مواجهة مفتوحة لصد الثورة المضادة: ما العمل عربيا وفلسطينيا … فلسطين من التسوية الى التصفية (الجزء الأول)، عادل سمارة

محاضرة في نتجى نبض البابي  في رام الله 18 تموز 2017

لعل أهم سمات الوضع العربي الجاري إثنتان:

  • انتقال استهداف الثورة المضادة للوطن العربي إلى العلنية وحتى باحتقار مقصود به التهديم النفسي والثقافي قبل العسكري مواصلة ووصولا إلى الحفاظ على آليات تجريفه أجنبياً وتجويفه محلياً على يد الأدوات الحالية للثورة المضادة.
  • وترافق و/أو استتباع ذلك بغياب الشارع قرابة الموت.

أغامر بالقول أن ما عدا هاتين السمتين ليس سوى من قبيل التفاصيل.

بل إن غياب الشارع أي فقداننا له، وعدم قدرتنا بعد على استعادته وتحريره،  هو جوهريا كسب الثورة المضادة له سواء بتجنيد بعضه أو موات أكثره لأن الطبيعي ان يكون الشعب هو المقرر. هذا الشارع الذي كان في الخمسينات وحتى الستينات يصارع من أجل الوحدة أضحى جسدا منطرح ارضا يتم قطع أي جزء منه دون تحرك الآخر، بل وبمساعدة جزء ضد آخر لصالح الثورة المضادة.

لقد تمكنت الثورة المضادة من تخريب الوطن العربي ونقله من وضع إلى آخر أدنى. ففي حين كان يعاني هذا الوطن من التجزئة والدوران على محوره قرنا كاملا، فلا ترسمل ولا تحول إلى الاشتراكية، وتم تعميق/تطوير اللاتكافؤ بين اقطاره، ويقيت الأجزاء المحتلة منه محتلة بل واتسعت، ذلك إلى أن وصل حالة الاحتراب البيْتي لصالح أعدائه.

سأتناول هنا خمسة عناوين رئيسية:

 

1) مرحلة العولمة والموجة القومية الثالثة/ البعد العالمي

2) الحال العربي

3) الحال الفلسطيني

4) المشهد الجاري

5) ما العمل فلسطينيا

6) إجابات على بعض الأسئلة

■ ■ ■

 (1)

مرحلة العولمة والموجة القومية الثالثة/ البعد العالمي

 

في مختلف مراحل التمظهرات الخارجية للرأسمالية الأوروبية/ثم والأمريكية منذ سقوط غرناطة والانتقال إلى الراسمالية التجارية كتأسيس للاستعمار فالإمبريالية وصولا إلى حقبة العولمة، والوطن العربي قيد الاستهداف. وبما هو  إستهداف رأسمالي فهو مأخوذ بشبق النهب والاستغلال /التجريف.

وعليه، كلما حاول الغرب الراسمالي نفسه أو الكمبرادور العربي سواء غير النفطي (الصحارى بلا نفط)  أو النفطي إعطاء هذا الاستهداف تسميات دينية وحتى ثقافية، إنما هم يكررون أكذوبة فرنجة الإقطاع  لصالح فرنجة رأس المال  وما الاختلاف بينهما سوى العصر وغياب الصليب. فالدين والثقافة ملايات  تغطي الدم والعقل الدموي لرأس المال المتوحش لا أكثر.

في فترة الاستعمار المبكر كان أغلب الوطن العربي يئن تحت وطأة الاستعمار العثماني الذي كان يهيىء لتطورين خطيرين:

  • تهيئة الوطن العربي هالكاً تسهيلاً لسقوط سهل بيد الاستعمار الراسمالي الأوروبي في حقبة الأمبريالية (تقديراً من الربع الأخير للقرن التاسع عشر إلى الربع الأخير للقرن العشرين”
  • وتهيئة تركيا كي تتحول إلى استعمار مساعد بل Sub-Imperialism حيث عرفت البرجوازية التركية حجمها فخضعت لمخطط الإمبريالية بأن تكون راس حربة ضد الوطن العربي وخاصة بعلاقة خاصة لها مع الكيان الصهيوني، أي انتقلت تركيا من العثماني كاستعمار ند إلى عميل للاستعمار الذي قهره وتموضعت هناك، ولكن هل انتهى دورها؟ . وعليه، مع بداية القرن العشرين كان التجهيز الإمبريالي لأربعة مخافر ضد الأمة العربية: تركيا، والسلطة السعودية، وممكلة المغرب والكيان الصهيوني. وترافق مع هذا تقسيم الوطن العربي إلى قطريات عصية على الوحدة يجمعها حبل سُري وجودي مع الكيان الصهيوني، ولعل أوضح تفسير لهذا هوجة التهالك المجاني للاعتراف بالكيان من قبل انظمة حكم مجلس التعاون الخليجي وأنظمة قطرية أخرى.

ما يهمنا في هذه العجالة ما حملته حقبة العولمة ضد الوطن العربي. وإذا كانت حقبة الإمبريالية فرنسية بريطانية إلى حد كبير، فإن حقبة العولمة أمريكية بامتياز.

قد يخالف كثيرون قولنا بأن العولمة حقبة خاصة في تطور الرأسمالية وإن تشاركت مع الإمبريالية في الكثير، ولكن لهذه الحقبة سماتها المميزة، قد نذكر منها هنا:

  • عودة الراسماليات الغربية إلى العدوان المباشر على المحيط
  • الانتقال من اللبرالية إلى النيولبرالية المتوحشة
  • الانتقال من سيطرة الراسمالية الاحتكارية بطابعها الإنتاجي الموسع Mass Production  إلى المعاناة من تراكم الأموال الكسولة ومن ثم تشغيلها مضارباتيا بعيدا عن مواقع الإنتاج.
  • هزيمة المعسكر الاشتراكي وتهالك معسكر عدم الانحياز وتفرد المعسكر الإمبريالي مجسدا بقيادة الولايات المتحدة، اي انتهاء تعدد القطبيات.
  • توليد الموجة القومية الثالثة.

لعل أخطر إفرازات حقبة الرأسمالية في حقبة العولمة  هو تخليق الموجة القومية الثالثة أي موجة قومية من تصنيع الإمبريالية الإمريكية عبر إنعاش إثنيات وأقليات غير مكتملة للمطالبة بدول مستقلة عن الوطن الأم وأكثريته بهدف ضرب وإضعاف تقسيم الدول الأخرى وليس فقط الدول النقيضة والمنافسة للإمبريالية الأمريكية بتخليق كيانات صغيرة فقيرة تابعة بالولادة.

الموجة القومية الأولى كانت في اوروبا في منتصف القرن التاسع عشر، إثر الثورة الصناعية،  واسموها عصر القوميات في محاولة اوروبية/غربية تصوير بأن تاريخ أوروبا هو تاريخ العالم اي ينسحب على كل العالم، وهذه نظرة استعمارية عنصرية. كانت هذه الموجة تقدمية حيث تبلورت الدولة القومية بقيادة البرجوازية ، لكنها لاحقا تحولت إلى استعمار الأمم الأخرى.

والموجة القومية الثانية كانت في منتصف القرن العشرين اي ثورات المحيط (العالم الثالث) ضد الاستعمار بقيادة برجوازيات محلية وطبقات وسطى، بهدف الاستقلال، لكنها تراجعت في كثير من المواقع وخضعت لطبقة الكمبرادور التي ألى حد كبير تحولت الى تابع للاستعمار مجددا .

وكما هي العولمة استمرار للإمبريالية، واللبرالية الجديدة تفاقم للبرالية، فإن هذه التجزئة المعمقة مثابة تفتيت وتذرير اي استمرار ومفاقمة ل “فرق تسد” دوليا،  ول سايكس –بيكو” على الصعيد العربي.

قد تكون ترجمة ذلك شعار “الفوضى الخلاقة” ، وتجسيده “الربيع العربي- ربيع الريع”. لكن المهم هو تحريك و/أو تخليق الكيانات الصغيرة استنادا على أو تغذية ل  فئتين في قمة كل كيان:

  • شريحة/طبقة كمبرادور
  • وفئة طابور ثقافي سادس للتنظير.

وفي قاعدته بنية طائفية أو قبلية أو إثنية، المهم جمهور تابع ومشحون إما بعقد تاريخية أو بشحنة دين سياسية وبالطبع ممول ومسلح من أنظمة الدين السياسي ومدرب ومتمتع بخبرات لوجستية امريكية.

ولم يكن لتخريب الوعي الشعبي العربي قومي ووحدوي وحتى اشتراكي التوجه في الخمسينات والستينات أن يحصل لولا :

  • استدخال القوى القومية واليسارية للهزيمة إثر 1967،
  • وتفريغ الساحة الذهنية الشعبية العربية للدين السياسي
  • وتفريغ الساحة الاجتماعية الاقتصادية للرأسمالية التابعة والكمبرادورية والطفيلية ممولة بالريع.

وكل هذا بدور فاعل للثورة المضادة بثلاثيتها:

  • العدو الغربي الرأسمالي
  • العدو الصهيوني
  • العدو الحاكم المحلي

اللافت في هذه السياسة المعولمة أمران:

  • الأول أنه يتم تجريبها على صعيد معولم، من بقايا الاتحاد السوفييتي إلى عراق ما بعد صدام حسين، ليبيا ما بعد القذافي ، يوغسلافيا ما بعد تيتو ، أوكرانيا مالي…الخ
  • والثاني، أن تطبيق هذا المشروع ممنوع على الفلسطينيين بشكل خاص مع أنهم يشكلون حالة شعبية وطنية أعلى من مختلف الإثنيات المصنَّعة.

وهذا يعني أن الموجة القومية الثالثة هي تصنيعية ولأهداف التجزئة وخلق كيانات مشتبكة مع بعضها في الدولة الواحدة وربما في اكثر من دولة ليكون العالم مثابة حالة من الحروب /الاحترابات الموقعية والموضعية بدل وبالإنابة عن  حروب بينية بين الدول الكبرى مباشرة. شكل جديد من  التدمير المعولم لأجل التجريف المعولم والدائم.

فعلى سبيل المثال: خلال تفكيك الاتحاد السوفييتي تجزَّأ إلى خمس عشرة بلد، روسيا، اوكرانيا، أوزبكستان ، قازاخستان ، بيلاروسيا، أذربيجان، جورجيا، طاجيقستان، ومولدافيا، وقرغيزستان، وتركمانستان، وأرمينيا، ودويلات البلطيق: ليثوانيا، إستونيا، ولاتفيا.

السودان، دولتان والثالثة على الطريق في كردفان، العراق وسوريا تحت قصف التجزئة إلى أكبر عدد ممكن،يوغسلافيا إلى سبعة.

مهم جدا الإشارة هنا إلى ان كثيرين من الطابور السادس الثقافي كتب وصرح تأييدا لتفكيك الاتحاد السوفييتي واحتلال العراق وقصف وتقسيم يوغسلافيا ومن ثم تدمير ليبيا وسوريا واليمن…الخ

باختصار، مرحلة العولمة تقوم عالميا على تجزئة الدولة القومية في المحيط وتقويض سيادتها وتحويلها إلى سوق مفتوح للشركات الكبرى، عبر أخطر تحالف في التاريخ:

  • رأسمالية المركز بدولة قوية في خدمة الشركات
  • وطبقات تابعة كمبرادورية في المحيط

أي تحويل الكوكب إلى قطاع عام رأسمالي معولم لبرجوازية المركز.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.