ردي على مقالة الدكتور أسعد عبد الرحمن “بشأن الطريق الثالث”، بقلم د. فارس حلمي*

يفتتح الزميل الدكتور أسعد عبد الرحمن مقالته موضوع النقد والتعليق بما يشبه اللطم على الوضع الفلسطيني المأساوي.  ولا ألومه على ذلك. فهذا الحال لا يعطينا ادنى بارقة أمل بإمكانية استعادة حقوقنا المغتصبة كعرب وكفلسطينيين.

ومن باب أن من اجتهد وأخطأ فله درجة، كانت هذه المساهمة المتواضعة.  ومن هنا يبدأ الخلاف بين اجتهاد الزميل الدكتور أسعد واجتهادي المتواضع .

أولا –  يعزو الزميل الدكتور أسعد عبد الرحمن الفشل الفلسطيني الذريع إلى الانقسام الفلسطيني / الفلسطيني، وكيف أن هذا الحال تطور ليبلغ مرحلة خطيرة هي مرحلة ” التخلص من الآخر”.

في رأيي المتواضع أن الفشل الفلسطيني لا يعود إلى الانقسام الفلسطيني.   ففي أثناء حياة الرئيس الراحل المرحوم ياسر عرفات لم يكن هناك انقسام، ولم يتحدث أحد عن انقسام. ورغم ذلك  تم تشريد المقاومة الفلسطينية بعيدا بعيدا عن لبنان وعن فلسطين، وحدث توقيع اتفاقيات أوسلو الماساوية . وبموجبها سافر الرئيس عرفات بطائرته الخاصة إلى جميع دول العالم  مطالبا تلك الدول بإقامة علاقات مع إسرائيل أو إعادة تلك العلاقات إذا كانت قد قطعتها بعد حرب عام 1967. كما ذهب إلى الأمم المتحدة وطالبها بإلغاء القرار الذي أصدرته الجمعية العامة والذي يساوي بين الصهيونية والعتصرية،كما بدأ التنسيق الأمني مع دولة إسرائيل. علما بأن المرحوم الرئيس عرفات بدأ عهده الطويل بالموافقة السرية على قرار 242 عام 1968 وذلك عندما اصطحبه المرحوم الرئيس جمال عبد الناصر في زيارته إلى موسكو.  وهذا ما ذكره ووثقه المرحوم الأستاذ محمد حسنين هيكل في كتابه  “المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل” ، كما ذكره الاستاذ هيكل عدة مرات في أحاديثه التلفزيونية.  أما مغزى قرار 242 فهو باختصار حلال لإسرائيل ما اغتصبته عام 1948 وعلينا فقط ان نتفاوض على استعادة أو تحرير ما تم احتلاله عام 1967.  وها نحن مستمرون في التفاوض العبثي لفترة تزيد عن خمسين عاما على أساس  من قرار 242 وهو يعني التنازل عن ثلثي ثرى فلسطين على الأقل.   ويعني التنازل عن جزء من ثرى الوطن  في اي لغة أو في أي بلد أو اي عرف أو دستور، الخيانة الوطنية العظمى. علما بأن التفاوض مع العدو بدأ منذ عام 1968 بلقاءات سرية في المغرب ببين المرحوم صلاح خلف (أبو إياد)  والجنرال الأميركي وولترز.

وبعد التوقيع على اتفاقيات أوسلو اجتمع الرئيس المرحوم عرفات مع المرحوم الملك الحسن الثاني.  ويروي جلالة الملك في مذكراته أنه سأل ياسر عرفات عن سبب استعجاله لأن هؤلاء الاسرائيليين لن يعطوه شيئا ؟  فكان رد الرئيس المرحوم عرفات كما يروي جلالة الملك في مذكراته  كما يلي : ” لم يبقى من العمر قد ما مضى “.   أليس هذا العذر أقبح من ذنب ؟

بعبارة أخرى، بدأت المآسي جبعها في الزمن الجميل.    زمن الوحدة الفلسطينية.  أليس كذلك  ؟ ؟ ؟

أما انقسام الشعوب حول أي قضية من القضايا، أو أي مشكلة من المشاكل المستعصية، فهو ظاهرة اجتماعية طبيعية يشترك فيها الفلسطينيون مع بقية البشر أو بقية المجتمعات.   فهذه المسالة او الظاهرة ليست حكرا على الفلسطينيين.  هذه ليست مشكلة أو عيبا أو مرضا  يعاني منه الفلسطينيون بصفة خاصة. وأتمنى في هذا السياق على الزميل الدكتور أسعد وهو الاستاذ الجامعي المتميز أن يعطينا مثلا  واحدا على مجتمع حارب المحتلين وهو متحد.

وبسعدني أن أذكر للزميل الدكتور أسعد فيما يلي عدة أمثلة هو يعرفها وتؤكد صحة ما أذهب إليه. وما أرمي إليه هو أن الإنفسام الفلسطيني ليس سببا للفشل الفلسطيني.

1 – أغلبية الشعب اللبناني الشقيق لم تكن إلى جانب حزب الله. بل كان هناك جيش لبنان الجنوبي ضده، وهو ليس سوى فرقة عسكرية إسرائيلية جنودها لبنانيون ينتمون إلى جميع الطوائف.  ومع هذا هزم حزب الله المظفرإسرائيل مرتين .

2 – شعب اليمن الجنوبي العربي انتصر على بريطانيا وهو منقسم عام 1967

3 – شعب الجزائر العظيم انتصر على فرنسا وكان هناك  أكثر من ربع مليون شرطى جزائري يحاربون إلى جانب جيوش المرتزقة الفرنسية في الجزائر.

4 – فيتنام المنتصرة على الولايات المتحدة الأمريكية رغم وجود دولة فيتنامية جنوبية، ولديها جبش قوامه 4 مليون عسكرى فيتنامي يحاربون إلى جانب أميركا ضد الثوار الفيتناميين وهم قله

5 – انتصرت ثورة جنوب افريقيا بقيادة مانديلا وحزب المؤتمر الوطني الأفريقي، على نظام الفصل العنصري، رغم ان غالبية القبائل الأفريقية كانت معارضة لإلغاء نظام الفصل العنصرى.  وكان معظم جيش جنوب افريقيا العنصرية من ابناء القبائل الأفريقية. ورغم ذلك انتصر ت الفئة الفليلة المناضلة من أجل إلغاء نظام الفصل العنصري.

إذن ومرة أخرى …الانقسام الفلسطيني ليس سبب الفشل الفلسطيني . علينا ان نبحث عن أسباب أخرى للفشل الفلسطيني.

ثانيا : – يؤيد الزميل الدكتور أسعد عبد الرحمن دعوة صديقنا المشترك الدكتور شفيق الغبرا إلى بلورة طريق ثالث في المشروع الوطني الفللسطيني من أجل إنجاز ما عجزت عن إنجازه الحركات والأحزاب الفلسطينية التي تبلورت ما بعد نكبتنا وهزيمتنا  عام 1948 وإلى هذه اللحظة من عام 2017.

ثالثا : المشكلة أوالخطأ الفادح في دعوة الدكتورين الكريمين  تكمن في أنهما يتبنيان نصيحة  “الخبيرالقانوني الدولي الشهير ريتشارد فولك ” للفلسطينيين في أن اتباع طريق المقاومة السلمية الذي سلكه حزب المؤتمر الوطني الإفريقي، وجوهره المقاومة السلمية الفاعلة، أي الدعوة  السلمية لمقاطعة دولة جنوب أفريقيا العنصرية اقتصاديا.  ونظرا لنجاح ذلك الأسلوب في جنوب افريقيا، فلا بد أن ينجح هذا الأسلوب أيضا في فلسطين كما يرى الخبير القانوني الدولي الشهير.  ويبدو أن الدكتورين أسعد وشفيق مقتنعان بما ذهب إليه الخبير القانوني الدولي. فالدكتور أسعد يقول….. لربما فقط عبر هذا الطريق الثالث الذي يقترحه الخبير القانوني الدولي، سيتمكن الشعب الفلسطيني من الخروج من كامل منظومة الأزمات الداخلية والخارجية،  ويغذوا السير حثيثا في إطار جبهة وطنية عريضة لتحقيق بنود برنامج الحد الأدنى الوطني الفلسطيني.

رابعا : – إذا كان الزميلان الدكتوران أسعد  وشفيق يظنان أو يعتقدان أن نلسون مانديلا دخل السجن لفترة تقترب من ثلاثة عقود لأنه كان يدعو سلميا إلى المقاطعة الاقتصادية لدولة جنوب افريقيا العنصرية فتلك مسألة تدعوني إلى البكاء حزنا على شعبي المسكين وعلى صحافتنا الوطنية المناضلة التي تنشر كلاما يبتعد عن الحقيقة مسافة مليون ميل.  مانديلا العظيم دخل السجن لأنه كان القائد العسكري لجيش الشعب وهو مؤسسه  ورئيس هيئة أركانه.  مانديلا كان يقود الكفاح المسلح في جنوب أفريقيا.

أي أن حزب المؤتمر الوطني الافريقي انتصر وحقق برنامجه السياسي بعد أن أصبح مانديلا عضوا في اللجنة المركزية وأقنعهم بضرورة تبني طريقا كفاحيا جديدا،  ألا وهو “الكفاح المسلح” بديلا لطريق النضال السلمي الذي اتبعوه طيلة أربعين سنه.  مانديلا اقنعهم قانونيا وهو الخبير القانوني بضرورة الانتقال من منهج المقاومة السلمية، التي أثبتت عقمها طيلة أربعين سنة،  إلى منهج الكفاح المسلح على الطريقة الجزائرية والفيتنامية.  وشرح مانديلا ماحدث في تلك المرحلة الحاسمة من النضال الوطني الجنوب افريقي في ستة فصول من سيرته الذاتية، وعلى وجه التحديد من بداية الفصل رقم 40 إلى نهاية الفصل رقم 45 من  كتابه “مسيرة الحرية الطويلة Long Walk to Freedom” . مرة أخرى، أرجو ملاحظة ان منظمة التحرير الفلسطينية تتفاوض بطريقة عبثية منذ خمسين عاما بالتمام والكمال ودون أن يتحقق أي أمل من آمالنا.

كان على الزميلين أن يبحثا عن المعرفة أو عن الحقيقة في مصادرها الأساسية وليس الثانوية.  الخبير القانوني الدولي الشهير  يصلح لأن يكون مصدرا أساسيا لمشكلات قانونية، وليس لقضية تاريخ حزب أو تاريخ وطن. هنا نحن بحاجة إلى مؤرخ محترف محترم أو مذكرات  الأبطال الذين صنعوا التاريخ أو الآحداث ذاتها من قبيل مانديلا أو لوثولي أو بقية أعضاء اللجنة المركزية أو كبار رجالات دولة جنوب افريقيا ومناضليها.

خامسا : – أمر غريب ومريب معا

مع احترامنا للخبير القانوني الدولي ريتشارد فولك، وتقديرنا لنصيحته بأن يتبنى الشعب الفلسطيني أسلوبا نضاليا ناجحا تمت تجربته في جنوب أفريقيا وهو اسلوب الدعوة السلمية إلى المقاطعة الاقتصادية لدولة جنوب أفريقيا العنصرية، رغم أن حزب المؤتمر الوطني الأفريقي كان قد تخلى رسميا عن النضال السلمي منذ بداية خمسينيات القرن العشرين. أي أن حزب المؤتمر الوطني الأفريقي تخلي منذ سنوات كثيرة عن ما يدعونا إليه السيد فولك.

الغرابة فتكمن في أن خبيرا في القانون الدولي في قامة ومكانة رتشارد فولك، ورغم اهتمامه بقضية التمييز العنصري في جنوب أفريقيا، واهتمامه بتاريخ كفاح الأفارقة ضد ذلك النظام الظالم، لا يعرف شيئا عن محاكمة نيلسون مانديلا التي شغلت الدنيا.في ذلك الزمان ، كما أنه من الغريب ان لايكون قد قرأ دفاع مانديلا عن نفسه، كقائد لحيش الشعب،  وهو يلبس جلد النمر والذي استمر لأربع ساعات متواصلة ونشرته جميع صحف شعب جنوب أفريقيا وعشرات  من الصحف التقدمية في جميع أنحاء العالم.

من الغريب أن لا يعرف السيد ريتشارد فولك شيئا عن التهمة الموجهة  لمانديلا وهي قيادته وقيامه بأعمال حربية كفاحية ضد دولة جنوب افريقيا العنصرية.   من المستحيل أن لا يكون السيد فولك على معرفة وعلم بتفاصيل الاتهام وطبيعة الحكم الظالم الصادر عن المحكمة العنصرية بحق العظيم مانديلا.

وإذا كانت ملاحظاتنا السابقة مبررة ومنطقية، فهذا يعي أن السيد فولك عندما نصح شعبنا بأن يتبنى أسلوب الدعوة السلمية لمقاطعة الدولة العنصرية اقتصاديا، كان يعرف حق المعرفة أن حزب المؤتمر الوطني الأفريقي  قد تبنى أسلوب الكفاح المسلح.

إذن ومرة أخرى، من غير المعقول أو الممكن أن لا يكون السيد فولك عالما علما يقينيا بالتغير الذي  طرأ على الأسلوب الكفاحي لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي، الا وهو تبنيه لأسلوب الكفاح المسلح بدلا من أسلوب النضال السلمي لمقاطعة جنوب أفريقيا اقتصاديا.

إذا كان استنتاجنا هذا معقولا ومنطقيا، فلماذا يتطوع السيد ريتشارد فولك الخبير القانوني الدولي الشهير بتقديم نصيحة للشعب الفلسطيني ليتبنى أسلوبا نضاليا فاشلا  لفظه حزب المؤتمر الوطني الأفريقي بعد أن جربه ومارسه لمدة اربعون سنة دون تحقيق أي نجاح.  لماذا يقترح السيد فولك على شعبنا تجربة اسلوب فاشل ولم يحقق أي نتيجة ولو متواضعة.  أي أن المشروع المقترح يتميز بأنه عبثي ولن يؤدي إلى إضعاف دولة إسرائيل، وعليه لن يؤدي إلى استعادة الشعب الفلسطيني لحقوقه المغتصبة، وستبقى بفضله دولة إسرائيل العنصرية قوية وثابتة وقادرة على تقديم خدماتها الجليلة للإستعمار الذي أنشأها ورعاها منذ أن كانت فكرة وخطة في رأس نابليون بونابرت.

بعبارة أخرى، قد يؤدي اقتراح السيد فولك إلى اقتناع بعض الفلسطينيين به؟  وهكذا قد ينشأ تنظيم فلسطيني جديد يكافح بطريقة عبثية إضافة إلى التظيمات التي تم تاسيسها في مراحل سابقة وما زالت تناضل بطرائق عبثية ولفترة تزيد عن خمسين سنة ولا يوجد هناك من يتساءل مثل مانديلا عن إلى متى سيستمر هذا النضال الفلسطيني العبثي، والذي نعرف نتائجه مقدما ألا وهي سنوات تضاف إلى عمر دولة إسرائيل.

                                            وكان الله من وراء القصد

*أكاديمي عربي متقاعد

:::::

“رأي اليوم”

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.