عرسال … كشفت جيش امريكا الثالث وحواضن حروب أهلية مقبلة، عادل سمارة

مرة أخرى لا بد من قولٍ ما بشأن حرب الهويات المتصاغرة ضد الهوية العروبية، وخاصة هجمة دُعاة تصاغر الهويات ورفض الوحدة العربية. فمن يتابع ما يدور  من هجوم على دور المقاومة في حماية لبنان وتحرير أرضه وخاصة تحرير عرسال لا بد أن يتسائل: هل هناك بلد “ديمقراطي” في العالم غير لبنان؟!

ذلك لأن وجود مناخ وحماية محلية وعلنية لقوى تستدعي كافة انواع الاحتلال ، السياسي والاقتصادي والثقافي والمالي والجنسي والداعشي والصهيوني هي حالة لا مثيل لها ولا أعتقد ان مجتمعا يقبل بها. كل الأمم التي تعرضت للعدوان والاستعمار تفاخر وبعد عقود بل قرون بالتحرير وغالبا تسميه يوم النصر.

لم تعد مفردة خيانة كافية لتفسير ظاهرة كهذه في لبنان خاصة، لأننا نتحدث عن قيادات وأحزاب وحتى جمهوراً! فالخيانة طبقا للمألوف حالة فردية محدودة وسرية للغاية. لكن ما يحدث في لبنان هو جيشان استدعاء العدو واستدخال الهزيمة وبما يقارب نصف السكان!

لا أحب كثيرا فذلكات علماء الاجتماع، لكنني مضطر للتساؤل: هل قام احدهم بنحت مصطلح يصف هذه الحالة. أزعم حتى الآن انها استدخال الهزيمة لأنها حالة جماعية لا فردية، فالهزيمة القومية او الوطنية لا يوصف بها شخص بل جماعة.  لا يمكن إدراج هذه الحالة ايضا في خانة الحقد والكراهية والحسد …الخ لأن هذه ايضا حالات فردية. لكنها في لبنان تقارب وصفها بتشكيلة اجتماعية اقتصادية ثقافية ونفسيه.

دعنا نتجاوز بالقول أن في لبنان مجتمع المقاومة ومجتمع استدخال الهزيمة. وبأن مجتمع استدخال الهزيمة فئات طبعاً، أوضح ما فيه نداء واستدعاء كافة أنواع الاحتلال ضد المقاومة، وأدهش ما فيه فريق يتمتع بمستوى من اللزوجة من المتسغرب وجوده في بني البشر، هذا الفريق الذي يقول: “نحن مع سلاح المقاومة إلى ان تطرد النصرة وداعش وبعد ذلك تسلم السلاح للدولة! وبالطبع قد تربط بقاء سلاح المقاومة بتحرير بقية لبنان، وربما لا تربطه.  إن هذا استخدام العاجز أو المهزوم للفاعل والمضحي، استخدام فيه درجة كبيرة من الاستثمار بلا رصيد وبلا حد أدنى من الانتماء.

يعود هذا الموقف المعادي للمقاومة، وهو جوهرياً معادٍ للحرية باسم اللبرالية والديمقراطية، إلى فترة وجود المقاومة الفلسطينية ولم يتغير تجاه المقاومة اللبنانية.

وإذا كان غياب دولة حقيقية في لبنان قد سمح لقوى المقاومة أن تأخذ دورها الطبيعي سواء بوجود جيش لم يتم تجهيزه للدفاع عن الوطن، أو بغياب الجيش وانقسامه طائفيا، فإن الحرب على سوريا قد وضعت لبنان أمام تحدِ مختلف يُطال مجرد وجوده أو حتى يُسائل ضرورة وجوده كدولة مستقلة.

كان ذلك حين خرج حزب الله والقومي السوري والحرس العربي …الخ من لبنان إلى سوريا دون أن يابه بالحدود وما تسمى السيادة، وهذا ما أرعب الفريق المضاد للمقاومة اي أداة الثورة المضادة بما هو انعزالي طوائفي محلياً، متخارج لمستوى معولم ومضاداً للبعد القومي.

طبعا لا نذكر إيران لأنهم يعتبرونها استعمارا طائفيا قوميا…الخ فما بالك بروسيا. ذلك لأن ما يهمنا في هذه العجالة هو التحطيم العروبي للحدود القطرية.

 أما وقد أخذت الأمور تتجه نحو توازن الدولة السورية ميدانيا، وتبع ذلك طبعاً تراخي الهجمة الدباوماسية الدولية بل المعولمة ضد سوريا، فإن قلق الانعزاليين/الطائفيين أو غير العروبيين بما هم قوى واتجاهات تذهب بلا تردد نحو العمالة للأجنبي، قد ارتفع منسوبه. أما الانتصار في عرسال فقد دفع هذا الفريق إلى درجة من الضيق عبر عنها برفض دور المقاومة وتوجيه الاتهامات لها، والتقليل من تضحياتها ودورها في الانتصار…الخ.

وبالطبع، لا يمكن لهذا الفريق أن يتخذ هذه المواقف بعيدا عن ارتباطاته الدولية كجزء من الثورة المضادة التي هي متجذرة في الوطن العربي وسابق وجودها على المقاومة. وهذا درس عميق الأهمية لفهم ما يجب علينا القيام به أمس بل اليوم. فالمقاومة هي رد على تحدي الاحتلال أو الثورة المضادة من الداخل والخارج. ذلك أن المقاومة قوة كامنة تقوم بدورها حال حصول العدوان. وهذا يستدعي السؤال الصعب التالي:

ماذا بشأن العلاقات السورية اللبنانية بعد الانتصار السوري ؟ سواء في المستوى السياسي او المقاومة او النسيج الاجتماعي والاقتصادي.

فإذا كانت المقاومة قد شطبت الحدود السيادية الشكلانية بين البلدين، فهل سيتم إغلاق هذه الحدود في وجه المقاومة؟ ويعود الشكل الدولاني القطري الذي كان حاضنة كافة آفات الطائفية والانعزالية بل ومختلف مكاتب مخابرات وتجسس معولمتين؟

من حيث الثورة المضادة، فهي لم تخف موقفها، فهي ضد التنسيق العسكري مع الدولة السورية ضد الإرهابيين، وهي تكاد توقف العلاقات الدبلوماسية /السفارات بين البلدين.

هذه المبالغة في مقاطعة سوريا هدفها تركيز وتأكيد موقف مسبق من أية علاقة خاصة بين البلدين وتحديداً إعادة بناء الجدار السيادي القطري الوهمي.

ضمن هذا التحضير المسبق كانت كما يبدو زيارة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري إلى امريكا ربما لتسليح ما للجيش اللبناني في محاولة لإعادته لمستنقع الجيش الطائفي ليكون أداة طيعة ضد المقاومة ولصالح السيادة القطرية .

هذه التطورات تؤكد ما ذهب إليه كثيرون بان الوطن العربي وخاصة المشرق مقبل على حروب بعد الحرب الجارية، حروب ذاتية بينية داخلية وخاصة بعد أن تمكنت إدارة اوباما من إعلان تخليق الجيش الأمريكي الثالث اي جيش/جيوش عربية تعمل لصالح امريكا ضد كل قطر عربي وضد الوطن عموما، وهذه الجيوش ليست مجرد الدواعش والقاعدة والتكفيريين بل الحواضن الانظماتية والثقافية وضمن ذلك طبعا الانظمة الاقتصادية الريعية التي تنبت منها هذه الجيوش. هذه الجيوش هي الحزب المنظم الوحيد والمسلح والممول في الوطن العربي، وقياداتها الميدانية انظمة عربية وراس القيادة والتحكم هي الإمبريالية الأمريكية والغرب الرسمي، وغرفة حصد النتائج في تل ابيب.!

بل إن هذه الحواضن هي التي تنبهت إليها إدارة أوباما فخلقت الجيش الأمريكي الثالث علانية. هذه الحواضن هي انظمة الدين السياسي والطائفية والقطرية ومثقفي الطابور السادس الثقافي. لذا قامت بدور لصالح الإمبريالية تدميري ذاتيا وغير مكلف لقيادة الثورة المضادة. ولا شك أن لها دور قادم بعد إلحاق الهزيمة بداعش والنصرة ومثيلاتهما. ولا أدل على ذلك من ندم هذه الحاضنة وترحمها على اقتلاع النصرة من عرسال، وقيام امريكا بالعدوان المخصص على الحشد الشعبي في العراق كمؤشرات أكثر وضوحا.

بوجود هذه الحواضن، يجدر بنا الانتباه بأن امريكا لا تخرج من الوطن العربي والمنطقة بل تتجذر هذه المرة عبر الارتكاز على بُنى لها قواعد شعبية ترى مصيرها في تحقيق أمرين: ية ومتعددة المعارك لتعدد الميادين.

  • تكريس التجزئة ومضاعفتها
  • وتقديم ذلك عربوناً لحماية امريكا لها.

هنا، لا يقتصر الأمر على انظمة الدين السياسي اللاعروبي في الخليج، بل كذلك على طبقة راس المال الكمبرادوري وحاملي سياسات  السوق الاجتماعي ومثقفي الطابور السادس الثقافي …الخ. وهذا يُضيى على ساسة في اكثر من دولة من الجمهوريات يدعون للطائفية والقطرية ويهزؤون بالعروبة وتحرير فلسطين…الخ حتى رغم هول العدوان وبعد أن شارف الأمر على الانتصار، بل يبدو لأن الانتصار صار قاب قوسين أو أدنى، فكان لا بد من تحركهم لقصم ظهره ذلك لأن هذه حواضن رسمية ومالية وثقافية وحتى عسكرية. وهذا يجعل مهمة المقاومة مؤبدة وقاسية.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.