ثلاثون عاماً على الرحيل: رحل ناجي وظل بعده حنظلة يرفض أن يساوم، ايهاب القسطاوي

تجربة جرح.. جرح وطن، عذابات إنسان، قهر ويتم وظلم وحرمان، تشرد، لاجئ حيناً، ملتجئ أحياناً، إلا أنه دائماً وأبداً يحمل أمل العودة إلى ذاك الوطن المستقر في الوجدان، لم يكن يمتلك إلا ريشته، كانت سلاحه لمواجهة الواقع المرير، فأبدعت ريشته قناعاته وجسدت بخطوطها التي لات عرف الخط الأحمر معاناة وطن، إنه الرسام الفلسطيني المناضل ناجي العلي، في مثل هذا اليوم منذ ثلاثون عاماً، طالت الأيادي الغادرة ريشة الثورة ومبدعها الفنان ناجي العلي فاستقرت رصاصة جبانة في رأسه لتدخله في غيبوبة على أثرها في مدينة الضباب، لكن قلب “ناجي” لم يتوقف يوماً عن الخفاقان، فقد نزعه بحلاوة الروح، ولصقه على حنظلة، يلوح في خاطري دائماً مشهدين الأول في عام 2011، مع حلول ذكرى النكبة، كان لي الشرف أن أكون أحد الحشود المصرية الغفيرة التي اقتحمت سفارة الكيان الصهيوني بالقاهرة وأسقطت العلم الصهيوني الذى كان يلوث سماء القاهرة، والثاني في اعتصامنا المفتوح لفك الحصار عن غزة عام 2010 ورفض النظام آنذاك عبور قوافل الإغاثة لقطاع غزة، أتذكر خلال هذين المشاهدين، كان البطل الحقيقي هو “حنظلة” الخالد الذي كتبه ذات يوم “ثورة حتى النصر”، كان حضوره كثيفاً بيننا، وبعد 30عاماً من اغتيال صاحبه لم يغب حنظلة عن ميادين القاهرة، وعن حارات فلسطين، وعن بوابات فاطمة، كشاهد موثوق اليدين على تذيل الأنظمة العربية وتآمرها بالتطبيع وتغذية الطائفية والتجويع للشعوب، لكن مقاومة المهادنة والتفريط لن تموت طالما بقيت القضية في عقول المقاومين.
ولد ناجي سليم حسين العلي، في قرية الشجرة عام 1936 وهي القرية الواقعة بين الناصرة وطبريا في الجليل الشمالي من فلسطين، نزح وعائلته و أهل قريته من فلسطين عام 1948، باتجاه لبنان ” بنت جبيل”، كان “العلى” ينحدر من أسرة فقيرة تعمل في الزراعة والأرض، ولجأ إلى مخيم عين الحلوة شرق مدينة صيدا حيث سكن وعائلته بالقرب من بستان أبو جميل قرب الجميزة منطقة “عرب الغوير” وعاش ناجي العلي في المخيم حياه اللاجئين، حيث قاسى معهم حياة غير آدمية فلا بنية تحتية ولا شيء يحميهم شر الطبيعية التي لن ترحم شعب قسى عليه الزمان، وبدأت ملامح موهبة ذلك الفتى تتبلور فقد حاول رسم كل ما رآه من حزن على وجه أسرته وغيرها من الأسر الفلسطينية على جدران المخيمات الباردة، فقد أدرك انه وشعبه ليس إلاّ ضحايا، مؤامرة دنيئة دبرتها الأنظمة العميلة.
درس ناجي العلي في مدرسة “اتحاد الكنائس المسيحية” حتى حصوله على شهادة ” السرتفيكا” اللبنانية، ولما تعذر عليه متابعة الدراسة، اتجه للعمل في البساتين وعمل في قطف الحمضيات والزيتون، لكن بعد مدة، ذهب إلى طرابلس – القبة ومعه صديقة محمد نصر شقيق زوجته “لاحقاً ” ليتعلم صنعة في المدرسة المهنية التابعة للرهبان البيض، تعلم سنتين هناك، ثم غادر بعد ذلك إلى بيروت حيث عمل في ورش صناعية عدة، 1957 سافر إلى السعودية بعدما حصل على دبلوم الميكانيكا وأقام فيها عامان، كان يعمل ويستغل أوقات فراغه في الرسم، ثم عاد بعد ذلك إلى لبنان .1959 حاول أن ينتمي إلى حركة القوميين العرب، لأنه وخلال عام واحد، أبعد أربع مرات عن التنظيم، بسبب عدم انضباطه في العمل الحزبي، وفي الفترة من عامي 1960 – 1961 أصدر نشرة سياسية بخط اليد مع بعض رفاقه في حركة القوميين العرب تدعى “الصرخة”، كما أنه في عام 1960م دخل الأكاديمية اللبنانية للرسم “أليكسي بطرس” لمدة عام، إلا أنه ونتيجة ملاحقته من قبل الامن اللبناني، لم يتنظم في الدراسة إلا شهراً أو نحو ذلك، وما تبقى من العام الدراسي أمضاه ضيفاً على سجون الثكنات اللبنانية، حيث أصبح ضيفاً دائماً في معظم السجون، لم يعرف “ناجى” في حياته سوى الاعتقالات المتلاحقة بسبب نشاطاته المعادية للاحتلال وقضى أغلب وقته داخل الزنازين يرسم على جدرانها، لينتقل بعد ذلك، إلى مدينة صور لدراسة الرسم في الكلية الجعفرية لمدة ثلاث أعوام.
وفي عام 1963م سافر إلى الكويت وعمل في مجلة الطليعة الكويتية رساماً ومخرجاً ومحرراً صحافياً، وكان هدفه أن يجمع المال ليدرس الفن في القاهرة أو في إيطاليا، وبدءا من عام 1968م عمل في جريدة السياسة الكويتية حتى العام 1975 ومع بداية العام 1974 عمل في جريدة السفير، وقد استمر فيها حتى العام 1983. هذا وقد انتخب رئيس رابطة الكاريكاتير العرب في عام 1979م ومن عام 1983م عمل في جريدة القبس الكويتية وبقي فيها حتى أكتوبر 1985. وبعد العديد من الضغوطات على الكويت نتيجة لرسوماته، ترك الكويت وتوجه إلى لندن حيث عمل في” القبس” الدولية وذلك عام 1985 م، وقد شاركت رسوم ناجي العلي في عشرات المعارض العربية والدولية، وأصدر ثلاثة كتب في الأعوام “1976، 1983، 1985” ضمت مجموعة من رسوماته المختارة، و عندما كان يتهيأ لإصدار كتاب رابع كانت رصاصات الغدر تتربص به فلم تمهله أن يكمل عملة الرابع، ابتكر “ناجى العلى” عددا من الشخصيات التي خرجت من واقع القضية الفلسطينية ويعد أشهرها على الاطلاق شخصية “حنظلة” ذلك الصبيً الذى لم يتعدى العاشرة من عمره، والذى أدار ظهره للواقع البائس وعقد يديه خلف ظهرة، في دلالة لرفضه للحلول الخارجية، ولأفسح المجال لناجي العلى ليتحدث عن حنظلة : “ولد حنظلة في العاشرة من عمره، و سيظل دائماً في العاشرة، ففي تلك السن غادرت الوطن، وحين يعود، حنظلة سيكون بعد في العاشرة، ثم سيأخذ في الكبر بعد ذلك، قوانين الطبيعة المعروفة لا تنطبق عليه، إنه استثناء لأن فقدان الوطن استثناء، وستصبح الأمور طبيعيةً حين يعود للوطن، لقد رسمته خلافاً لبعض الرسامين الذين يقومون برسم أنفسهم ويأخذون موقع البطل في رسوماتهم، فالطفل يُمثل موقفاً رمزياً ليس بالنسبة لي فقط، بل بالنسبة لحالة جماعية تعيش مثلي وأعيش مثلها، قدمته للقراء واسميته حنظلة كرمز للمرارة، في البداية قدمته كطفل فلسطيني لكنه مع تطور وعيه أصبح له أفق قومي ثم أفق كوني إنساني” وضاف العلى “العلى “أما عن سبب إدارة ظهره للقراء فتلك قصة تروى : في المراحل الأولى رسمتُه ملتقياً وجهاً لوجه مع الناس، وكان يحمل “الكلاشنكوف” وكان أيضاً دائم الحركة وفاعلاً وله دور حقيقي: يناقش باللغة العربية والإنجليزية، بل أكثر من ذلك فقد كان يلعب “الكاراتيه”، يغني الزجل ويصرخ ويؤذن ويهمس ويبشر بالثورة، وفي بعض الحالات النادرة، وأثناء انتفاضة الضفة الغربية و غزة، كان يحمل الحجارة ويرجم بها الأعداء، وأثناء خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت كان يقبّل يد هذه المدينة الجريحة مثلما كان يقدم الزهور لها، كنت أحرض الناس، بعفوية الطفل الذي عقد يديه خلف ظهره، ولكن بعد حرب أكتوبر 1973 ” كتفته” باكراً لأن المنطقة ستشهد عملية تطويع وتطبيع مبكرة قبل رحلة ” السادات “، من هنا كان التعبير العفوي لتكتيف الطفل هو رفضه وعدم استعداده للمشاركة في هذه الحلول، وقد يعطى تفسيراً أن لهذا الطفل موقفاً سلبياً ينفي عنه دور الإيجابية، لكنني أقول: إنه عندما يرصد تحركات كل أعداء الأمة، ويكشف كافة المؤامرات التي تحاك ضدها، يبين كم لهذا الطفل من إسهامات إيجابية في الموقف ضد المؤامرة، وهذا هو المعنى الإيجابي، أريده مقاتلاً، مناضلاً و حقيقة الطفل أنه منحاز للفقراء، لأنني أحمل موقفاً طبقياً، لذلك تأتي رسومي على هذا النحو، والمهم رسم الحالات والوقائع وليس رسم الرؤساء والزعماء، إن”حنظلة” شاهد العصر الذي لايموت، الشاهد الذي دخل الحياة عنوة ولن يغادرها أبداً، إنه الشاهد الأسطورة، وهذه هي الشخصية غير القابلة للموت، ولدت لتحيا، وتحدت لتستمر، هذا المخلوق الذي ابتدعته لن ينتهي من بعدي، بالتأكيد، وربما لا أبالغ إذا قلت أني قد أستمر به بعد موتي”.

وبعد معاهدة العار ومن بعدها سقوط مصر الرسمية في شراك الصهاينة، تصدى ناجي العلي بريشته بجرأة منقطعة النظير لكل من حاول مدح اتفاقية العار، وفضح ناجي العلي اتفاقية العار أمام الشعوب العربية في رسوماته وأناب “حنظله”، ليرجم الاتفاق الذي أخرجه على صورة كلب أسود كتب عليه كامب ديفيد ويقف فوق كومة من العظام تمثل ما يمكن أن تجلبه الاتفاقية للعرب، تضامن “العلي” بريشته مع الشعب المصري الرافض للعار، واتهم أجهزة الدولة المصرية الرسمية بممارسة التضليل على الشعب والجنود فرسم لوحة تبرز التضليل الممارس في مصر، ومحاولات النظام تسويق كامب ديفيد وإقناع الناس بها، كانت ريشته سببا في موتـه إلى حد أنـه كان يتلقّى التهديدات بإسكات صوته وبإبعــاده من لندن حيث كان يقيم مثلما تم ترحيله سابقا من الكويت تحت ضغوطات مارستها القيادة المتنفذة في منظمة التحرير الفلسطينية، وقد بلغ نقــده قادة هذه المنّظمة ومنهم ياسر عرفات وكان العلي قد فضح تحكّم عشيقة عرفات المدعوة رشيدة مهران في قبول العضوية باتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين زيادة على تدخلها في عديد الشؤون الخاصة بمنظمة التحرير، وقد رسم “العلى ” كاريكاتير وكتب : «هل تعرفون رشيدة مهران؟؟، لا تظنوا أنها إحدى الفدائيات ..هي سيدة مهمة تركب الطائرة الخاصة برئيس منظمة التحرير وتسكن قصراً في تونس وتُرب وتبعد في المنظمة وهيئاتها، رسمت عن رشيدة مهران وبعدها انهالت تهديدات وتهاني وتعاطف، وقد نشرت مجلة “الازمنة العربية” الصادرة في قبرص، بعد حادثة اغتيال “ناجى العلى” في عددها رقم 170 الصادر فى15 أب أغسطس1987لقاء صحفياً كانت قد أجرته مع ناجى العلى قبل اغتياله بيومين فى منزله في لندن وبحضور زوجته أم خالد، جاء فيه أن عرفات وقف عام 1975في مدرسة عبد الله السالم في الكويت ليخطب في الطلبة قائلاً : “من هو هذا ناجى العلى..؟؟ قولوا له ان لم يتوقف عن رسومه لأضع أصابعه في الأسيد”، ونوه الدكتور باسم سرحان في مقال نشر له عام 2010 حمل عنوان “أمانة من ناجي العلي”، عن معلومات خطيرة، وإن أتت متأخرة، تتعلق باغتيال العلي متهماً “عرفات” بالوقوف وراء عملية الاغتيال، حيث ذكر له العلي أمام باب منزله في لندن وقبل اغتياله بيومين أو ثلاثة أيام “أًحمِلك أمانة، كائناً من كان قاتلي، إن قاتلي هو ياسر عرفات”، رحل “الناجي”، لتظل ريشته خالدة تفض مضاجعهم حتى بعد اغتياله، وفي 29 أغسطس 1987 رحل رسام الكاريكاتير ناجي العلي متأثراً بإصابات بالغة إثر عملية اغتيال تعرض لها يوم 22 يوليو أراد منفذوها والواقفون خلفها إسكات “حنظلة” إلى الأبــد، وقد رثاه الشاعر أحمد مطر : “ناجي العليّ” لقـد نجـوتَ بقـدرةٍ، مـن عارنـا، وعـلَـوتَ للعلـيـاءِ، إصعدْ، فموطنـك السّمـاءُ، وخلِّنـا فـي الأرضِ، إن الأرضَ للجبنـاءِ”، رحل ناجي وظل بعده حنظلة يرفض أن يساوم، ظل على دين العلي يقاوم، ثلاثون عاما مرت على اغتياله لكن رسوماته ما زالت تحاكي الواقع العربي، في ذكراك وحدك الناجي في زمن السقوط.

:::::

موقع “المنتدى الثقافي العربي”

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.