أزمة رابطة الكتاب الأردنيين / 2 ، جورج حدادين

أزمة رابطة الكتاب الأردنيين / 2

جورج حدادين

29/7/2017

مقدمة

مرحلة التأسيس: فور أن تم ضم الضفة الغربية إلى المملكة الأردنية الهاشمية شرعت القوى المتماثلة أيدلوجيا في الضفتين في بناء أطر وطنية مشتركة موحدة، نجحت في بناء مؤسسات المجتمع الوطني الموحد، النقابات: العمالية والمهنية، والاتحادات: الفلاحية والنسائية والشبابية والطلابية، والمنظمات والأندية: الثقافية والرياضية والاجتماعية، أثمرت هذه الأطر الموحدة عن خلق أجواء نضالية جماهيرية رائعة، ساهمت  في تحقيق إنجازات وطنية ومطلبيه هامة في تاريخ البلاد، ومنها السير في طريق إدماج المجاميع في مجتمع وطني موحد، من خلال بناء أطر الشرائح الاجتماعية وليس أطر المجاميع البدائية الماقبل الر أسمالية، وكان لها الدور الرئيس أيضاً في إنتاج ثقافة وطنية تقدمية وقيم إنسانية نبيلة، سادت تلك المرحلة، مما ساهم في تسهيل مهمة الاندماج، امتدت هذه الفترة عقدين من الزمن.

المرحلة الثانية: مرحلة ما بعد أيلول عام 1970 حيث حدث شرخ عامودي، إقليمي بغيض، في المجتمع، أستثمر من قبل قوى التبعية في الحكم لفرض أجواء من القمع على المجتمع، ولّد فرصة سمحت لأجهزة الأمن من تمرير مهمة السيطرة على النقابات العمالية والمنتديات، وسمحت لها – لهذه الأجهزة – ممارسة عمليات قمع ضد الاتحادات الطلابية والشبابية، كما ومارست القمع ضد القوى الوطنية، بأساليب ووسائل مختلفة: منع خيرة الشباب من العمل وحرمانهم من السفر، كما مورس عليهم القمع بلقمة العيش وعرقلة بناء مستقبلهم.

قدمت القوى الوطنية بالمقابل تضحيات جسام، في حين جعل الحكم من النقابات المهنية متنفساً لهذه القوى لكي تتصارع فيما بينها على المحاصصة بحرية، امتدت هذه الفترة أيضاً حوالي عقدين من الزمن، وفي هذه الفترة تم تأسيس رابطة الكتاب الأردنيين عام 1974.

المرحلة الثالثة: مرحلة ما بعد هبة نيسان 1989التي تم الاتفاق على تسميتها مرحلة “التحول الديمقراطي”  حيث تم صياغة الميثاق الوطني، وعبره تم  ترويض القوى السياسية وإشراكها في إدارة أزمة قوى التبعية في الحكم، التي انفجرت على شكل هبة جماهيرية اجتاحت كافة مناطق البلاد، في نيسان، بعدما انكشف الوضع الرث الذي وصلت له البلاد : المديونية والفساد، الذي نخر جسد الدولة والمجتمع، والخواء السياسي والثقافي،

وفي هذا الظرف بالذات تم التوافق ما بين قوى التبعية:

الحركة الإسلامية وقوى التبعية في الحكم للسيطرة على النقابات المهنية، تحت حجة مهمننة النقابات وبحجة أنه أصبح للقوى السياسية منابرها الخاصة.

تفاقمت أزمة قوى التبعية في الحكم وفي المجتمع، وتفاقمت وتعمقت معها أزمة الأطر السياسية والنقابية والمنظمات الجماهيرية والثقافية، ومنها أزمة الرابطة، التي هي انعكاس للأزمة العامة التي تعيشها البلاد.

تكمن أزمة الدولة والمجتمع في بنيتهما الاستهلاكية غير المنتجة، هذه السمة ألتي فرضت منذ التأسيس لحد اليوم، من قبل الانتداب ألأول ( البريطاني) واستمراره عبر الانتداب الثاني ( الولايات المتحدة) وأدواته صندوق النقد والبنك الدوليين/  أزمة مستمرة، نتيجة حجز طريق التطور الطبيعي للمجتمع، الذي يمر عبر الإنتاج، أزمة دولة تعيش على المساعدات الخارجية في إدارة شؤونها وشؤون المجتمع، وأزمة مجتمع ومؤسساته المستهلكة غير المنتجة،

وفي هذا السياق تأتي أزمة الرابطة التي لم تع أهمية ولم تتمكن من بناء وعي ثقافي منتج.

 تعمقت أزمتها – الرابطة – بسبب دورها في رعاية الثقافة الاستهلاكية والثقافة المستوردة، بوعي أو بدون وعي، وبسبب عدم انسجام طبيعة أنتاجها الثقافي الاستهلاكي مع المهمات المطروحة على جدول أعمال المجتمع في هذه المرحلة بالذات، مرحلة التحول نحو الإنتاج، مرحلة الاعتماد على الذات وبناء الاقتصاد الوطني المنتج .

أزمة الرابطة تكمن في مأزقها المتمثل في القفز عن وظيفتها التي تأسست من أجلها:

  • عدم احترام مسؤوليتها المتمثلة في رعاية وحماية مصالح الأعضاء المنتسبين لها، لا بل تركت الأعضاء يصارعون منفردين المأزق المعيشي اليومي، بلا حماية جماعية.
  • عدم التركيز على التوعية بأهمية الثقافة المنتجة ومحاربة ثقافة الاستهلاك، وعدم المساهمة في خلق ثقافة وطنية منتجة، وعدم الالتفات إلى تشجيع ثقافة القيم الإنسانية النبيلة، لا بل اتجهت نحو تبني القيم الغيبية الظلامية واللبرالية.
  • ضعف ممارسة دورها في القضايا الوطنية العامة، وفشلها في فرض دور لها يسمح بالمشاركة في صنع القرار الثقافي الرسمي، لا بل أصبحت تبحث عن دور وظيفي تابع.

أزمة القوى التقدمية داخل الرابطة:

  1. الإحباط واليأس والشعور بعدم الحيلة أمام التطورات المحلية والدولية التي حصلت وخاصة بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، وحرب الخليج الثانية، ومرابطة الأساطيل الاستعمارية في المياه العربية ومعسكرات الجيوش فوق أرضنا العربية، مما ولد حالة من الضياع فانتشرت فلسفة اللحاق للركوب على متن قطار المركز الرأسمالي العالمي وأتباعه في المنطقة المسرع إلى محطته النهائية، نهاية التاريخ وانتصار الرأسمالية، وسيادة القطب الواحد، قطب المنظومة الرأسمالية، كما واجتاحت الثقافة الغيبية بشقيها اللبرالي والديني صفوف المثقفين والنخب، بدعم البترو دولار، وأصبح الاستقطاب المزيف بين هذين القطبين هو السائد، فخفت وهج الثقافة الوطنية التقدمية بأبعادها القيمية النبيلة، وتم تمرير سياسة ” صناعة القبول وثقافة القطيع” بدون مقاومة حقيقية.
  2. تنامي ظاهرة الثقافة الانتهازية، وتساقطت الكرامة الوطنية والفردية أمام إغراء “البترو دولار”، وتحولت أوساط واسعة من النخب والمثقفين إلى قوى تبعية، تباع في أسواق النخاسة، ضد مصالح أوطانها ومجتمعاتها، وبالتالي ضد مصالحها الخاصة، بسبب قيم السوق، نقيض القيم الإنسانية النبيلة، ومعادلة: الشراء يقابله البيع، الشراء للاستخدام والبيع الرخيص أو الإتلاف حالما تنتهي الصلاحية والحاجة.
  3. غياب المشروع الثقافي الوطني الحقيقي الموحد، وغياب الحامل الاجتماعي لهذا المشروع، حيث طغت الشللية البدائية بأشكالها المتعددة وتم تفتيت البنية الموحدة للقوى والشخصيات الوطنية وتم شرذمتها والقضاء على دورها،

من قام بهذا الدور؟

كافة الإطراف التي لها مصلحة، وساهم في الوصول إلى هذه الحالة غباء وعنجهية وسطحية وذاتية متمركزة حول الذات، تفوق بكثير قامات من يحملها من أفراد ومجاميع.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.