فلسطين- تَدوين وقراءة الأحداث التاريخية بين المُسْتَعْمِرِ والمُسْتَعْمَر، الطاهر المُعِز

نشر الموقع الإلكتروني “حقائق” (تونس) بتاريخ 13 تموز/يوليو 2017 مقالاً للباحث والمُدَرِّس بالجامعة التونسية “عبد اللطيف الحَنّاشي” بشأن قراءة الأحداث التاريخية في فلسطين و”دور المؤرخين الجدد في هدم الأساطير المؤسسة للكيان الصهيوني” وفق ما ورد في العنوان، ولن أعتبر ما سأوردُهُ من ملاحظات بمثابة الرّد أو الجدل مع المؤرخ بل هي ملاحظات مُكَمِّلَة لما أورده، والذي أتّفق مع جوْهَرِهِ، رغم الإخْتلاف مع بعض ما ورد في وَرَقَتِهِ.

لقد أَدْرَكَ الفلسطينيون مُبَكِّرًا خطَرَ المشروع الصّهيوني على وطنهم وعلى وُجودِهم، ومن الوثائق التي نَشَرَها المُؤَرِّخون الفلسطينيون والعرب رسالة بعثها مُثَقَّفُون فلسطينيون إلى “الباب العالي” (سلطة الإحتلال العثماني) سنة 1890، أي قبل انعقاد أول مؤتمر صهيوني، تُنَبِّهُ لخطورة المشروع الذي بدأ بشراء أراضي الأثرياء الذين يسكون بيروت أو دمشق أو القسطنطينية (اسطنبول حاليا)، وتطالب بوضع حدٍّ للهجرة ولإنشاء المستوطنات وبيع الأراضي، وما هذه سوى إحدى الوثائق التي نشرتها إحدى الصّحف آنذاك، ومن واجب الباحثين والمُؤرخين التنقيب عن مثل هذه الوثائق التي تُفَنِّدُ الروايات الصهيونية والأوروبية.

إلى جانب هذه الإحتجاجات “السّلمية” بواسطة العرائض والمراسيل، قاوم الشعب الفلسطيني ومعه العديد من العرب الإحتلال البريطاني الذي وعد الحركة الصهيونية بمنحها ما لا يملِك (لمن لا يستحق)، وقاوما نتائج اتفاقية “سايكس-بيكو”، ويَذْكُرُ التاريخ إضرابات وثورة 1929- 1932 وكذلك ثورة 1936، رغم النقد الذي وجّهَهُ الكُتاب والمُؤرخون لطبيعة هذه الثورات وقياداتها (انظر غسان كنفاني بخصوص ثورة 1936 مثلاً، وهو ليس مُؤَرِّخًا) وأعدمت قوات الإحتلال البريطاني العديد من المقاومين الفلسطينيين، طيلة فترة “الإنتداب”، ويخَلِّدُ التراث الشعبي الفلسطيني عددا من هذه الوقائع.

ظهرت الرواية الفلسطينية للنكبة وللأحداث التي سبقتها ولحقتها منذ 1949 ونشر كُتاب فلسطينيون شهادات ووثائق يصعب الطعن في صحتها سنة 1953، ولكن المؤسسات الأكاديمية “الغربية” (أي الأوروبية) لا تعترف بمثل هذه الروايات التي يدونها المُسْتَعْمَرُون، لذلك يمكن أن نقول ان كُتُب “إيلان بابيه” أو “آفي شلايم” أو “بني موريس” هي “بِضاعتنا رُدّتْ إلينا”، وهذا لا ينفي أهمّية اعتراف هؤلاء المُؤرّخين (بفضل الوثائق) بفساد الرواية الصهيونية للأحداث وللتاريخ.

عندما أصبح الإطّلاع على جزء من الوثائق (الأرشيف) البريطانية والصهيونية مُتاحًا للباحثين، خلال عقد ثمانينيات القرن العشرين، اكتشف “المُؤَرِّخُون الجُدُد” صحّة الرواية الفلسطينية للأحداث، ويعترف “إيلان بابيه” أنه لم يُضِف شيئًا إلى ما كتبه ودَوّنَهُ الفلسطينيون في وثائقهم أو في تدوين وتوثيق الروايات الشفهية، لكنه أعلن بصراحة أن المُؤسّسات الأكاديمية الأوروبية (والأمريكية) تعتبر المثقفين الصهاينة عمومًا ومنهم “المؤرخون الجدد” جزءًا منها، لذلك نشرت كتاباتهم، ولو بشكل محدود جدًّا، ويجدر التّذْكِير ان دور النّشر الفرنسية رفضت ترجمة ونشر معظم الكُتُب التي نشرها “المُؤَرِّخُون الجُدُد” بالعبرية أو باللغة الإنغليزية.

تَجْدُر الإشارة إلى انتماء “المُؤَرّخين الجدد” إلى تيارات مختلفة لكنهم ينتمون كلهم للأكاديمية الصهيونية التي يتلخص دورها في تكملة دور الجيش، ويتّفق جميعهم ان مسألة عودة اللاجئين (رغم وجود قرار الأمم المتحدة رقم 194) لا يمكن تحقيقها أو تنفيذها، لأنها تُقَوِّضُ وجود الكيان الصهيوني، ويذهب “بني موريس” أبعد من ذلك حيث كتب “كان يجب قتلهم أو طردهم جميعًا وعدم ترك أقَلِّية فلسطينية أصبحت تمثل مُشكلة عويصة”، فيما تطوّرت رُؤْيَة “إيلان بابيه” تدريجيا من خلال اكتشافاته حتى تاريخ هجرته إلى بريطانيا بسبب المضايقات التي تعرض لها من نظام الحكم وحتى من زملائه (وهو مولود في القدس قبل إعلان دولة الإحتلال) ولكنه لا يَدْعَمُ مطلب عودة اللاجئين، بل أصبح (بعد تَطَوّر مواقفه) يعتبر ذلك قابلا للنقاش، وهنا يقف أيضًا دعم الحركات والشخصيات “اليسارية” الغربية.

رغم شجاعة بعض هؤلاء المُؤَرِّخِين الجدد لا يجب التهويل من دورهم وتأثيرهم، فهو ضعيف جدا جدا داخل فلسطين المحتلة ولا يكاد يُذكر خارجها، وبشكل عام يصعب العثور على “مواطنين” صهاينة (هناك فرق في تشريعات العدو بين الجنسية والمُواطَنة) يَدعمون حق الشعب الفلسطيني في وطنِهِ، ولا يبلغ عددهم العشرة على أقصى تقدير، لأن جميع السكان المُصَنّفين في خانة “اليهود” يستفيدون من نظام الإحتلال، فهو احتلال استيطاني اقتلاعي ينفي وُجود “الآخر” ويحتل جميع المهاجرين “اليهود” مساكن وأراضي الفلسطينيين ويتمتَّعُون بامتيازات على حساب أصحاب البلاد الشّرعيين، الذين لا يعتبرون فلسطين “مكانًا” بل “وطنًا” وَرثُوه عن أجدادهم الكنعانيين، ولا يُسْتَثْنى من ذلك المواطنون العرب اليهود (المزراحيم أو ما اصطلح على تسميتهم “سفارديم”) الذين هاجروا طوعًا أو غَصْبًا إلى فلسطين، فهم يتمتعون بامتيازات على حساب الفلسطينيين، رغم عنصرية يهود أوروبا (“اشكنازيم”) ضدهم، ورغم ردعهم من التخاطب بالعربية ومنعهم من المحافظة على بعض العادات والتقاليد العربية.

إن هؤلاء المُؤرخين الجدد، رغم اختلافاتهم ورغم انتمائهم للمجتمع الصهيوني، هم أكثر صراحة وشجاعة و”نزاهة أكاديمية” من “حَنّا آرندت” التي تابعت محاكمة “آيشمان” في القدس، وكتبت المجلّدات في نقد “الدولة” أو الحكومات الصهيونية، دون ذكر الفلسطينيين، فالفلسطيني (صاحب الأرض وصاحب البلاد) غائب تمامًا من كتاباتها اليومية ومن تحليلاتها، ناهيك عن الغموض الذي يكتنف علاقاتها مع الفيلسوف “هايدغر” الذي ساند النظام النّازي في ألمانيا وكان ضابطًا في الجيش الألماني أثناء الحرب العالمية الثانية، وهم كذلك أكثر شجاعة ووضوحًا من منافق خبيث جدًّا مثل “نوعام شومسكي” وهو عالم لسانيات بارع في ميدان اختصاصه، وهو ناقد شرس للإمبريالية الأمريكية، لكنه لا يحتمل نقد الكيان الصهيوني (كدولة وكيان مُحْتَلٍّ لوطن الغير) ويفقد اتّزانه عند الحديث عن اللاجئين الفلسطينيين أو عن أي حقوق للشعب الفلسطيني، حيث يعتبر ذلك تقويضًا “لإسرائيل” التي يراها مَلاَذًا ضَرُورِيًّا لليهود (الغاية تُبَرِّرُ الوسيلة؟)، ويُهاجِمُ بشراسة من يُذَكِّرُهُ بحياته لعدة سنوات في “كيبوتز” صهيوني حيث كان يعمل لصالح الإحتلال، عن دراية ووَعْي بمكانة الكيبوتز في الإستعمار الإستيطاني لفلسطين.

إن قضية فلسطين هي قضية احتلال من نوع خاص، لا مثيل لها في تاريخ البشرية، وأعلن القادة المُؤَسِّسُون صراحة انهم يُعَوِّلون على مُرُور الزمن لتصبح دولتهم “عادية” مثل الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلاندة، حيث أباد المُسْتَوْطِنُون الأوروبيون السكان الأصليين واحتلوا أرضهم وبلادهم، وصرح دفيد بن غوريون، أحد القدة المُؤسسين لدولة الكيان الصهيوني بشأن اللاجئين الفلسطينيين: “سيموت الكبار وسوف ينسى الصِّغار”… إن وجود اللاجئين الفلسطينيين قريبًا من فلسطين ووجود المقاومة يُعَسِّران إلغاء حقوق اللاجئين (أي الشعب الفلسطيني)، لذلك فإن العالم (بتواطؤ من الحكام العرب، وسلطة أوسلو وقبلها منظمة التحرير) يلْهُون الشعب الفلسطيني والشعوب العربية بالحديث منذ عقود عن حل “الدولتين” وهو حل غير واقعي ويعني في جوهره الموافقة على تقاسم الوطن مع العدو الذي يُلْغِي وجود السكان الأصليين ولن يقبل بهذا “الحَل”، وهي من جهة أخرى قضية الشعب الفلسطيني والعرب وكافة أحرار وتقدمِيِّي العالم.

لقد عَرَّفَ “ثيودور هرتزل” وظيفة الدولة الصهيونية بانها تُمثل “جدارًا يفصل بين الحضارة الغربية والتخلف العربي، وتمنع التواصل بين عرب آسيا وعرب افريقيا”، وذلك في رِسالته إلى بعض الحُكام الأوروبيين منهم رئيسي حكومتي فرنسا وبريطانيا، ويعْلن “هرتزل” صراحة ان المشروع الصهيوني مشروع استعماري، مُكمِّل للإمبريالية، ولذلك تَدْعم الإمبريالية الأمريكية والأوروبية دولة الإحتلال الصهيوني، ويمكن لهذا الكيان أن يصمد سنوات أو عقود، بسبب الدّعم الإمبريالي (السياسي والعَقَائِدي والعسكري والإقتصادي)، حيث تُسَدِّدُ ألمانيا لوحدها منذ 1953 ما يعادل إنفاق الكيان الصهيوني على كل الحُروب العدوانية التي شَنّها ضد العرب، فيما رفعت أمريكا قيمة المنحة العسكرية السنوية من 3,1 مليار دولارا إلى 3,8 مليار دولارا سنويا خلال السنوات العشرة القادمة (بداية من 2019) بالإضافة إلى تواطؤ الأنظمة العربية وعمالة القيادة الفلسطينية، وارتفعت عوامل صموده باكتشاف النفط والغاز على سواحل فلسطين واستغلال هذه الثروات المنهوبة بمساعدة شركة أمريكية، وكذلك بفضل عقد صفقات سياسية واقتصادية مع أنظمة عربية عديدة ومع سلطة الحكم الذاتي الإداري في رام الله، وبفضل دعوة بعض “النّخب” للتطبيع الثقافي أو الأكاديمي أو الرّياضي مع الكيان الصهيوني، وهذا النوع من التطبيع أشد خطرًا من التطبيع السياسي والإقتصادي أو حتى العسكري الذي يدعو له آل سعود وأولاد زايد وآل خليفة وآل ثاني وآل الصباح.

لا يكفي تَوصِيف الوضع، فهذا جزء من واجبات المثقفين أو المناضلين العرب (وتَقَدُّمِيِّي العالم)، بل وجب البحث عن حلول في ظل هجوم عسكري امبريالي قَسّم الوطن العربي إلى إثنيات وطوائف لتفتِيتِ ما أبْقاه مشروع “سايكس – بيكو”، ومن الخطإ إدراج قضية فلسطين بمعزل عن مُحيطها العربي، ولا يمكن تحرير فلسطين بمعزل عن ما يجري حولها، ولا يجب التعويل على “التناقضات الداخليّة” للكيان الصهيوني لأنها غير ذات بال رغم ما يكتبه أمثال “أبراهام بورغ” (لأنهم ينطلقون من الحرص على الكيان والخوف على مصيره، وليس دعمًا لحركات التحرر أو للشعب الفلسطيني)، فمقاومة الكيان بكافة الأشكال والوسائل المُتاحة (مع العمل على ابتكار وسائل غير مُتاحة حاليا) هي التي يمكن أن تُقوِّضَ الكيان، وتَحُدَّ من تدفُّق المُهاجرين ومن تدفق الإستثمارات الأجنبية والمحلية، كما يُمْكن للمقاومة أن تردع هؤلاء المُطَبِّعِين “العرب” الذين يدخلون فلسطين المحتلة بإذن وبتأشيرة صهيونية، بذريعة “زيارة السّجين” والإطلاع على أحواله وغير ذلك من عبارات النفاق.

إن صعوبة المُهمة لا يجب ولا يُمْكن أن تردعنا عن بث وترويج ثقافة المُقاومة، لدعم مقاومة الشعب الفلسطيني، وهذا أضْعف الإيمان، ولنا في عمليات شبّان الأراضي المحتلة سنة 1948 أحسن حافز للعمل على تقويض الكيان من الخارج ومن الداخل، مع اقتران برامج المُقاومة بضرورة بناء مجتمع عادل حتى لا تتجدد تجارب حكومات “ما بعد الإستقلال” التي أصبحت مُمَثِّلاً مَحَلِّيًّا للمُسْتعمر، أو تجربة “حماس” في غزة التي بدأت مُقاوِمَة وانتهت مُساوِمَة (مثل قيادة فتح) أو تجربة جنوب افريقيا، حيث أصبح قادة “المُؤْتمر الوطني الافريقي” يُمثلون البرجوازية التي تقمع عمال المناجم والبناء، فيما يواصل الفُقَراء نضالاتهم من أجل الحصول على أبسط مُقومات الحياة، منها الماء والكهرباء والرعاية الصحية والنقل، وغير ذلك من الخدمات التي حُرِمُوا منها خلال فترة نظام الميز العنصري.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.