تونس: ماذا تبقّى من الإنتفاضة، الطاهر المُعز

أصْدر البنك العالمي مُؤَخَّرًا تقريرًا بعنوان “تونس، الثورة غير المُكْتَمِلَة” ويَدْعو (أي يأمُرُ) بتخلّي الدولة عن الدور الإقتصادي والإكتفاء بتسهيل عملية “فتح الأسواق المحلية أمام الشركات الأجنبية دون ضوابط وقيود، وتوسيع دائرة المنافسة”، وتُرَدِّدُ الحكومة ووسائل الإعلام هذا الخطاب وكأنه من بنات أفكار الرئيس والوزراء (دون نسبته إلى أصحابه)، بعنوان “الإنفتاح والمرونة”، وإهمال تفاقم الفقر والبطالة، بل يُرَدِّدُ الخطاب الرسمي للحكومة التونسية “إن المطالب الإجتماعية المجحفة التي تدعمها النقابات هي سبب الأزمة الإقتصادية”، وتدعو الحكومة والأثرياء -في تناغم ووحدة بدون صراع- إلى نموذج إقتصادي ليبرالي يفتح الباب على مصراعيه أمام “المبادرة الخاصة” التي يجب تشجيعها بإعفائها من الضرائب وتقديم الحوافز المالية والقروض بدون فائدة للمُسْتَثْمِرِين في قطاعات لا تخلق وظائف ولا قيمة زائدة (تجارة وخدمات وتوريد بضائع أجنبية…). أما صندوق النقد الدولي فقد اتّهَمَ حكومة التحالف اليميني (الدساترة من أتباع بورقيبة وبن علي + الإخوان المسلمون) بالتّراخي في تطبيق شروط القرض الذي حصلت عليه بقيمة 2,8 مليار دولارا، وأَجّل قِسْطًا منه، فسارعت الدولة، رغم الإحتجاجات والتّذَمُّر إلى تعويم الدينار (أي خفض قيمته مثلما حصل في مصر والمغرب) وتعْيِين وزراء “لا دين ولا مِلّة” لهم (كما يقول التونسيون عن الإنسان الإنتهازي عديم القِيَم وفاقد الكرامة) ويُطَبِّقُون أوامر الصندوق كما لو كانت “آيات بَيِّنات” ثم أفْرَج صندوق النقد الدولي عن القسط الثاني المقدر بـ314 مليون دولار، أما المواطن فإنه اكتوى بنار الأسعار وبارتفاع نسبة البطالة والدّيون، فيما ما فَتِئ وزراء الحكومة يُرَدِّدُون دون خجل أو حياء ان الحكومة مضطرّة للإقتراض، ليس من أجل الإنفاق على مشاريع تنمية لحل مشاكل البطالة أو لتحقيق الإكتفاء الغذائي، بل من أجل سداد أجور الموظفين، فيما خَفَتَ صوت المعارضة التّقَدُّمِية ونقابة الأُجَراء أمام عجز الإئتلاف الرّجعي الحاكم عن تقديم بدائل للوضع الذي أدّى إلى انتفاضة 2010/2011… انصَبَّ اهتمام الحكومة والمعارضة البرلمانية والإتحاد العام التونسي للشغل (نقابة الأُجَراء) على تأجيل الإنفجار الاجتماعي، وتأجيل النقاش حول الفساد الذي تُشرف عليه الدولة، والشروط المُجْحِفَة للتداين الخارجي، والتي أَدّت إلى ارتفاع نسبة البطالة والفقر، وخصخصة القطاع العام والصحة والتعليم وخفض الإنفاق الحكومي، وانخفاض القيمة الحقيقية للدخل (بفعل انخفاض قيمة الدّينار واستيراد الحاجات الأساسية بالعملة الأجنبية)، وتوريث الديون لأجيال قادمة، وأصبح النّقد “المُهَذّب جِدًّا” لا يخرج عن قوانين السوق والنيوليبرالية التي تدعو إلى إلغاء دور الدولة الإجتماعي، ليقتصر دورها على الحفاظ على أمن رأس المال (الإستثمارات) و”خلق مناخ مؤات للتجارة وللاستثمار”، وتعبئة الموارد العمومية المُتأتِّية من ضرائب الأجراء لمساعدة الأثرياء ولإقامة بنية تحتية يستفيد منها راس المال (طرقات وموانئ  جوية وبحرية…) مع تقوية أجهزة الأمن لقمع كل صوت “يُغَرِّدُ خارج السِّرْب”، ولقمع احتجاجات العُمال وسُكّان المناطق الفقيرة، ما يدفع فئات واسعة الى اللجوء للإقتصاد الموازي، بعد يأس العديد من الفئات التي شاركت بحماس في الإنتفاضة من تغيير إيجابي بالطّرق القانونية أو “الشّرعية”، بل خفضت الحكومات المتعاقبة (شارك الإخوان المُسْلِمون في جميعها وقادوا ثلاثة منها) الرسوم الجمركية والضرائب على الإستثمارات، بالتوازي مع إلغاء أو خفض قيمة دعم أسعار الوقود والغذاء والسلع الأساسية، وتجميد التوظيف في القطاع العمومي (الذي وقعت خصخصته) وقامت الحكومة بتخريب الشركات العمومية وخفض عدد عُمالها (شركات النقل والكهرباء وتوزيع المياه..ألخ) لتبرير عملية بيعها للقطاع الخاص بسعر منخفض، وعملت الحكومة إلى تشجيع االفئات المتوسطة على الإقتراض من المصارف من أجل الإستهلاك (وهو ما فعله نظام زين العابدين بن علي) وأصبحت ثمانية آلاف أسرة تعيش على الديون التي تقترضها وتجدد اقتراضها من المصارف، ما يُهدد بارتفاع ديونها إلى درجة الإفلاس، وفق معهد الإحصاء الوطني… 

أعلن رئيس الجمهورية وصهْرُهُ ورئيس حكومته تشكيلته وزاريّة جديدة عَزّزت مكانة “الدّساترة” (من كانوا في الحكم منذ 1956) والإخوان المُسلمين (حزب “النّهضة”)، وشملت أربعة مسؤولين خدموا نظام بن علي بكل إخلاص، على غرار وزير المالية ووزير التربية ووزير التجارة الخارجية، إضافة إلى مَشاهير المُطَبِّعين مثل وزير الخارجية، كما شملت قياديين من الإخوان المسلمين، ورجال أعمال، وتمثل الليبرالية الإقتصادية والتّبعية للإمبريالية القاسم المُشترك بين مكونات الحكومة التي أصبحت مغسلة لجرائم ورموز النظام السابق، وبَوّابة للإخوان المسلمين، لكن التنافس الحاد بين حليفَيْ الضّرُورة الذي زاد من حجم المناورات بين الطرفين، لم يحتد إلى درجة الخلاف حول التبعية للإمبريالية وزيادة الديون الخارجية وإيثار الأثرياء ورجال الأعمال وقمع احتجاجات الفقراء والعاطلين (خصوصًا في المناطق الفقيرة المحرومة) وإضرابات العُمّال، وبقي الحزبان الرّجْعِيّان يُدافعان عن مصالح الأقلية من الأثرياء ضد مصالح الأغلبية من الأجراء والعمال والحِرَفِيِّين وصغار الفلاّحين والفقراء بشكل عام، ويُكبِّلان البلاد والأجيال القادمة بالديون الخارجية، ولم تتجاوز خلافاتهما تقاسم حصص الثروة أو المقاعد النيابية، وصَعَّد الرئيس (وزير داخلية لدى بورقيبة لفترة 14 سنة ورئيس مجلس نيابي غير منتخب خلال فترة حكم زين العابدين بن علي) من لهجته ضد الإخوان المسلمين (النّهضة) لأن حزبهم هو الوحيد الذي هيّأ لنفسه الظروف للفوز بالإنتخابات البلدية، ما جعل الرئيس يعمل على تأجيلها إلى سنة 2018، وحاول الرئيس وحزبه اجتذاب النساء وبعض “العلمانيين” بإعادة طرح قضيّة المساواة بين المرأة والرّجل في الميراث، وأعاد إلى الأذهان مناورة “الأحزاب المَدَنِيّة” ضد “الأحزاب الدينية” التي مكنته من الفوز بالإنتخابات الرئاسية سنة 2014 رغم ماضيه السّيّء وحاضره الأسوأ… ارتفعت ديون البلاد خلال حكم هذين الحزبين، وارتفعت نسبة التداين من 52,7 مليار دينارًا أو ما يُعادل 60,3% من الناتج المحلي بنهاية حزيران/يونيو 2016 إلى 62,79 مليار دينارًا أو ما يُعادل  66,9% من إجمالي الناتج المحلي بنهاية حزيران/يونيو 2017 أو ما يمثل ضعف ميزانية الدولة للسنة الجارية (2017)  البالغة 32 مليار دينار، ويمثل الدين الخارجي أكثر من ثلثي الدين العمومي (43,6 مليار دينار) وهو يتكون من دين متعدد الأطراف (47%) ودين ثنائي (15%) والسوق المالية الدولية (38%)، ويتكون الدين الداخلي (19,9 مليار دينار) أساسا من سندات الخزينة (64%) وإيداعات بالخزينة العامة للبلاد التونسية (28%) وفق وثيقة حديثة لوزارة المالية، أشارت أيضًا إلى ارتفاع خدمة الدين من مِلْيارَي دينار خلال النصف الأول من سنة 2016 إلى 3,6 مليار ديناراً بنهاية شهر حزيران/يونيو 2017، وتقترض الدولة الأموال من الخارج لتوزيعها في شكل حوافز وإعفاءات جمركية وجبائية على الأثرياء وأرباب العمل بذريعة أنهم سيستثمرون أموالهم (المَعْفِيّة من الضرائب) لخفض نسبة البطالة، فيما ترتفع البطالة في واقع الأمر، ووزعت الدولة مليارات الدينارات على المساجين السابقين والهاربين إلى أوروبا من التيارات الإسلامية، بذريعة تعويضهم على ما فاتهم- وأصبح البعض منهم قادة إرهابيين في ليبيا أو في سوريا، ولا تزال الدولة في حالة إفلاس ولكن الأطراف الحاكمة (الدساترة والإخوان ورجال الأعمال) يُرَدِّدُون بصوت واحد “إن الإضرابات والإحتجاجات الإجتماعية تسببت في إفلاس الدولة” وهو حديث غير منطقي ولا يستحق الإجابة أو التّعْلِيق، وتقترض الدولة من البنك العالمي والمصرف الإفريقي للتنمية ومن صندوق النقد الدولي والمصرف الأوروبي للإنشاء والتعمير، وأكد الإتحاد الأوروبي يوم 06 أيلول/سبتمبر 2017 تخصيص مبلغ 1,2 مليار يورو “في إطار سياسة الجِوار، بهدف تحسين أوضاع تونس الاقتصادية، وتمكين الحكومة من اتخاذ الإصلاحات والدعم اللازم” وفق المفوضية الأوروبية… من “إنجازات” التحالف الرجعي الليبرالي (إضافة إلى ارتفاع الدين العمومي)، خفض أو إلغاء دعم الطاقة والسِّلع الأساسية الضّرُورِيّة، وخفض قيمة العُمْلة (الدينار) ووضع الإقتصاد تحت مراقبة الدّائنين (وبالتالي التحكم في القرار السياسي) وتجميد التوظيف وعدم تعويض الموظفين المُتقاعدين (ما يزيد من نسبة البطالة) وخصخصة القطاع العام، ما أفضى إلى نتائج اقتصادية وسياسية خطيرة، في غياب بديل تقدّمي مُنَظّم يُعارض سياسة الحكومة ويقترح بديلاً تقدميًّا يخدم العمال والمزارعين والفقراء والعاطلين وسكان المناطق المحرومة من التنمية، وهي الفئات التي انتفَضَت وأزاحت رأس النظام السابق أواخر 2010 وبداية 2011، في غياب الإخوان وضد الدّساترة… 

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.