مواجهة مفتوحة لصد الثورة المضادة: ما العمل عربيا وفلسطينيا … فلسطين من التسوية الى التصفية (الجزء الثالث)، عادل سمارة

مواجهة مفتوحة لصد الثورة المضادة

ما العمل عربيا وفلسطينيا

فلسطين من التسوية الى التصفية

(الجزء الثالث)

عادل سمارة

محاضرة في ملتقى نبض الشبابي في رام الله 18 تموز 2017

(3)

الحال الفلسطيني

التكاذب، هو أسوأ استغلال فلسطيني للعرب الرسميين واستغلال هؤلاء للفلسطينيين ويتمظهر  بِ :

  • استغلال فلسطينيين للسقوط الرسمي العربي، لذا أحيانا يقولون: “نحن أهل القضية ويجب ان نعتمد على انفسنا فقط” أو القرار الوطني المستقل حتى وصلوا “سلام راس المال في أوسلو” . وأحيانا يلجأون إلى الضد، فيلعنون العرب ويقولون القضية عربية ومسؤولية عربية وصولاً إلى تسليم كل شيء لهذه الأنظمة وخاصة تراث أوسلو والاعتراف بالكيان وبالطبع يتلقون ريعا ماليا مقابل موقفهم هذا. ريع لا يأتي بغير الإمضاء الأمريكي والتسهيل الصهيوني.
  • والحكام العرب يتكئون على اعتراف فلسطينيين بالكيان (التطبيع/استدخال الهزيمة) وفي مقلب آخر يهاجمون التطبيع الفلسطيني الرسمي نفسه ويبيعون ذلك للشعب العربي كي يكفر بفلسطين. التطفيش المقصود.

من هنا بدأ توجيه التكفيريين وجهة جديدة اي ضد فلسطين عبر تدمير سوريا وصولا لتصفية فلسطين بتحالف أنظمة وقوى الدين السياسي والطابور السادس الثقافي وهو يشتمل على (ديني وناصري وقومي/صهيوني وماركسي وما بعد حداثي…الخ).

 قد يبدو هذا التقوُّل عن ضرب سوريا بعيداً عن جوهر الصراع، لكن من يقرأ ما قاله بن غوريون وجابوتسكي كمؤسسين للصهيونية لن يتواني عن الموافقة معي بأنه لب الصراع. ودون ذكر كثيرين، تكفي قراءة فتاوى قرضاوي، وتحليلات عزمي بشارة، ضد الجمهوريات. ولعل هذا اساس التكفير المتجدد لقوى الدين السياسي والوهابية والسلفية بالعروبة وفلسطين وهو ما أنتج نبتة داعش.

ماذا نسمي هذا كله غير تبادل “استدخال الهزيمة” وهو الإسم الأدق الذي اقترحته للتطبيع، لأنه أكثر معنى من حيث الإيحاء والحدوث. وهو أكثر كشفاً من نظرية كارل بوبر  “إعادة الهندسة”.  ذلك لأن إعادة الهندسة تتخذ شكلا تدريجيا غير واضح في عنفه إلى درجة قد لا يشعر  الضحية بأنه هُزم. هي اقرب إلى الهيمنة، وهذا يجعل القبول بها أقرب إلى الخضوع السالب. بينما استدخال الهزيمة هو نتيجة تناقض وصراع انتهى بهزيمة طرف واستسلامه وقيامه بتبرير وتجميل وزخرفة الهزيمة والتبعية. فليس هذا الاستدخال مجرد هفوة عدم التقاط الحدث وما ورائه، أو سوء تقدير، بل هو هزيمة في الوعي والنفس/المعنوية ومن ثم تفكير وخطاب وقرار وتصرف كمهزوم.

 إعادة الهندسة تمرير، واستدخال الهزيمة تدمير ، تدمير ذاتي، تذويت استدخال الهزيمة لعقل ومن ثم خطاب وأخيرا قرار وتصرف.

هنا نفهم التقاط الثورة المضادة لهذه اللحظة التي لا تعوض حيث اندلاق الكثير من القشرتين السياسية والثقافية العربيتين للاعتراف المتزلف بالكيان الصهيوني. وأحدث تعبيرعن ذلك  اعتذار سفير الإمارات لسفير الكيان على “خطيئته” بعدم التصويت لصالح يهودية مدينة الخليل! وتعهد ولي عهد البحرين ببناء جزيرة  كوطن بحري للفلسطينيين لأن فلسطين هي لليهود، وأخيراً، توزيع فلسطينيين/ات عريضة من جماعة صرخة التعايش مع المستوطنين من أجل “دولة واحدة”، وقيادة هذا التيار من قبل امين عام ما يسمى التجمع العربي والإسلامي لدعم خيار المقاومة. وثالثة الأثافي أن لا أحد من الفصائل ولا من المنظمات الشعبية/الجماهيرية  هنا في الأرض المحتلة يواجه هؤلاء بكلمة!

قبل ثلاثة عقود كتبت بأن الاعتراف بالكيان يعني أن الكيان سيطالب كل عربي قاومه بالاعتذار ودفع التعويض طالما اعترف هذا العربي بالكيان، وها هي حكومات النفط تعوض الكيان بتدمير الجيوش العربية، والبحرين تخلق لنا جزيرة!

أما اليوم، فيقوم الكيان وشركائه في الثورة المضادة بهجمات متعددة المستوبات والمناحي:

  • حنكة وبجاحة استثمار لحظة الاستدخال هذه بكشف الكثير من تواطؤ هذا العربي أو ذاك كي يستخدم ذلك في التهديم النفسي للعرب عامة.
  • تقويض تراث التحرير، بغض النظر عن النجاح والفشل، بالخروج إلى الجمهوريات لتدميرها شعبا وحضارة وجيوشاً
  • تنويع اشكال التطبيع /استدخال الهزيمة حيث تتم كل يوم هجمة/ضربة تطبيعية هنا او هناك مما يُربك من يقاومه ويُبقينا في حالة الدفاع.
  • التلويح للفلسطينيين بقبول دولة في “اشبار” من الضفة الغربية أو دويلة في غزة كي يبقى الفلسطينيون في:
    • نطاق البحث عن الدولة وليس المقاومة والتحرير، وهذه الكارثة هي الوليد الخطير لاتفاق أوسلو.
    • و/أو الهرولة للدعوة لدولة مع عدو يصر على “نقاء دولة اليهود” ووصولها أربيل!

هنا تجدر الإشارة إلى أن أي فلسطيني أو عربي يتبنى “خيار” وهم الدولة أو الدولتين أو الدول الفلسطينية المتعددة، هو في مهاوي خطيئة بل جريمة النظر للوطن كمكان وليس كوطن لا ينقسم ولا يُباع ولا يشارك به أحداً.

يوصلنا هذا إلى مفارقةات مذهلة:

  • اثمرت أطروحة إدارد سعيد بعدم لزوم الوطن وتقزيمه إلى مكان، ما اقترحه ولي عهد البحرين بخلق مكان للفلسطينيين في البحر كي يسهل غرقهم. نعم من المخيال الفلسفي إلى الغباء المنتفخ بالريع!
  • نَقَلَ فلسطينيون بارودة المقاومة وطووها في جعبة المساومة التي يحملها الحكام العرب
  • تناسل هائل لمفجوعي القيادة من الفلسطينيين تمظهر في تنازلات تصل أكثر مما يطلبه العدو!

 

جذور التحول الخطير:

 

كُتب الكثير عن جاهزية قيادات فلسطينية للمساومة بدرجاتها والتي مركزها قناعة هذه القيادات منذ بدء دورها النضالي بأنها أعجز من أن تحرر الوطن، فترافق معها باكراً وهم التسوية.

ليس هنا مجال تكرار ما كُتب، ولكنني أزعم أن بداية التحول الخطير كانت قد ارتكزت على تطورين خبيثين:

الأول: سياسة أول حكومة ليكودية منذ عام 1977 في دفع النضال الفلسطيني إلى العلنية التدريجية مما خلق تراخياً في بنى قوى المقاومة ووصلت كما نرى اليوم إلى كونها او تحولها إلى فصائل علنية تحت استعمار استيطاني اقتلاعي وسلطة تعترف بالكيان نفسه.

والثاني: قرار م.ت.ف الانتقال إلى داخل الأرض المحتلة عبر عملية أو اتفاقات اوسلو، وهو قرار منسجم مع فخ العلنية الذي نصبه الليكود بنجاح. وعليه، صار هدف م.ت.ف الحصول على دولة، لم تأتِ وصار تكتيك سلطة الكيان الموافقة على دولة فلسطينية، لن يقدمها!

وترافق مع كل هذا إلحاح أمريكا على تحويل الحياة مقاومة إلى الحياة مفاوضات مؤبدة، وتمرير التطبيع الرسمي العربي تدريجيا إلى أن وصل إلى اقتسام معسكري التسوية والتبعية العربيين للقوى الفلسطينية وحتى الهجوم السعودي على المقاومة.

وهكذا، يمكننا القول بأن كثيرا من قادة الفصائل قد تدرج من الدرهمة/التموُّل إلى العلنية فالتبرجز بالمولنة ومن ثم مغادرة التحرير إلى الدولنة.

لا ينحصر تدهور قيادات الفصائل الفلسطينية في الخلل البنيوي والوعيوي والطبقي لتلك القيادات بل تم استدراج الكثير من الكوادر والعناصر سواء عبر أموال مسمومة تأتي رسميا إلى سلطة الحكم الذاتي أن هدفها إنجاح واستمرار اتفاق أوسلو، أو عبر منظمات الأنجزة لمن ليس جزءاً من السلطة.

وبتوفر السيولة المالية وأحيانا وصولها حد الإغداق تكوَّنت الأجهزة البيروقراطية للفصائل الفلسطينية في السياسة والإعلام بعيداً عن الكفاح المسلح، ورافق هذا “تهذيب” تدريجي للخطاب حتى صار ممرورا مكروراً يخلو من رائحة البارود. وتحول كل فصيل إلى دولة صغيرة تقيم علاقاتها وتحالفاتها الدولانية بعيدا عن الأخريات وطبعا عن الإجماع الوطني. ولعل اساس حدوث فاجعة استدوال الفصائل هو عدم تشكيل جبهة تحرير وطنية فلسطينية، حيث حلت وتمترست محل الجبهة بنية م.ت.ف التي لا تختلف كثيرا عن بنية جامعة الدول العربية.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.