حسني عايش يدعو للمقاومة السلمية فقط، عبدالله حموده

كتب الأستاذ حسني عايش مقالاً في جريدة الغد في 31/7/2017 بعنوان (المقاومة المستدامة) يقول فيه أن الفشل في حرب 1948 وحرب 1967 معروفة وأن فشل المقاومات الفلسطينية المسلحة ففيها قولان (هما لي) كما يقول لمخالفتها لقانوني المقاومة المستدامة وهي المقاومة التي يستطيع أهلها الاستمرار فيها ذاتياً حتى تحقيق الهدف وهو هنا تحرير فلسطين بالكامل من الاغتصاب الصهيوني والقانونان هما:

  • لا تتبنى مقاومة لا تستطيع الاستمرار فيها حتى النهاية أي تحقيق الانتصار على العدو.
  • ولا تستخدم أسلوب في المقاومة عدوك أقدر به منك عليك، ومنك عليه، ويؤكد أن المقاومة المسلحة التي نجحت في فيتنام والجزائر لا تنجح في فلسطين بسبب الجغرافيا.

وعدم تحمل الأنظمة العربية دعم المقاومة وتحول القضية الفلسطينية إلى قضية فلسطينية، ثم ينتقد العمليات الاستشهادية، ومثلها المقاومة المبتكرة بالطعن والدهس التي تراهن على سمو أخلاق العدو وأنه لن يلجأ إلى الرد عليها بالمثل. ثم يستشهد بالمقاومة السلمية الباهرة والقوى الناعمة التي أجهضتها القيادة الفلسطينية باتفاقية أوسلو، والأمل يبقى بصمود ومقاومة الشريحة الفلسطينية في فلسطين عام 1948، والقدس هي الشرارة والشعلة الموحدة لشعب فلسطين في كل مكان.

ويقول لو كان لدى القيادة الفلسطينية منذ وعد بلفور إلى اليوم تفكير استراتيجي يناسب وضع هذا الشعب الفريد في خصوصيته الجغرافية، لتبنت المقاومة السلمية على طول ولا اخترقت أحشاء العدو وفازت بالحرية والاستقلال. فالمقاومة السلمية ينبوعية ولا تعطل الحياة اليومية – أي لا تنضب لكنها تجعل العدو ينضب وتتعطل حياته.

ويختم مقاله: سوف ينبري لك من يتهمك بالاستسلام ليس دفاعاً عن القضية الفلسطينية وإنما دفاعاً عن أيدلوجيتهم المسلحة الفاشلة.

لمناقشة هذا الرأي علينا أن نحدد ماهية العدو الصهيوني:

إن كتاب هرتزل (دولة اليهود) الذي صدر عام 1895 يؤكد فيه على ضرورة إفناء الشعب الذي يعيش في البلد الذي ستقيم فيه الصهيونية دولة اليهود فهو يقول:

” إذا رغبنا بإنشاء دولة اليوم فعلينا أن لا نقوم بذلك بالطريقة التي كانت ستعتبر الطريقة الممكنة الوحيدة قبل ألف عام. ومن الحماقة أن نعود إلى المراحل القديمة للحضارة كما يرغب بذلك العديد من الصهاينة. فلنفرض مثلاً أننا نريد تطهير قطر ما من الوحوش البرية فعلينا أن لا نتصدى لهذه المهمة على شاكلة الأوروبيين في القرن الخامس، ينبغي علينا أن لا يحمل أحدنا حربة ورمحاً فيخرج بمفرده لتعقب الدببة. وإنما علينا أن  ننظم فريقاً كبيراً للصيد يكون  مفعماً بالنشاط ليقوم باستدراج الحيوانات وجمعها ثم يقوم بإلقاء قنبلة شديدة التفجير عليها”.

لا توجد نازية وفاشية أكثر من كلام هرتزل لإبادة الشعب الذي يريد إقامة دولته على أرضه.

                              

وأما جابونتسكي فهو يؤكد أننا سنستمر بالاستيطان ونرفض المفاوضات مع الفلسطينيين حتى يفقدوا أي أمل بالانتصار علينا وسيبعدون المتطرفين ويأتون بالمعتدلين ويطالبون بالحكم الذاتي.

وفي عام 1935 كانت انتفاضة القسام لمعرفتها بالعدو وأدى استشهاده إلى اندلاع ثورة 1936.

وبن غوريون وايجال ألون وغولدامائير ورابين وشمعون بيريز وباراك وشارون ثم نتنياهو كلهم أصحاب العقيدة الصهيونية التي يقيمون وجودهم على أساس إما نحن وإما هم، أي العلاقة صفرية في الصراع العربي الصهيوني. فهم يريدون الأرض وطرد الشعب

ولذلك فإن سياسات الأنظمة العربية التي سعت إلى التفاوض مع العدو لم ينتج عنها إلا المزيد من العنف الصهيوني سواء على الشعب الفلسطيني أو الأمة العربية. حيث تم ضرب العراق واحتلال بيروت وضرب مصر في الأعماق وتونس وسوريا.

إن الحديث عن المقاومة السلمية فقط لتحرير فلسطين كما يقول الأستاذ حسني عايش فيه تجاهل لفلسفة الوجود الصهيوني من جهة ودعم الامبريالية البريطانية سابقاً وبعدها الأمريكية ودعم الدول الغربية عامة للوجود الصهيوني من جهة أخرى. ولقد تحررت شعوب كثيرة باستعمال العنف المسلح بالإضافة إلى أشكال نضالية أخرى، ونحن لسنا استثناء.

إن مخطط إبقاء التجزئة التي خلقتها سايكس بيكو ووعد بلفور كما تم تنفيذه أثناء الانتداب البريطاني والاستراتيجية الامبريالية الأمريكية خاصة والإدارات الغربية عام التي تقول: وجدت إسرائيل لتبقى. وهي مدعومة منهم لتكون أقوى من جميع الدول العربية مجتمعة لتحقيق الاستراتيجية الغربية بالسيطرة الكاملة على الوطن العربي الذي هو (قلب العالم جغرافياً) ونهب خيراته وسوقاً لمنتجاته ومنع الوحدة العربية واحتلال العقل العربي وصولاً إلى السيطرة الغربية الكاملة وإبقاء التبعية للغرب هدفاً مركزياً تطبقه السياسات الرسمية العربية بامتياز باختيارها السلام مع العدو كخطة استراتيجية.

ومن هنا نقيم الحرب الكونية على سوريا والمقاومة لتنفيذ هذه الاستراتيجية.

أما عن الجغرافيا الفلسطينية والشعب الفلسطيني فيجب أن نلاحظ عدم وجود غابات مثل فيتنام وصغر المساحة الجغرافية الفلسطينية. ولكن علينا أن نلاحظ أولاً الصراع عربي صهيوني وليس فلسطيني صهيوني فقط وأن بنايات المدن هي غابات من نوع جديد وحرب المدن جرت في أكثر من مكان. ويجب أن نذكر سيطرة العمل الفدائي ليلاً على غزة في الستينيات كمثل في إمكانية ابتداع وسائل للنضال المسلح رغم ظروف غزة الجغرافية.

أما الفشل الذي كان نصيب القيادات العربية الرسمية عامي 1948 و 1967 فهو يعود لأن هذه القيادات من صنع الغرب الذي أوجد الكيان الصهيوني. ولذلك تكمن المشكلة بالحرب مع العدو هو بعدم الاستعداد الحقيقي للحرب أبداً. وأما فشل القيادات الفلسطينية فيعود إلى طبيعة القيادات وعدم فهمها الجدي والحقيقي للعدو. لذلك وافقت على قيام دولة على الورق عام 1988 ووقعت اتفاق أوسلو الذي جعل قيادة منظمة التحرير تقبل بالشروط الصهيونية الكاملة مما زاد في الاستيطان وفشل فكرة الدولة المستقلة لأنها فكرة خاطئة من الأساس لأنها وهم حيث أن المفاوضات في كل زمان ومكان تتبع موازين القوى التي أنتجت لنا أوسلو وقبلها كامب ديفيد وبعدها وادي عربة. فالمشكلة في طبيعة القيادات العربية الرسمية والفلسطينية الرسمية وهي لم تعد نفسها للانتصار بل سارت بأرجلها إلى الهزيمة عربياً وفلسطينياً.

ليست المشكلة في المقاومة المسلحة حيث كانت قيادة منظمة التحرير تقول بالبندقية وحدها قبل أوسلو ورفض كافة الأشكال الأخرى وبعد أوسلو تقول بالمفاوضات وحدها دون الأشكال الأخرى.

إن المقاومة الشعبية للاحتلال مشروعة بكافة الأشكال الثقافية والسياسية والعسكرية والاقتصادية. ولتحرير الوطن الفلسطيني المحتل علينا أن نرفع الشعارات الأساسية ضد الاحتلال: إبقاء حالة عدم الاستقرار عند العدو والدور الخاص لنضال الشعب الفلسطيني في الوطن المحتل عام 1948 الأمر الذي غاب كاستراتيجية عن ذهن القيادة الفلسطينية.

إن وحدة الشعب ووحدة الأرض وتنوع أشكال النضال والإيمان الحقيقي بعروبة القضية الفلسطينية والإيمان بأن الخطر الصهيوني خطر على الأمة العربية جمعاء هو الذي سيحدد شكل النضال. فإذا كانت قضيتنا عادلة وقياداتنا فاشلة فعلينا استبدال القيادات . أما شكل النضال فهو متنوع دائماً وأبداً من الكفاح المسلح إلى الكفاح الثقافي والسياسي والفني والاقتصادي وشكل النضال الرئيسي في كل مرحلة تحدده الظروف في الزمان والمكان.

إن المجازر والمحارق الصهيونية لشعبنا العربي الفلسطيني خاصة والأمة العربية عامة يؤكد أن الصراع مع العدو صراع وجود وبالتالي لا يحل بالمقاومة السلمية التي يدعو لها الأستاذ حسني عايش. بل باعتماد كافة أشكال النضال ومنها  النضال الشعبي المسلح

إذا وجد بلد عربي واحد قادر على تحمل رد الفعل الصهيوني فإن انطلاق الحرب الشعبية المسلحة ضد الكيان أمر وارد، وعلى المدى الطويل تتحرر الأرض، لكن هذا يعني نظام بلد عربي اقتصادي منتج وثقافياً وسياسياً يرفض التبعية للغرب الذي أوجد الكيان الصهيوني ويقيم اقتصاد حرب ونظام سياسي ملتحم مع الشعب وإقامة الملاجئ والاستعداد للتضحية واقتصاد حرب حقيقي ونظام إقليمي يعبئ الجماهير ويعتمد عليها ولا مكان فيه للفاسدين والإيمان بوحدة الأمة العربية ومستقبلها ورفض ثقافة التجزئة والهزيمة والاعتماد على ثقافة المقاومة. تصبح المقاومة المسلحة ليس ترفاً إنما طريقاً حقيقياً للتحرير جنباً إلى جنب مع كافة أشكال النضال الأخرى. وإذا كان الزمان الحالي محبطاً للكثيرين نتيجة التبعية للغرب على المستوى الرسمي، فعلينا النظر إلى المقاومة اللبنانية التي حققت انتصاراً بتحرير أجزاء من أرض لبنان العربي كما أن شعلة المقاومة التي تنتقل من جيل إلى جيل في فلسطين تؤكد أن الانتصار ممكن على هذا العدو عندما تتوفر شروطه.

فلا يجوز الانطلاق من موازين القوى الراهنة مع العدو لنقول بالمقاومة السلمية وحدها طريقاً للانتصار لأن هذا يعني عدم فهم طبيعة العدو.

فكما أن القول أن الكفاح المسلح وحده دون الأشكال الأخرى ليس صحيحاً. والقول اليوم بالمقاومة السلمية لوحدها دون الأشكال الأخرى النضالية ليس صحيحاً أيضاً. إن القاعدة الذهبية لم يتم تحرر أي بلد بانسحاب المحتل بالمقاومة السلمية لوحدها بل كان دوراً جذرياً للكفاح المسلح وصولاً للتحرير.

وعلينا أن نلاحظ أننا لن نكون هنوداً حمر كما ترغب الصهيونية والامبريالية. فشعبنا الفلسطيني يزيد عن أربعة عشر مليون منهم حوالي ستة ملايين في الوطن والأمة العربية أكثر من أربعمائة مليون وطاقات الأمة العربية الاقتصادية والحضارية والثقافية ضخمة إذا ما جندت لمصلحة الأمة مع رفض التبعية للغرب.

كما أن شعبنا في المحتل من أرضنا خاصة عام 1948 يعرف الآن العدو ويعرف طرق إيلامه خاصة أن هناك مئات الكوادر من كافة الاختصاصات التي تقرأ الأرشيف الصهيوني وواقع العدو ومؤمنة بعروبتها وتعمل بثبات من أجل تحرير فلسطين رغم ظروفها الصعبة.

إن عدم الاعتراف بحق العدو في وطننا هو الأساس، وشكل النضال يتغير بتغير الظروف. وإن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلى بالقوة. وهنا نعني القوة الشاملة اقتصادياً وثقافياً وعسكرياً مع الإيمان بوحدة الأمة ووحدة المصير. فالعقيدة واحدة والعدو واحد والنضال مستمر بكافة الأشكال والذي يقوم به أبناء الأرض المحتلة اليوم من شكل النضال جماهيرياً وثقافياً ومسلحاً ودهساً ولمقاطعة العدو وعدم استقراره، كلها ستؤدي إلى التحرير بانتظار وجود قيادة حقيقية تؤمن بحرية الشعب ووحدة الأمة. وحقنا لن يضيع مهما طال الزمن.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.