ناجي العلي…لا لوكر الجزيرة ولا لمغسلة الميادين!! عادل سمارة

أن يكون الشهيد مشاعا للشعب وللطبقات الشعبية خاصة، فذلك تجليس للشهادة في عُلُوِّ مكانها ومكانتها الوطنيتين والطبقيتين معاً. ولكن، أن يصبح مقام الشهيد مشروع استثمار مُباح ولعديد انواع المتاجرة، فذلك أمر يؤكد حالة الاختلاط الهائل في ساحة الدم والموت العربية حالياً. 
لقد تغوَّل الإعلام في دم الناس عميقا وطويلاً، فصار كل دم مباحاً، كيف لا والوطن من المحيط إلى الخليج مثابة مجزرة. 
قبل أن تتعرى قناة الجزيرة كان بوسعنا البوح بقول ما عن الشهيد الرفيق ناجي العلي، ثم بانت الجزيرة عن كارثة معولمة. وربما كنت أول من رفض دعوتها لبرنامج الاتجاه المعاكس، حيث وجدتها كقناة تطبيعية معاكسةً للوطن. كان ذلك أن كُلِّف السيد معن الشريتي بالاتصال بي للمشاركة ورفضت.
بحلول ذكرى اغتيال التطبيع للرفيق ناجي العلي، اتصل بي السيد محمود دغلس (برديوسر) الميادين، يوم 26 آب 2017، كي أشارك في برنامج عن الشهيد ابا خالد ناجي العلي. قلت له، أنا لا ارغب الظهور على الميادين، ومن أجل مصلحتك، وأنا لا أعرفك، لا تقترح عليهم اسمي لأن ذلك قد يلحق بك ضرراً، أنت لا تعرف أنني ضدهم. قال الرجل، لا، هم طلبوا مني الاتصال بك. قلت له لا تحرجني، لن أقبل.
لي موقف من الميادين، ولا أهدف هنا تحريض الناس ضدها، فالناس لها عقل وتتعلم. لكنني أشعر بان واجبي كمواطن دق جرس ما لأن هذه المحطة تغسل كثيرا من الأوغاد، ولا يجوز أن أساهم في إهانة ناجي العلي بالمشاركة في عمل لها هو استثمار بل متاجرة في دم الرجل لاستقطاب جمهور أوسع!
لقد استثمر العملاء في دم الشهداء كثيراً، إلى الحد الذي أرعب اسر الشهداء انفسهم.
لأسرة اي شهيد حقها الكبير فيه طبعاً، ولكن لا يمكنها ضبط لصوص المتاجرة بالدم. كما أن تهافت التجار يقود إلى ارتباك أهل الشهيد فيصبحوا في وضع طرائد مذعورة لا تثق بأحدٍ. وبالطبع بعض أهل الشهداء يتورطون في نفس الاستثمار! للأسف. ولكن ليس شرطاً، أن يكون الأهل مقاتلين ايضاً.
هذا الذعر دفع والد الشهيد باسل الأعرج حين قدمت له، في زيارة مع صديقة لبيتهم، كتابي “المثقف المشتبك” مهدىً إلى الشهيد باسل الأعرج للقول: “مفروض أن لا يكتب أحد عن الشهيد دون الرجوع لأسرته”. طبعا لم ينتبه الرجل إلى أن الكتاب مُهدىً إلى باسل الأعرج وليس عن باسل الأعرج، ولم يقرأ الرجل الكتاب حيث اعتقد ان النص عن حياة الشهيد كي يُباع للسوق!!!!!!، وليس فقط إهداء له. واحتراماً لمقام الشهيد ولأسرته، لم أردْ، ولم أوضح، واكتفيت بأن الرجل حين يقرأ الكتاب، سُيدرك أنه تسرَّع.عاتبتني صديقة مقرَّبة بأن كان يجب أن أرد عليه وأُحرجه، لكنني لست نادماً على الصمت.
في ذكرى اغتيال ناجي العلي، كتبت سؤالا حامضاً (1160 في 26 آب 2017 ) عن شهداء ثلاثة هم غسان كنفاني وناجي العلي وأحمد حسين. وثلاثتهم مبدع في مجاله، واستشهاد كل منهم لون خاص ومعين. 
لكن الرفيقة حياة ربيع أعادت نشر ما كتبته عن ناجي قبل فترة (سؤال حامض 886)، مما أقنعني أن اكتب ما كتبته أعلاه حفاظا على دم الشهداء في قادم الزمان وللحذر من المتاجرة المتنوعة بدمائهم ودماء جميع الشهداء.
ملاحظة: في الصور، الرفيق سيف دعنا يزور ضريح الشهيد غسان كنفاني (طبعاً استئذنته في ذلك)، وصورة موقع مقبرة جنود الوحوش الإمبرياليين في الحرب العالمية الثانية في لندن حيث أصر التطبيع على أن لا يُدفن ناجي حسب وصيته في مخيم عين الحلوة، فدُفن هناك قسراً ، وضريح الشهيد الرفيق أحمد حسين الذي ارتحل قبل ايام.

■ ■ ■

رثاء … ذكرى الشهيد الشاهد ناجي العلي
اجترح صديقه د عادل سمارة وكتب
(سؤال حامض  886)
August 29, 2016

 

وأنت وحدك تذكره وتتذكره. في أكثر من زاوية في مكتبتك “القرمطية” اثر لناجي العلي. في خلوتك تعانق الصمت حيث تعود إلى الفطرة الأولى قبل اللغة مع حضور عذابات الفكر لتنطق فلا تُحسن ذلك.
مهلا، إذن لا بد من القهوة، سمراء في فنجان أبيض يُحدِّق بياضه الخالص بسمرتها التامة، هي نفسها التي سقاني إياهل طعما مُرَّاً وذكرى أكثر مرارة إنما هي شحنة للصد والرد. كان ذلك صباح الإثنين في مبطخ بيته في ضاحية ويمبلدون في لندن، صب لي وله وقال: عادل هالمرَّة رح يقتلوني” وحصل.
تُسأل عنه، تختلط الصور في الذهن والروح، كلمات من حجر الصَّوان تقطع الطريق على الكلام. كلمات من القلب والروح تذهب للبوح وكلمات من العقل والمشاعر تحذرها من القتل. فما أسهل أن يتحول البوح إلى رصاص في بلادي.
إغتاله التطبيع فكان النبي الأول على صليب فلسطين. هل كان أن سدَّ ناجي العلي بوابات الرعب جميعاً، وما أن أغتيل حتى فاض رصالص التطبيع على الأمة كاملة. بين البوح وبين الامتناع، تطغى عليك الحشرجة ، يتهدج الصوت، يصيح بك البكاء دعني، فتتماسك.
ولكن، الا تبكي الرجال؟ بكى محمد فقال: “إن العين لتدمع وإن القلب ليخشع”. وبكى إنجلز رفيقه فقال: “أي مشعل للفكر قد انطفىء، اي قلب توقف عن الخفقان” لكن ناجي أُغتيل، فيا ألم الدهر لن تتوقف في داخلي. 
هل تعرف معنى بكاء الروح؟ إنه سحق الباكي من داخله في داخله وغسلك بالعطر والياسمين، كيف لا ومن يستحق إلاّك.
ولكن، لا، دع البكاء للزمن الذي قد يأتي لأن هذا زمان حراسة الثغور، لا وقت للنوم ولا للبكاء.
كأنه اللحظة مسجى في ذلك المشفى في لندن، نتخيله حيا، بينما لايعرف انه مات منذ اللحظة الأولى التي أطلق عليه التطبيع رصاصته الوحيدة، سوى ثلاثة: اله والقاتل والشرطة البريطانية.
هو الهادىء، قسمات وجهه تنبىء عن توازن نفسي داخلي ربما هو سر إبداعه وابتكاره الذي فاض ب اربعين الف لوحة، كتب عنها المحقق البريطاني إلى أم خالد جملة واحدة: ” لم نجد في الأربعين ألف لوحة التي اختبرناها ما يوجب القتل”.
كلا يا هذا، لو فكرت قليلا لتذكرت بأن سلطة بلدك هي التي زرعت في وطن حنظلة ما قاد لاغتيال خالق حنظلة الرافض المعترض العنيد بصمت وهدوء. إغتيال يمتد اليوم إلى الأمة بأسرها. سلطة بلدك هي خالقة القاتل الطاغية. الطاغية جبانا، فّزِعاً، يُبيد كل لا ينبطح ارضا ليدوس عليه. إنه رُعب الطاغية الذي يتخيل أنه لن يموت.
كلما تذكرته، تذكرت قول شوقي في رثاء حافظ:
قد كنت أوثر أن تقول رثائي…يا منصف الموتى من الأحياء”
أنت ايها االبسيط بعمق والهادىء بقوة، والمنتمي بصمت. وحدك الذي غيابه حضور، ووجوده إلهام، انت الذي عمرك الأبد، فاين القتلة؟ لن اقول اليوم.
في سيارتي الطريفة التي ابتعتها من إبن برجوازي إيراني هارب من الثورة انتظرنا ناجي العلي في محطة بروديي لقطار ما تحت الأرض لنأخذه إلى بيتنا. كان اول لقاء، وكان لحظتها أشد من الوضوح البسيط. بعد مسافة قصيرة قال، وأنت دكتور، “والله قبل ما تحكي فكرتك من جماعة وبما أنه” في تهكم على المثقفين. 
لكن كل تأدبه وهدوئه لم تزحزحانه عن موقفه قيد أنمله. في لقاء حضره جمع من المثقفين، احتذ النقاش ضد التطبيع، جلس ناجي على ركبة ونصف، وقال: “أنا ضد التطبيع واللي بدو يطخني يطخني”. وما هي إلا بضعة ايم حتى اغتيل ناجي.
حينها كان التطبيع يتسلل من تحت إبط الفاشيين المطبعين بكاتم الصوت، أما اليوم، فيقيم التطبيع المحاكم والمشانق. إنها أمة باسرها تُقام لها المشانق كما الأعراس في البوادي والسهول ويلوِّح الفاشي والمطبِّع ببيارق سوداء كالليل الذي سيتبعه فجرنا، فسلام عليك وسلام لك أيها الخالد ابا خالد .

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.