عرسال وتجنيد اليأس في جماعات «الأخوان» !! ثريا عاصي

أعتقد أن تناول مسألة بلدة عرسال وجرودها يقتضي أن نأخذ بالحسبان أولاً  موقعها على الحدود مع سورية، ثانياً تاريخ العلاقة التي تربط بين أهلها وبين جيرانهم السوريين في الجهة الأخرى من الحدود. ثالثاً، إن عرسال بلدة بقاعية نائية، طرفية بالنسبة لمركز دولة بدائية ذات بصيرة قصيرة المدى. فما كنا نسمعه عن عرسال وجرود عرسال، يشبه في جانب منه ما يروى عن مناطق بقاعية نائية مثلها لجهة إنحسار سلطة الدولة وإنتهاك القانون وكثرة المهربين والسرّاق وأعمال العنف. ولكن عرسال تميزت في ذهني من محيطها بأنه كان لها دور في الحركة القومية العربية . فلقد كان أهل عرسال بعثيين وناصريين وحدوين ولدي إنطباع بأن مشاركتهم في أحزاب الحركة  الوطنية اللبنانية كانت ملحوظة . أقول إنطباع، فأنا وصلت إلى السياسة في سنوات 1980 أي زمان الإنحلال والمشي قهقرى، وما أعرفه في هذا الموضوع تلقيته بطريقة غير مباشرة، بالسمع أو القراءة.
ينطبق في الحقيقة على بلدة عرسال ما ينطبق على مخيم للاجئين الفلسطينيين، منذ تاريخ النكبة في سنة 1948 وحتى يومنا هذا، بمعنى أن هذه البلدة كانت واحدة من بؤر الإحتجاج القومي العروبي، ضد الإستقلالات العربية غير الناجزة، أي ضد نظم الحكم  العربية التابعة بهذه الدرجة أو تلك إلى قوى الإستعمار القديم وإلى المنظومة الأمبريالية، التي عملت الولايات المتحدة الأميركية على نشرها كما هو معروف غداة الحرب العالمية الثانية.
أقتضب هنا فأقول أن المقاومة الفلسطينية أصيبت بصدمة كبيرة في الأردن في أيلول 1970 حيث اكتشفت محدودية قدراتها في مقابل العبقرية الثورية التي تتطلبها حركة التحرير الوطني العربي، الأمر الذي جعل هذه المقاومة تقايض خروجها من حركة التحرير العربية بوعود قطعتها نظم الحكم «بدولة فلسطينية» على الأرض الفلسطينية التي سيتم استرجاعها من خلال «عملية السلام»، التي أطلقتها حرب تشرين / أوكتوبر 1973. فمنذ تلك الفترة بدأ الإنهواء نحو العدم، متوازياً مع تحولات جذرية في مخيمات اللاجئيين الفلسطينيين وفي بلدات لبنانية كان المعروف عنها أنها بؤر تحتضن جذوة العروبة، كمثل طرابلس في شمال لبنان وصيدا في جنوبه وعرسال في منطقة البقاع، القريبة من الحدود مع سورية.

ما أود قوله بصراحة ووضوح هو أني أتصور أن الأوضاع في بلدة عرسال وجرودها هي مشابهة لما يجري توازياً، في مخيم اللاجئيين الفلسطينيين في عين الحلوة  في ضاحية مدينة صيدا، طبعاً بصرف النظر عن تفاصيل الوقائع اليومية التي تملأ في هذه الأيام أخبارها، الصحيحة والملفقة، وسائل الإعلام .
مهما يكن فلا بد في هذا السياق من البحث وأنا لست بصدده هنا فلا خبرة ولا علم لي في هذا الشأن، عن البداية وعن الأصل . أعني بذلك كيف دخلت داعش وجبهة النصرة إلى منطقة عرسال، ولماذا تركت الفرصة لهذين التنظيمين لكي يستقرا ويتحصنا فيها، وما هي المتغيرات والمتبدلات التي طرأت فاستوجبت العمليات العسكرية بين هذين التنظيمين من جهة وبين المقاومة الإسلامية والجيش اللبناني من جهة ثانية؟
فما يثير الريبة في هذه المسألة هو تلازم قرع طبول الحرب في منطقة عرسال مع حملة إعلامية متقنة الحبكة حول موضوع اللاجئين، علماً أن هؤلاء يعيشون في غالبيتهم خارج منطقة عرسال، ولم يطرأ جديد على أوضاعهم، اللهم إلا لجوء بعض  أمراء الحرب في لبنان، ولقد صاروا مسؤولين سياسيين، إلى استخدام مسألة اللاجئين وسيلة، أو بالأحرى درعا للدفاع عن داعش وجبهة النصرة.
مجمل القول ودون لف ودوران إن لداعش ولجبهة النصرة، أنصاراً في الأوساط السياسة اللبنانية وفي الأوساط الشعبية أيضاً، يردون عنهما، رغم أن هذين التنظيمين ارتكبا جرائم شنيعة في لبنان وإعترفاً بالمسؤولية عنها .
والعجب العجاب أن الذين يتظاهرون في لبنان بالحرص على اللاجئين السوريين  يتناسون، إن الأمم المتحدة والمجتمع الدولي انتهجوا حيال الأزمة السورية سياسة تقضي بإفراغ سورية من أهلها حتى لا يدافع الأخيرون عنها، وذلك بإغرائهم بالتعويضات النقدية الشهرية والعينية. يستخف أمراء الحرب في لبنان، بعقول اللبنانيين لأنهم يعرفون أن اللبنانيين يخافون إرهابهم . فلقد تناهى إلى العلم انهم بحثوا ويبحثون، مع المبعوثين الأوروبيين والأميركيين، في موضوع توطين السوريين في لبنان . فكيف يضيق لبنان على اللاجئين في أعين الذين يريدون توطينهم في لبنان، علم ربك أين، أو في مناطق «آمنة حدودية» في سورية نفسها مفتوحة على لبنان؟ .. أو على الأردن أو على تركيا أو على الجولان المحتل. دروع بشرية!
ولكن التسليم بهذا كله لا يجب ألا يمنعنا عن القول أن كلفة هذه اللعبة الشيطانية  عالية جداً، دماء ودمار. لا شك اننا حيال مسألة مذهبية أطاحت بالإيمان وبالعقائد والمبادئ والأخلاق والضمير. فمن البديهي أن في لبنان جماعات جنّدها الوهابيون في تنظيم يحاكي تنظيم «الإخوان» الذين استولوا بواسطته على نجد والحجاز وأغرقوا  العراق والشام في بحر من الدماء في سنوات 1930 أي تحت إشراف الإستعمار البريطاني.. إن الجماعات التي تحتضن في لبنان «الأخوان» هي نفسها التي ساعدت حلف الناتو على إغتصاب ليبيا مقابل وعود هذا الأخير بإعطائها «ولايات» في سورية والعراق ! إن المتمذهبين الذين حرروا البلاد من المستعمر الإسرائيلي ويتصدون له دفاعاً عن سورية هم وطنيون شرفاء بالضد من المتمذهبين الذين يبيعون بلادهم وشعوبهم  للولايات المتحدة الأميركية وللمستعمرين الإسرائيلين.

:::::

“الديار”

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.