص، وتقول الأخبار من كاراكاس إنه تمّ قتل شرطيٍّ وإحراق اثنين في اليوم نفسه). منذ مجيء تشافيز الى السّلطة، يذكّر كاتز، فازت الحركة البوليفارية بـ17 جولة انتخابية مقابل اثنتين للمعارضة، وقد اعترف التشافيزيون بالهزيمة حين حصلت فيما اعترض خصومهم على كلّ نتيجة لم تناسبهم ورفضوا الاعتراف بها؛ وقاموا بعد انتخابات 2012 الرئاسية بشنّ مواجهةٍ طاحنة تحت دعوى أنّ الانتخابات قد تمّ تزويرها وأنّ مادورو ليس شرعياً ــــ وعلى الطريقة الايرانية، من دون أي اثباتٍ أو حجّة ــــ وحين فازت المعارضة بأغلبية برلمانية عام 2015، اعتبرت أن ذلك يعطيها الحق بإسقاط مادورو واعتباره غير موجود.

يحاجج كاتز بأنّ نخب «اليسار الليبرالي» لا يمكن الاعتماد عليها في مواجهةٍ من هذا النّوع، بل يمكن توقّع أن تدعم ــــ من موقعها ــــ الانقلاب، وهذا حصل فعلاً في البرازيل والباراغواي وغيرها. من صفات اليسار الليبرالي، يقول كاتز، أنّه يقف دوماً، في المحطّات المفصلية، مع القوى الرجعية أو يظلّ، في أحسن الأحوال، على الحياد خلال المعركة (ولو راقبنا سلوك نخبنا العربية في السنوات الماضية ومواقفها في اللحظات الحاسمة، من مصر وسوريا وصولاً الى اليمن والعراق والحشد الشعبي، فإنّ نظرية كاتز لا تنطبق فقط على اميركا اللاتينية). أن تختار «طريقاً ثالثاً»، يقول الباحث الأرجنتيني، فيما هناك استقطاب ومواجهة هو مجرّد هروبٍ وجبن، والمعركة في فنزويلا اليوم ليست بسيطة، وسيكون لها تأثير عميق على مستقبل الشعب هناك. هناك خشيةٌ من أن تخطو فنزويلا صوب الحرب الأهلية ولكنّ من ينظر الى تاريخ البلد يفهم أنّه ــــ حقيقةً ــــ في حربٍ أهلية منذ أكثر من ثمانين عاماً. موقفنا، كعرب وكأفراد، لن يؤثّر على الأحداث في فنزويلا، ولكنّنا قادرون على التعلّم واستخلاص الدّروس، وهو ما سنناقشه في المقال القادم. ولكن أبرز أمثولةٍ تختزلها تجربة الحركة البوليفارية هي أنّ الصراع مع الخارج والامبراطورية مريرٌ وصعب من دون شكّ، وقد تكون المواجهة المباشرة معهم مستحيلة، ولكنّ الحرب ضدّ العدوّ الداخلي ــــ لأي مشروع استقلالي ــــ هي التي لا بديل عن حسمها.

الحرب الأهلية في فنزويلا ومصير الدول الصغيرة [2]

عامر محسن

في التحليل، يكتب كلاوديو كاتز، هناك فارقٌ كبير بين أن تلوم مادورو لأنّه غير قادرٍ على تغيير الأوضاع أو حلّ المشاكل والخروج من الأزمة، وبين أن تعتبر أنّه مسبّبها. لم يتمكّن مادورو ــ وقبله تشافيز ــ من الحدّ من الفساد، وتقارَب سياسياً مع أثرياء فاسدين وبدأ بعقد تحالفاتٍ وصولية، وهو لم يقدر على إحداث تغيير جذري في الاقتصاد يجعله أقلّ عرضة لتقلّبات سوق النّفط والتخريب الاقتصادي من الدّاخل والخارج.

ولكنّ هذه العوامل كلّها، من الفقر والفساد الى انعدام العدالة، وصولاً الى خضوع البلد لتقلّبات السوق النفطي، موجودةٌ قبل مادورو وتشافيز، وقد أُضيف اليها العداء الأميركي والحرب الاقتصادية. قد يشتكي البعض من أنّ الإشارة الى طبيعة النظام الرأسمالي، والدور الأميركي و«الامبريالية»، وعن وجود نخبٍ تابعة مستعدّة ــ حرفياً ــ لتدمير بلادها حتّى لا تخسر مواقعها، أنّها حججٌ «مكرورة» وقديمة ومن المفترض لأيّ نظامٍ صاعدٍ أن يتوقّعها ويتحسّب لها. غير أنّ هذا لا يغيّر في الواقع شيئاً: أنّها موجودة، وهي تقرّر طبيعة الصراع السياسي؛ وأنّ الأغلبية من شعوب الجنوب، حتّى وهي تمرّ في مرحلةٍ تاريخية صعبة كالسياق الحالي، قرّرت أنها لا تريد الرضوخ لهذا النظام العالمي ولا تقبل بالموقع الذي اختاره لها فيه.

سمير أمين

في دراسةٍ حديثةٍ له، صدرت في آذار الحالي في مجلّة Labor and Society، كتب سمير أمين تحديداً عن الخيارات التي يمكن لدولٍ جنوبية صغيرة أن تعتمدها كبديلٍ لـ«العولمة الليبرالية» في عصرنا هذا. الخلاصة هي أنّ هذه المهمّة، لأيّ بلدٍ وحيدٍ في العالم الثالث في عصر الأحادية القطبية، بالغة الصعوبة. في الماضي كان يجري الكلام عن «امبرياليات» بالجمع، تتوسّع وتتنافس وتتصارع، وتخلق هوامش ومساحات للدول الصغيرة؛ اليوم أصبحت الامبريالية متركّزة ومهيمنة وتحكم العالم عبر «المثلث» كما يسمّيه أمين: اميركا واوروبا الغربية واليابان، وأي كلامٍ عن تعددية قطبية اليوم هو مبكرٌ وليس دقيقاً (في محاججةٍ طويلة، يشرح المفكّر المصري أنّ «تعدد القطبية» تلزمه عدّة شروط، منها أن تنفصل اوروبا عن «المثلث»، وأن تفضّل الصين جبهةً مع دولٍ ضعيفة على التسوية مع الغرب، وهذه كلّها صعبة التحقق).

بكلمات أخرى، الراديكالية التي خرجت في القرن العشرين قد هُزمت، ولم تصعد بعد جذريّة قرننا هذا، وفي هذه المرحلة «الوسطى»، يكتب سمير أمين، تكثر الكوارث والوحوش، وتكون احتمالات الفشل لتجارب المقاومة المعزولة أكبر من احتمالات النجاح. يفصّل الكاتب عدّة «أوهامٌ» تعتنقها النّخب الحاكمة في دول الجّنوب: وَهْمُ الدخول في المنظومة و«اللحاق» بالدّول المتقدّمة (وهذا يحصل غالباً تحت تأثير مكاسب اقتصادية آنية أو تحقق نموٍّ مرحلي، فيتخيل الحكّام بأن بلدهم أصبح على طريق ألمانيا)، وهْمُ انتاج «رأسمالية انسانية» عبر «إصلاحات» معيّنة، ووهْمُ العودة الى الماضي تروّج له حركات إثنية ودينية. الصّين كانت استثناءً، نجحت في «اللحاق» لأنّها قامت بثورةٍ ماوية وحكمتها نخبة ايديولوجية متماسكة وأقرّت اصلاحاً زراعياً حلّ «المسألة الريفية»؛ الهند والبرازيل ــ مثلاً ــ ليستا قادرتين على تحقيق الإنجاز نفسه، وهما تراوحان مكانهما بين ضغوط السوق العالمية، والريف الفقير، ونخبهما المعولمة.

من الطريف أنّ هناك انطباعاً رائجاً لدى الكثير من العرب بأنّ مدرسة التبعيّة والنظام العالمي تنادي بالانعزال والتقوقع والانفصال عن الاقتصاد العالمي، وهذا يعني امّا أنهم لم يقرأوا أدبيات هذه المدرسة في الاقتصاد السياسي منذ الستينيات، أو أنّهم لم يستوعبوا مفهوم «الفصل» de-linking، وفسّروه على أنّه دعوة للانغلاق (في الحقيقة، حتّى حين كان أمين، في الستينيات، يدعو الى اقامة تجمعات اقليمية في غرب افريقيا للاستقلال عن السوق الغربي، فهو كان يتكلّم على خلق أسواق تبادل واسعة، مندمجة مع معسكر اشتراكي داعم يغطي ثلث الكوكب. ومنذ هزيمة الاشتراكية، يكتب منظّرو التبعية بوضوح أن خيار المشروع المنعزل أو التجارب «الاختبارية» لن يكتب لها النجاح في سياق الهيمنة ــ هناك عدّة زوايا من الممكن عبرها نقد «نظرية التبعية»، ولكنّ باران وسويزي ومويو وأمين وزملاءهم ليسوا بهذه السذاجة والتبسيط). يقترح أمين ما يسميه «المشروع الشعبي السيادي» كطريقٍ لدول الجنوب في عصر الهيمنة، وهو ينادي بأن يكون الاقتصاد موجّهاً صوب الداخل، يسعى الى الاعتماد على النفس وحيازة أدوات التصنيع، وبـ«سيادة غذائية» عمادها تنمية الريف، وبممارسة «ديمقراطية شعبية» تسمح لهذا النظام بالاستمرار وباعادة انتاج نفسه.

هذه الوصفة، بمعنى ما، ليست جديدة وخلافية: كلّ الدول التي نجحت في مسار التنمية بلا استثناء، من ألمانيا وفرنسا الى كوريا واليابان، سارت على نهج «الاعتماد الذاتي» ــ وخاصة في مراحل النمو الحاسمة ــ وليس على نهج فتح الأسواق لمنتجات الخارج ورساميله. المسألة الزراعية، كما يشير العديد من الدارسين، لا بديل من حلّها في دول الجنوب والا ستظلّ الدّولة تحت ضغط «الفائض السكاني» الآتي من ريفٍ لم تحصل فيه تنمية (الفكرة هي أنّ النمط الاوروبي في تأسيس رأسمالية زراعية وملكية فردية في الريف نجحت هناك فقط لأن «الفائض» ــ أي ملايين الفلاحين الاوروبيين الفقراء الذين لفظتهم الرأسمالية ــ كانوا يصدَّرون الى «العالم الجديد»، يقول سمير أمين، ونحن اليوم لا نملك «اميركا واستراليا»، ولا هي كافيةً أصلاً لاستيعاب «الفائض» في دول الجنوب).

الحالة العربية و«الاسلام السياسي»

في النقاشات عن «التغيير» في بلادنا، والشكوى من غياب «بديل تقدمي» أو يساري أو اشتراكي، ينطلق الكثير من النّاس من فكرة أنّ التاريخ احتمالاته مفتوحةٌ بالكامل، وأنّ أيّ مشروعٍ يمكن أن ينشأ في أي وقتٍ ومكان. جزءٌ أساسي من قراءة الماضي والحاضر هو أن نفهم أنّ كلّ سياقٍ تاريخي تجد نفسك فيه يفتح احتمالاتٍ ويغلق أخرى؛ وأنّك ــ في اليمن مثلاً ــ قد ينتهي مشروعك وتسقط مقاومتك لأنّ الاتحاد السوفياتي تراجع وانهار، بصرف النظر عما تفعله أو لا تفعله. حين يستغرب هؤلاء صعود الحركات الاسلامية في مجتمعاتنا، ويعتبرونها خطوةً الى الوراء ونكوصاً عن تقليد الحداثة الكونيّة، فهم يرتكبون هذا الخطأ بالتحديد.

منذ الثمانينيات على الأقلّ، كانت الاشتراكية في تراجعٍ وانهزام، والجميع مؤمن بتفوّق النظام الرأسمالي الليبرالي، والاشتراكية توازي في رؤوس الناس الفقر والبيروقراطية فيما الرخاء والنمو تستعرضه الدّول الغربية. البلدان الاشتراكية نفسها كانت تتخلى عن سياساتها وتحاول العبور الى الضفّة الأخرى (ويستسلم أكثر مثقّفيها على المستوى النظري والفكري لسطوة السوق). في هذا السياق السياسي (حتى قبل سقوط الاتحاد السوفياتي) ليس من الممكن أن نتخيّل «بديلاً يسارياً» أو اشتراكياً يخرج فجأةً في العراق أو اليمن. بلادٌ ضعيفة مهدّدة وسياقٌ دولي تتقدّم فيه الهيمنة الليبرالية وتسود. لم يكن هناك دعمٌ دولي أو استعداد لحركةٍ كهذه، ولو صادف أن خرجت ثلّة من النّاس وقالت «الشيء الصحيح»، وطالبت بالاشتراكية مثلاً، فإنّ أحداً لن يتبعها في هذا الظرف التاريخي وسيسخر منها النّاس.

بمعنى آخر، مع انهيار المرجعية الكونية الماركسيّة، أصبحت أيّ حركة علمانية في العالم العربي تستلهم من التقليد الحداثي الغربي، وتتبع تياراته، تجد نفسها مباشرةً في المعسكر الليبرالي المهيمن، «الكونية البديلة»، وستنحو ــ لا محالة ــ نحو اسئلة «الديمقراطية» والانتخابات وخطاب المنظمات الدولية، الذي لا يستجيب لحاجات شعوبٍ تتعرض للغزو والإفقار ولا يحلّ مشاكلها. إنّ توقّع حركة ثورية شعبية في منطقتنا، تستند الى تراثٍ ماركسيّ مثلاً، هو محض مغالطة تاريخية بعد انهيار التجربة الشيوعية عالمياً. لهذا السّبب، من بين أسباب أخرى، كانت التنظيمات الوحيدة التي خرجت لمقاومة المدّ الغربي هي حركات اسلاميّة، ترتكز الى رأسمال رمزي محلّي، وتنطلق من تراث النّاس وعقيدتهم، فهذا كان كلّ ما تبقّى لهم.

هذه من الأسئلة التي لا يجيب عليها سمير أمين وآخرون، ويكتفون بتقديم «خريطة طريق» وانتظار تغييرٍ على المستوى الدولي، أو في المركز الغربي، يخلق شروطاً جديدة ويسمح بتحقيق «الوصفة». مثلما خرجت حركات اسلامية كانت صوتاً للمقاومة، وغيّرت تاريخ المنطقة والعالم، خرجت حركاتٌ أخرى من رحم المخابرات الأميركية والخليجية؛ ومثلما اعتمدت حركات اسلامية التنظيم الشعبي وجمعت حشود الفقراء، روّجت أخرى للرأسمالية ولاقتصاد السّوق. الفكرة هنا هي أنّه، قبل أن «تلوم» المقاومة على أنّها اسلاميّة، وتعتبر أنّ كلّ هذه الحركات سواء، عليك أن تفهم البديل المحتمل الذي كان يلوح في الزمن ذاته (حركات دينية محافظة ورجعية، تهتمّ حصراً بالطائفة والمذهب ولا تعادي الغرب، مع نخبةٍ تسيّر النّاس بقوة التقليد والخرافة)، وعليك أن تشرح لنا من أين، تحديداً، كانت ستخرج هذه «المقاومة العلمانية» في مجتمع عربي مهزوم، وسياق دولي معادٍ.

خاتمة

عودةً الى سمير أمين، هو يقول إنّه من الممكن للقومية أن تأخذ أكثر من شكل: قوميّة تحرريّة على طريقة حركات العالم الثالث، أو ــ على المقلب الآخر ــ خطابٌ تستخدمه نخبٌ حاكمة لتشريع النظام واستغلال الشعب. الفارق بين الاثنين هو الموقف من الغرب والامبريالية وجذريته. نهج المقاومة يدفعك ــ تلقائياً ــ الى طريق الاكتفاء الذاتي، والتحالف مع باقي دول الجنوب، والتحضّر لمقاومة الغربيين وحلفائهم عسكرياً. أمّا وهم «الانضمام واللحاق» فهو يجعلك ترى نفسك كمنافسٍ لجيرانك، ويكون نموّك و ارتقاؤك عبر استغلال البلاد الأفقر منك. وقد عبَرت أكثر من حركة استقلالية، خاصة في افريقيا، من النموذج الأوّل الى الثاني، وترافق فشل التجربة الوطنية في كثيرٍ من الحالات مع انكفاء الأنظمة الحاكمة الى حركات اثنية أو قومية موالية للغرب (كما في اثيوبيا وكينيا وغيرها).

فهِمَ الفنزويليون، منذ «استدارة» تشافيز الراديكالية، أنّه من الصعب أن تواجه كلّ هذه العناصر والأعداء وانت بلدٌ صغير وحيد، وحاولوا (على نهج أسلافهم الاشتراكيين في فنزويلا السبعينيات) مدّ جسور تعاونٍ مع دول الجنوب والصين وخلق «تكتّل» بديل، وربّما هم بالغوا في تقدير امكانيات مشروعٍ كهذا في عصرنا الحالي. لم تؤدّ هذه المحاولات الى نتائج ملموسة، بل وتراجعت العديد من الحكومات اليسارية في اميركا اللاتينية وسقطت، ويجد النظام الفنزويلي اليوم نفسه «محاصراً» سياسيا في قارّته نفسها. العبرة هنا هي أنّ نهاية العالم الأحادي الذي نعيش فيه، وتفكيك الهيمنة الغربية على مصائرنا، هو طريقٌ طويل ــ وقد لا نراه حتّى في أيامنا ــ وسيتخلّله فشل تجاربٍ وهزائم وتضحيات هائلة. ولكن، إن كان طريق المقاومة محفوفاً بالخطر واحتمال الهزيمة، فإنّ اختيار الاندماج في النّظام الرأسمالي العالمي يعني تلقائياً، بالنسبة الى أغلب شعوب العالم، الهزيمة المضمونة ــ فقرٌ ومكانٌ دونيّ وخسارة للسيادة. لا توجد وصفاتٌ جاهزة لبناء «العالم الجديد» ولكنّك، حين تتأمّل الخيارات، تفهم أن الطريق يبدأ مع سؤالٍ أساسي واحد، يحدّد كلّ ما يأتي بعده، وهو أهمّ من الهوية الايديولوجية أو المرجعية الفكرية أو الحزبيات الضيقة: هل تريد أن تقاوم، حقّاً، أم لا تريد؟

:::::

“الأخبار”

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.