قراءة في كتاب: “إبن خلدون الإنسان ومنظّر الحضارة”، علي مطر

لا شك في أن إبن خلدون شخصية تحتل موقعاً خاصاً في الثقافة العربية والإسلامية، وربما في ثقافة ما قبل الحداثة غير الغربية كلها.

كتاب”إبن خلدون الإنسان ومنظَر الحضارة” للباحث عبد السلام شدادي

وبعد إعادة اكتشاف إبن خلدون، قبل ما يقارب قرنين من الزمن، تميزت العقود الأربعة الأخيرة بأعمال هامة استطاعت بالتدريج أن تعيد تشكيل صورة أقل مثالية وأقل ابتساراً عنه وعن مؤلفه وأكثر قرباً من الواقع التاريخي. وفي الوقت ذاته، تم تحديد وتقدير مدى مساهمته في مجال الأنتروبولوجيا بشكل أفضل.

هذا ما استهل به الكاتب عبد السلام شدادي كتابه “إبن خلدون الإنسان ومنظَر الحضارة، الذي صدر بالفرنسية عام 2006 وقامت بتعريبه حنان قصاب حسن لينشر باللغة العربية عام 2016. 

وبحسب الكاتب، فإنه ومنذ العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر، وعلى الأخص اعتباراً من بداية القرن العشرين، نشهد انزياحاً تدريجياً في استخدام مؤلفات إبن خلدون، فقد تم الانتقال من الملامح التاريخية في مؤلفاته إلى الملامح السوسيولوجية والاقتصادية والجغرافية والأنتروبولوجية. ولقد تفوقت المقدمة بشكل نهائي على بقية كتاب العبر، ووصف مؤلفها بأنه عقلاني وحداثي.

 

ما الذي يمكن أن نعرفه عن إبن خلدون

ترك إبن خلدون سيرة ذاتية غاية في الأهمية، وهي إحدى أطول السير الذاتية في الأدب العربي كلّه. ومع بعض عناصر المعلومات المبعثرة في مؤلفاته، وعلى الأخص في المقدمة، يمكن أن نكوّن فكرة صحيحة عن المراحل الأساسية التي طبعت حياته العامة ونشاطه الفكري، يتحدث عنها شدادي في كتابه.

ولد أبو زيد عبد الرحمن إبن خلدون في السابع والعشرين من أيار/مايو في تونس??????، عاصمة أفريقية، ووريثة أفريقيا القديمة. لم تكن الحدود الإفريقية محددة بشكل دقيق، وكانت تختلف في القرون الوسطى، وقد عرفت مراحل كبيرة من الرخاء في فترة الحكم العباسي، وبشكل خاص في فترة حكم الأغالبة والفاطميين والزيريين، حيث اكتسبت استقلالية مؤكدة نسبياً.

ويشير الكاتب إلى أنه “في أفريقيا نهاية النصف الأول من القرن الرابع عشر حيث كانت تدور طفولة إبن خلدون، ربما كانت عائلة بني خلدون إحدى آخر العائلات الكبرى ذات الأصول الأندلسية. وهناك شيء يثير الإهتمام في خطاب إبن خلدون عن نفسه، وهو العناية الخاصة التي كان يوليها للتذكير بأدق تفاصل سلالته. فهو إذ يعود إلى سبعة قرون سابقة ليخبرنا بأن بني خلدون يتحدرون من أمير يمني يعود بأصوله إلى حضرموت في جنوب الجزيرة العربية وهو وائل بن حجر.

سيرته العلمية

بدأ إبن خلدون ما بين الحادية عشر والثالثة عشر بتعلم القواعد الأولى للغة والأدب العربيين مع أبيه، كما شرع يداوم على دروس عدد من الأساتذة في تونس. تابع إبن خلدون دروساً ثلاثة في النحو، كما تلقى على الأخص دروساً في الأدب مع الاستاذ عبد الله محمد بن بحر. خلال السنوات التي تلت، كرّس إبن خلدون نفسه لدراسة الأحاديث النبوية والقانون. كذلك حضر دروس الفقه والعلوم القرآنية، وحضر دروساً في العلوم الفلسفية، تلقاها من الرياضي والفيلسوف الأبلي وكذلك الرياضيات والمنطق.

ومع أنه قبل الثالثة والعشرين والخامسة والعشرين، قبل سجنه لفترة واحد وعشرين شهراً، كان يحضر الجلسات العلمية لأبي عنان بصفته كاتباً لدى الحاكم، فإنه لم تعد لديه وسيلة لمتابعة دروس الأبلي بعد أن توفي هذا الأخير عام  1356م، ولم يعد يذكره إبن خلدون في معرض روايته عن إقامته في فاس. مع ذلك، فإن هذه الفترة التي عاشها في فاس سمحت له في أن يختلط بالنخبة المثقفة في المغرب والأندلس.

وبانتمائه إلى النخبة السياسية، تلقى إبن خلدون تربية معتنى بها استطاع أن يوسعها بفضل الثقافة الواسعة في الوسط المحيط به. ولا يبدو أن إبن خلدون قد أقام علاقات جيدة خلال إقامته الأولى في فاس مع علماء عاصمة بني مرين.

إن الوسط الثقافي المغربي، وعلى الأخص ذلك الذي كان موجوداً في تونس وفاس، لم يساهم فقط في تشكيل الشخصية الفكرية لإبن خلدون، وإنما طبع بشكل عميق أيضاً إشكالية وأسلوب مؤلفه. كما أن الانطباع الشمولي الذي يتشكل لدينا عند قراءة أعماله تشكلت في القرن السابق، وبالتالي كان من الضروري في أحسن الأحوال الحفاظ عليها أو ترميمها، وفق ما يبيّن الكاتب.

    

للبلاط حصته من فكر إبن خلدون

ولكي نعرض الملامح العريضة لهذه الخلفية الثقافية، يجب في البداية أن نتبع إبن خلدون الذي يقدم لنا في سيرته الذاتية وصفاً كاملاً للوسط الثقافي للبلاط، وفي الوقت ذاته يعرض في المقدمة معلومات عديدة وتحليلات للمظاهر المتنوعة للحياة الثقافية المغربية.

لقد رسم إبن خلدون لوحة عن الحياة الثقافية في الغرب المسلم، حيث خصص للوسط الفكري للبلاط جزءاً من سيرته الذاتية، وذلك للحديث عن سنوات تكوينه، مستعملاً تقاليد “الفهرسة” و”البرنامج” لوضع قائمة بأسماء الأساتذة والأعمال التي درسها تحت إشرافهم.

ويشير شدادي إلى أن الوسسط الفكري الذي تناوله إبن خلدون يقتصر بشكل كامل على النخبة أو ما يسمّيهم “الخاصة”. كما كان يثمّن صفاتهم الفكرية العالية ومعارفهم فأطلق على أساتذته لقب “أشياخنا”، معبّراً عن امتنانه، وعلى أصدقائه لقب “أصحابنا” مؤكداً على صفاتهم الأصيلة.

تتلمذ إبن خلدون على يد علماء متعددين منهم ما هو مختص بالفقه والسنّة وعلوم القرآن ومنهم ما اهتم باللغة والأدب العربيين، وآخرون ركزوا على العلوم العقلية والمنطق، يوضح شدادي.

ويشرح أنه “كانت السنة النبوية والفقه تشغلان المكانة الأولى لدى العلماء، كما كان هناك ثقافة عامة واسعة تجمع بين الاختصاصات معاً لدى مختلف العلماء. أما بالنسبة للعلوم العقلية – كالرياضيات والطب وعلم الفلك – فكان هناك عدد كبير من العلماء بشكل يثير الدهشة. إن وسط العلماء الذين كانوا يحيطون بالحكام هم من النخبة المنتقاة بسبب جاههم أو كفاءتهم وإخلاصهم أو بفضل مديح أو صيغة حاذقة يدرجونها خلسة في عظة يلقونها. وحيث كان المجلس العلمي للملك يوظف كمكان للسجالات الفكرية، إلا أن ذلك الزمن لم يعد مناسباً للنقاشات العقائدية الكبيرة في مجال علم الكلام أو الفلسفة أو التصوف وإنما بشكل أكثر تواضعاً، لعلم الشريعة المعتدلة التي فرضت نفسها بشكل شبه توافقي.

أما عن الحياة الثقافية في المغرب بحسب المقدمة، والتي شملت بوصفها المجتمعات الإسلامية كلها، فيخبرنا صاحب كتاب ” إبن خلدون الإنسان ومنظَر الحضارة، ” فإنها تبدو قاتمة بحسب إبن خلدون حيث اعتبر أنها قد دخلت في مرحلة الانحدار، وذلك بسبب تدني الاهتمام بالعلوم إلى مرحلة الانعدام، وغياب المناهج التعليمية الملائمة على عكس تقييمه للشرق حيث احتلت القاهرة مكان العواصم الثقافية التي نالها الخراب،” فاستحكمت فيها الصنائع وتفننت ومن جملتها تعليم العلم”.

ومن خلال استعراض إبن خلدون للعلوم المختلفة يظهر همه الأساسي في تسمية المؤلفين والأعمال التي كانت معتمدة في المشرق والمغرب، وأن يبين تطورها في الأزمنة القريبة منها. ويطرح هنا إشكالية استمرارية العلاقات مع التقاليد العلمية، حيث توفرت هذه الاستمرارية في المشرق وغابت في المغرب العربي فكان هناك خلل في مستوى سلسلة الناقلين للمعرفة الذي يؤمنون الحفاظ على علاقة حية مع من يعتبرون مرجعية أساسية في الثقافة الإسلامية.

يبيّن عبد السلام شدادي، أن إبن خلدون يستخرج بعض الدلالات الأخرى على انحدار الثقافة في المغرب وفي الأندلس مثل تأثر النتاج الفكري في أساسه المادي وهو الخط والوراقة وتأثر التعليم السلبي باعتبارات خارج نطاق التربية أو ضدها. فعانى الخط في إفريقيا والمغرب من الرداءة والابتعاد عن الجودة وكثرة الفساد والتصحيف. كما وجه نقداً لبرامج التعليم الطويلة والمثقلة من جهة والاعتماد على الملخصات والموجزات والشكلانية المنطقية وتعقيد المصطلحات العملية وكثرتها من جهة أخرى.

انتقادات وجهت لإبن خلدون

أما بالنسبة للانتقادات التي وجهت لإبن خلدون والتي قام شدادي بتجميعها وتوجيهها له، فهي إهماله لمنظومة التعليم الإسلامي والجانب المؤسساتي لها، وحيث أنه أكثر من المدائح الموجهة لمدارس وأديرة القاهرة والتأكيد مراراً على أهميتها في ازدهار الحركة العلمية والثقافية، فإنه لم يذكر المؤسسات المشابهة في الغرب الإسلامي.

ولأن الهدف العام لإبن خلدون في “المقدمة” هو تقديم نظرية عن المجتمع الإنساني بشكل عام، فإنه لم يستطع أن يسمح لنفسه بوصف تفصيلي للوضع الملموس للمجتمع الإسلامي في زمنه، ولا للمجتمع في العالم الإسلامي بمجمله أو في المغرب والأندلس.

في “المقدمة” يتناول إبن خلدون نقاطاً شائكة أو خاضعة للجدل. سنذكر هنا بعضها، ففي مجال العلوم الدينية هناك المكانة المعطاة للحديث وللكلام، وتفسير الآيات الغامضة في القرآن، وتعريف الايمان الديني وتحديد طريقة غرسه في النفوس، ومعنى وحدود علوم الصوفية. في مجال العلوم العقلية، هناك شرعية المنطق وفائدة بقية العلوم الفلسفية، وخطر التنجيم والكيمياء والسحر.

   

كيف دخل إبن خلدون معترك السياسة

تمثال لإبن خلدون في ساحة الاستقلال في تونس

 عام 1342 م، دخل إبن خلدون إلى معترك السياسة. وتم تعيينه كمستشار للسلطان التونسي الشاب أبي اسحق، وكانت مملكة الحفصيين قد تقسمت. كانت وظيفة صاحب العلامة التي تعني حرفياً أمانة التوقيع والتي عهد بها إلى إبن خلدون هامة ومليئة بالمزايا بالنسبة لشاب في العشرين من عمره. ومع ذلك فإن إبن خلدون لم يكن معجباً بهذه المهمة. وهو لم يمارس وظيفة رسمية إلا لمدة 13 سنة. وخلال ثلاثين سنة من الحياة النشطة في المغرب، ما بين العشرين والخمسين سنة، دامت مساهمته الحقيقية في مجال السلطة خمس سنوات بالكاد. ومع ذلك فإن البعد السياسي شديد الأهمية، بل ومهيمن، وعلى الأخص في الفترة المغربية.

إن حب العظمة هو بلا شك أحد الصفات الأكثر عمقاً في شخصيته. وهو يجد أصله في تاريخ عائلي، يقول شدادي.

كذلك عهد لإبن خلدون بإدارة خطة المظالم التي كانت تعطيه الحق في أن ينظر في ممارسات العدالة. عندما تم استقبال إبن خلدون في غرناطة، كان الملك محمد الخامس قد انتهى لتوه من استعادة عاصمته بعد ثمانية أشهر بالكاد وذلك في آذار مارس 1362م. كانت لإبن خلدون مساهمة لا يستهان بها في إعادة الملك الغرناطي إلى عرشه. وكانت مظاهر التشريف بمثابة اعتراف بالمساعدة التي قدمها للملك من خلال تسهيل حصوله على روندة كقاعدة من أجل استرداد مملكته. وفي بلاط بني ناصر، كان يمكن لإبن خلدون أن يظهر بلاغته وثقافته الواسعة.

يشير شدادي في كتابه إلى السلطان المريني، وتوصل إبن خلدون بمعجزة لأن يسافر إلى فاس في تشرين الأول نوفمبر 1372م، بعد أن اجتاز الصحراء برحلة عجائبية تم الهجوم خلالها على قافلته من قبل البدو وتم نهب ما معه. ثم أتاه الحظ في أن يجد على رأس الحكومة في فاس أحد أصدقائه القدامى هو أبو بكر بن الغازي الذي تعامل معه بكرم. وخلال فترة سنتين عاشها هناك قام بكتابة الدراسة الصوفية (شفاء السائل)، لكن الفريق القائم على السلطة تغير. ووقع إبن خلدون من جديد هدفاً للمعاملة السيئة.

وفي عام 1374 م رحل إلى الأندلس، حيث كانت لديه نية الاستقرار. وعندما أراد أن يأتي بعائلته إلى غرناطة وقفت السلطات في وجه ذلك واتهمته بالتآمر ضدها. وبعد أن طردته وجد نفسه في هنين بين يدي الحاكم أبي حمو الذي أراد أن يستغله بالعمل لصالحه، لكنه التجأ إلى أصدقائه من أولاد عريف الذين استقبلوه في قصرهم في قلعة بني سلامة. وهكذا تنتهي السيرة السياسية المضطربة لإبن خلدون في المغرب.

أربع سنوات لكتابة العبر

بعد خلوة أربع سنوات استطاع إبن خلدون أن يؤلف كتابه (العبر)، وفي نهاية تلك العزلة حاول أن يعود الى مسقط رأسه، وكان سلطان تونس أبو العباس الذي استقبله بشكل جيد، لكنه لم يجد قبولاً في أوساط المثقفين التونسيين.

وهنا يلفت شدادي إلى أن الموضوع الذي يتصدى إبن خلدون لدراسته في علمه الجديد على درجة كبيرة من التعقيد. فمن أية جهة يمكن تناول المجتمع والحضارة، وما هي المظاهر التي يجب إبرازها فيهما، وبأي ترتيب؟

يجيب إبن خلدون عن هذه الأسئلة الصعبة مستخدماً الإطار الابستمولوجي الموروث من التقاليد الفلسفية الإغريقية – العربية، لكن من دون أن يحد نفسه فيه. وهكذا، إن كان يعطي الأولوية للطابع السياسي، فإنه يتمايز عمن سبقوه من الإغريق والعرب حين يقرر أن لا يمكن حصره لا بالفلسفة السياسية ولا بالتاريخ. بالإضافة إلى ذلك، ومن خلال إضفاء طابع منهجي على توجه كان موجوداً من قبل لدى الفارابي، لا يرمي إبن خلدون إلى دراسة المجتمع وحده في إطار المدينة، وإنما يوسع هذا المفهوم ليشمل الإنسانية جمعاء التي يتم النظر إليها في الزمان بكل أعماقه.

في عالم إبن خلدون السياسي، تكون الكيانات السياسية وفق ما يوضح شدادي، في الحقيقة ذات طابع اجتماعي وسياسي متلاحم بشكل لا يمكن تفكيكه. وهي تتحدد بداية بإطار الانتماء الإثني أي الأمم، وبتقسيماتها الزمنية، وبمختلف تقسيماتها الفرعية الإثنية (شعب، قبائل، بطون). 

مفهوم الدولة عند إبن خلدون

يقول شدادي: “غالباً ما يستخدم إبن خلدون مفهوم المُلك بربطه مع مفهوم الدولة. والتقارب بين مصطلحين ليس محض صدفة، فإن كانت الضرورة السوسيولوجية للدولة قد تم التعبير عنها بشكل مجرد بمفهوم المُلك، فإن هذه الدولة تتحقق بشكلها الملموس والمؤسساتي عبر المفهوم الذي يغطيه المصطلح العربي (الدولة). فالدولة في اللفظ العربي، هي الجهاز والبشر والمؤسسات التي تضطلع بوظيفة السيادة في المجتمع لكي لا يقع هذا المجتمع في الفوضى”.

 ويشرح إبن خلدون عملية تشكّل الدولة بالطريقة التالية:

أما الانفراد بالمجد، فلأن المجد كما قدمناه، إنما هو بالعصبية، والعصبية متألفة من عصبيات كثيرة تكون واحدة منها أقوى من الآخر كلها، فتغلبها وتستولي عليها حتى تصيرها جميعها في ضمنها. وبذلك يكون الاجتماع والغلب على الناس والدول.

يوضح الكاتب أنها عملية طويلة تقوم فيها العائلات والعشائر والقبائل من خلال صراعها على التفوق بالترابط فيما بينها لتتشكل في عصبية، أي في قوة موحدة. هذا التوحد يتم بالضرورة في إطار الصراعات وعلاقات القوى.

ويشير إلى أن العصبية العامة للقبيلة هي مثل المزاج للمتكون، والمزاج إنما يكون عن العناصر. وقد تبين في موضعه أن العناصر إذا اجتمعت متكافئة فلا يقع منها مزاج أصلاً، بل لا بد أن يكون واحد منها غالباً على الآخر، وبغلبته عليها يقع الامتزاج. وكذلك العصبيات لا بد أن تكون واحدة منها هي الغالبة على الكل حتى تجمعها وتؤلفها وتصيرها عصبية واحدة، شاملة لجميع العصبيات، وهي موجودة في ضمنها.

وتلك العصبية الكبرى إنما تكون لقوم أهل بيت ورئاسة فيهم. ولا بد أن يكون واحد منهم رئيساً لهم، غالباً عليهم، فيتعين رئيساً للعصبيات كلها.

هذه الصراعات القبلية يمكن أن تنحصر في المستوى المحلي، لكنها يمكن أن تدور أيضاً على مقياس أوسع ويكون مسرحها مناطق واسعة مثل المغرب أو الشرق الأوسط. وفي هذا المستوى الأخير يوضع إبن خلدون الضرورة الفائقة للسيادة، أي للمُلك بالمعنى الكامل. فالمجموعات القبلية على هذا المقياس تكون غالباً غير متكافئة ولا تستطيع جميعها الوصول إلى المُلك، ويتم تعريف المٌلك بشكل واضح هكذا: “وإنما الملك على الحقيقة لمن يستعيد الرعية، ويجبي الأموال، ويبعث البعوث، ويحمي الثغور، ولا يكون فوق يده يد قاهرة”.

يرى شدادي في كتابه أن إبن خلدون يضيع بهذه الطريقة أن يضع تراتبية للسيادات وللدول. فالسيادة التي تحمل مجمل هذه الملامح هي سيادة الإمبراطوريات الكبيرة مثل فارس وبيزنطة والإمبراطورية العربية في زمن الأمويين والعباسيين، وإمبراطوريتي البربر المرابطين والموحدين. وعندما لا تتم ممارسة إحدى أو بعض هذه الصلاحيات مثل الدفاع عن الحدود أو جبي الضرائب، يكون لدينا مستوى أدنى من السيادة. ويعطي إبن خلدون أمثلة على ذلك الإمارات البربرية في زمن أغالبة القيروان أو الإمارات غير العربية في فترة العباسيين الأوائل. كذلك عندما لا يكون لدى السيادة استقلاليه كاملة، وتجد نفسها خاصعة إلى سلطة أعلى، كما هم حكام المناطق في الدولة نفسها، يكون لدينا أيضاً سيادة أدنى.

وهكذا ينظر إبن خلدون إلى مسألة تأسيس الدولة في سياق تاريخي ملموس هو العالم المنظم سياسياً في إمبراطوريات وممالك وإمارات وقبائل تفلت من أية سلطة مركزية، وانبثاق دولة جديدة لا يمكن أن يتم سوى ضد أو على حساب دولة موجودة.

المصدر: الميادين نت

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.