الأردن الفوضى في سياق مشروع الشرق الأوسط الجديد، جورج حدادين

الأردن الفوضى

 في سياق مشروع الشرق الأوسط الجديد

جورج حدادين

المبادرة الوطنية الأردنية

8/0/2017

 

حلقة 1

                              

ما هو مشروع “الشرق الأوسط الجديد” ومن هو صاحبه؟ ما هي الايدولوجيا التي تقف خلفه؟ ما هي آليات إنفاذه، ومن هي القوى المكلفة به؟

أين الأردن في هذا المشروع؟.

مشروع “الشرق الأوسط الجديد” عنوان كتاب صدر عام 1993 لصاحبه شمعون بيرس، رئيس “دولة إسرائيل” سابقاً، طرح من خلاله تصور مستقبلي للمنطقة، متكامل وتفصيلي للبنى الفوقية (القوانين والتشريعات والأنظمة) والبنى التحتية (الصناعة والزراعة والخدمات)، وفي كافة القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، مشروع يستند إلى ايدولوجيا عنصرية، ترتكز إلى ثلاثية “عقل يهودي، ورؤوس أموال عربية، وايدي عاملة عربية” ينطلق من تفوق اليهود على العرب، وعدم الاعتراف بقدرات وكفاءات وخبرات العرب، التي تراكمت في فترة قياسية قصيرة جداً، بالرغم من قلة ما توفر من إمكانات، وبالرغم من اعتراف العالم بالكفاءات العربية ومنحهم جوائز عالمية، هل يمر يوماً دون أن نسمع عن ابتكار أو اختراع من شاب او شابة عربية؟ رغم الهجمة الإعلامية الموجهة المزيفة ضد العرب، نظرة سريعة على عدد العلماء والخبرات والكفاءات العربية المهاجرة في العالم الغربي، تدلل على عمّق هذه النظرة العنصرية الصهيونية للعرب، بالإضافة إلى احتقارهم للطبقة العاملة المنتجة، وبسبب ذلك، حصروا المشاركة العربية في هذا المشروع بالقوى العاملة العربية ورؤوس الأموال العربية.

الفكرة الرئيسة لمشروع “الشرق الأوسط الجديد” تتمثل في إستراتجية إعادة إنتاج العالم العربي عل شكل كيانات “ما قبل رأسمالية” بحيث يصبح الكيان الصهيوني القائد الميداني لهذا المشروع، ولهذه المنطقة، في سياق إستراتجية إدامة هيمنة مراكز رأسالمال العالمي على ثروات ومقدرات العرب الهائلة، واستمرار السيطرة على موقع جيوسياسية عالمي، هام جداً، خصوصاً في ظل عودة الحرب الباردة على الصعيد العالمي بين أقطاب متعددة (محور “بريكس” (البرازيل، روسيا، الهند، الصين ، جنوب أفريقيا) الصاعد، مقابل محور “الناتو” (أمريكيا وأوروبا، واستراليا، وكندا) الهابط) وعودة الروح لمحور حركات التحرر الوطني العربي والعالمي (أمريكا اللاتينية، إيران وسوريا والمقاومات العربية، وكوريا الشعبية …الخ والحركات المضادة للإمبريالية). 

بعد انهيار المعسكر الاشتراكي نهاية القرن الماضي، دخل العالم مرحلة انتقالية معومة النتائج، اعتقد البعض من أصحاب نظرية “التعالي على التاريخ” بأنها مرحلة تسمح بهيمنة مطلقة “لمراكز رأسالمال العالمي” على مصير البشرية جمعاء، وتسمح بإعادة صياغة العالم بحسب نماذج افتراضية تصنعها بذاتها، ومنها مشروع “الشرق الأوسط الجديد” فخرجوا بنظريات حولا وعرجاء، من نمط “نهاية التاريخ” و “صراع الحضارات” …الخ، نظريات عنصرية تعلن تحديداً تفوق العنصر البشري “الرأسمالي” على باقي البشر، وتفوق “المنظومة الرأسمالية” النهائي على باقي “المنظومات” المعتمدة من بقية البشر، وتبعاً فإن التسليم بتفوق الرأسمالي كفرد والرأسمالية كنظام، بحد ذاته، يمنحهم حقاً مطلقاً بالتحكم بمصير البشرية، بلا حساب ولا عقاب. في الوقت الذي يعلن أصحاب نظرية “نهاية التاريخ” تفوق “الرأسمالي” كصنف من البشر، ويعلن أصحاب نظرية “صراع الحضارات” بأن “حضارة المركز الرأسمالي” تتفوق على “حضارات الأطراف” التابعة منها والمستقلة، لهذه الأسباب تحديداً، ستفشل هذه النظريات العنصرية حتماً، لأنها “متعالية على التاريخ”  وبسبب تعاليها على قانون “المتغير” الديناميكي في الطبيعة، لصالح “الثابت” الستاتيكي، فهي غير قابلة للحياة. كيف يتم تثبت المركز والمحيط بالجغرافيا الثابتة (الغرب والشرق) على القادم من الأيام؟ ويتناسوا فعل التاريخ وتجاربه السابقة، ألم تكن الصين، في مرحلة تاريخية غابرة، هي المركز وبقية العالم أطراف، وفي فترة لاحقة ألم تكن اليونان وبلاد فارس المركز وبقية العالم الأطراف، وهناك مرحلة كانت بها مصر وبلاد الرافدين هي المركز ….الخ، فنظرية  ثبات “المركز” جغرافياً ما هي إلاّ نظرية طوباوية دحضتها الحياة ذاتها.

الثابت الوحيد في هذا الكون، هو التراكم المعرفي للبشرية عامةً، والتراكم النضالي لدى البشر عموماً، في سبيل التحرر من العبودية بكافة أشكالها، والتحرر من الاضطهاد والاستغلال بكافة صوره، وتحقيق إنسانية بني البشر أينما كان، وتساوي الحقوق للشعوب والأفراد على وجه البسيطة.

هذه مقدمة لابد منها للدخول في “مشروع الشرق الأوسط الجديد” تعريفاً وآليات إنفاذ، وتحديد القوى التي تقف خلفه. 

“الشرق الأوسط الجديد” عنوان مشروع يهدف إلى إدامة هيمنة “المركز الرأسمالي” على هذه البقعة من العالم، وفي القلب منها العالم العربي، من خلال ممر إجباري عنوانه تفتيت وإنتاج دول طائفية مذهبية أثنية، دول مجموعات “الماقبل رأسمالية” وشرطها إعادة إنتاج مجموعات تابعة جديدة، بمواصفات المجموعات “الماقبل الرأسمالية” لكي تقود دويلات هي على شاكلتها، ولهذا السبب تحديداً، يجب على شعبنا الحذر الشديد من أطروحات تلك النخب الأردنية، التي تسوّق العصبيات العشائرية والطائفية والمذهبية والإقليمية، كونها تأتي في هذا السياق.

أعلنت الإدارة الأمريكية عن آليات يتم استخدامها في معركة إنفاذ “مشروع الشرق الأوسط الجديد” الهادف إلى تفكيك الدول وتفتيت المجتمعات، آليات تتلاءم مع معطيات كل دولة وكل مجتمع على حدي، وتأخذ بنظر الاعتبار خصوصياته ومعطياته.

الجامع بين كل هذه الأدوات هي إستراتيجية أعلنتها الإدارة الأمريكية تحت عنوان  “الفوضى الخلاقة” التي تستخدم أشكال متعددة:

  • العنف العسكري المفرط، كما في الحالة العراقية (الصدمة والرعب).
  • أو كما في الحالة الليبية، القصف المتواصل من الجو لتحطيم البنى التحتية، وقتل أكبر عدد ممكن من الأبرياء، لتفادي تعرض قواتها المعتدية لأخطار أي كان طبيعتها.
  • أو استخدام سياسة “صناعة القبول وثقافة القطيع” في الدول المطواعة، حيث يتم تزييف الوعي الجمعي للمجتمعات، ايدولوجيا وثقافياً ومعرفياً، من خلال استخدام قصف إعلامي ديماغوجي متواصل، بواسطة وسائل إعلامية مختلفة، تخضع جلها لقرار قاتل اقتصادي – اجتماعي- سياسي واحد.

حلقة 2

 

أين الأردن في هذا المشروع؟

 

الأردن “عقدة جيوسياسية” رئيسة في مشروع الشرق الأوسط الجديد، والمقاربة المعتمدة بخصوصه حذرة وباطنية، حيث يتم استخدام أدوات “الفوضى الخلاقة” بطرق غير مرئية، ولكنها خبيثة وفاعلة.

 

الخطوة الأولى في مشروع “الفوضى الخلاقة” قد تم انجازها على أرض الواقع، حيث تم انجاز مهمة تفكيك الدولة، ركيزة لإنفاذ هذا المشروع، من خلال شعارات جذابة ومخادعة: ترشيق الدولة، الشريك الاستراتيجي، إطفاء المديونية، تشجيع الاستثمار…الخ. حيث تم بيع القطاع العام، وخصوصاً الشركات المنتجة، قاعدة الدولة المركزية المتماسكة (امتثالاً لتوافقات واشنطن، بيع القطاع العام أينما وجد) وتم منع الدولة من التدخل بآلية السوق، أي منعها من دورها الأساسي في تحقيق “التنمية الوطنية الحقيقية” وتنمية “قوى الإنتاج الوطني” وهو الدور الرئيس وقد يكون الوحيد للدولة النامية، وذلك لعدم تبلور برجوازية وطنية فيها، بسبب التبعية، وتم حجز الدولة عن القيام بدورها في حماية الشرائح الكادحة والفقيرة والمعوزة والمنتجة، عبر رفع الدعم عن السلع الأساسية (امتثالاً لتوافقات واشنطن) وفرض الرسوم المرتفعة على مستلزمات الإنتاج، مقابل إعفاء ما يسمى بالاستثمارات الأجنبية من الضرائب والرسوم، وإعفاء 2500 سلعة “إسرائيلية” من الجمارك.

إجراءات حققت هدفها في تحويل بنية الدولة إلى بنية ولاية، ووظيفة بلدية: جباية الضرائب، فرض الأمن، إنجاز عقود زواج، تخطيط مدن، المحافظة على نظافة الشوارع، وتجميل المدن، مما أفقد الدولة هيبتها، كونها فقدت دورها الاقتصادي التنموي، ووظيفتها الاجتماعية، جراء ما ذكر من إجراءات.

 

الخطوة الثانية، تتمثل في تفتيت المجتمع، عبر تنمية العصبيات الجهوية والعشائرية والإقليمية والطائفية، خطورتها تكمن في ظاهر الفكرة، التي تسوّق على إنها فكرة وطنية، تهدف إلى الدفاع عن مصالح الوطن (ضد الوطن البديل، الفزاعة) كما تسوّق على أنها تهدف إلى الدفاع عن مصالح الشعب أو جزء منه (الهوية والحقوق المنقوصة، المفتعلة). في الجوهر شعارات وأهداف وهمية، تداعب مخيلة مجموعتين تبدوان تحديثيتين، بينما هما في الواقع، عناصر “الماقبل رأسمالية”  لماذا؟.

في مجرى العملية السياسية الطبيعية، تختلف النخب السياسية والاجتماعية حول تشخيص الواقع، كل حسب مصالحه، وتختلف حول المشاريع المستقبلية، وتختلف حول الرؤى السياسية، وحول أولوية المهمات، فكيف في الحالات الاستثنائية، كما هي الحالة الأردنية التي تقف أمام مفترق طرق، وتواجه تحديات مصيرية متعلقة في مشروع الشرق الأوسط الجديد؟.

 يبدو أن حواراً معمقاً ومستمراً، داخل صفوف الدوائر الامبريالية المقررة، حول مصير ودور وشكل الأردن في المرحلة القادمة، ضمن “مشروع الشرق الأوسط الجديد” هذا، ويبدو أن هذه الدوائر تعمل بشكل حثيث على فرز وتبني عناصر وأفراد ومجموعات محلية جديدة، بمعرفتهم أو بدون معرفتهم، بديلة عن “مجموعة التبعية الحاكمة” التي تم استهلاكها في المرحلة السابقة، ولم يعد بمقدورها القيام بالوظيفة الموكلة لها، ويبدوا أن هذه الدوائر، ومن أجل إنجاز هذه المهمة، تسعى لافتعال صراعات تحت عناوين وهمية، لتحديد فعالية وتأثير القوى المختلفة المرصودة، على أرض الواقع، من أجل اختيار المجموعة الأجدر والأقدر على إنجاز المهمات القادمة.

كيف يمكن تصور بنى اجتماعية “الماقبل رأسمالية” توكل لها مهمات ما بعد الرأسمالية (بناء الدولة الوطنية الحديثة)؟ وكيف يمكن أن تنجز بنية سابقة وظيفية لاحقة لهذه البنية؟ كيف يمكن “لآله بخارية” منافسة إنتاج سلع في سرعة إنتاج “آلة حديثة موئتمتة”؟ ألا يستدعي التفكير؟.

ما هي آليات إنفاذ “مشروع الشرق الأوسط الجديد” على الصعيد الأردني؟ وما هي أشكال “الفوضى الخلاقة” التي يتم تطبيقها على الأرض الأردنية؟.

الأردن هي “عقدة جيوسياسية” هامة في هذه المنطقة، سواء لناحية الموقع الجغرافي المتوسط بين قوى إقليمية، أو لناحية الوظيفة التاريخية في مشروع الهيمنة، أو لدورها الحاضن لحالات التشظي في المناطق المجاورة لها، وامتصاص تداعيات أحداثها: القضية الفلسطينية، الحرب الأهلية اللبنانية، حروب الخليج، الأحداث السورية،…الخ.

من المسلم به، أن إجماع إقليمي ودولي تاريخي، على الحفاظ على أمن الأردن واستقراره، الداخلي والخارجي، ساد على مدى الفترة السابقة من عمر الدولة، فما هي المستجدات التي طرأت لتفرض هذه الحالة من الفوضى وعدم الاستقرار، التي تعيشها البلاد هذه الأيام؟ وفي أي سياق تخلق هذه الفوضى؟  وما هي وظيفتها؟.

مقدماً نرفض مقولة “الشعب كسر حاجز الخوف” محركاً لما جري على الصعيد الأردني من حراك، لأن الشعب لم يكن يعاني من الخوف، بل كان وما يزال يعاني من غياب قيادة لقوى اجتماعية واعية لدورها، وعدم إحداث التراكم النضالي شرط التغيير، وغياب المشروع التحرري النهضوي، شرط التراكم. الشعب لم يكن يعاني من الخوف بدليل النضالات المستمرة التي خاضها، بدءاً من حراك الأردنيين ضد اتفاقية “ساسكس- بيكو” ووعد بلفور، قبل تشكل الإمارة، وخوض نضالات حقيقية بأشكال متعددة، وعلى مدى قرون، نضال أنجز تعريب قيادة الجيش، وإلغاء معاهدة الانتداب البريطانية في خمسينات القرن الماضي، مشاركة في المقاومة الفلسطينية بدءاً ضد المشروع الصهيوني وضد الكيان الصهيوني، هبة نيسان، انتفاضة الخبز، والحراكات المطلبية والوطنية التي لم تهدأ يوماً…الخ، فعلى ماذا تستند هذه المقولة؟.

فبسبب زيف مقولة “الشعب كسر حاجز الخوف” بات من واجب جميع المعنيين بمصير الوطن والمجتمع، التدقيق في مقاربات والتدقيق في المهمات والشعارات التي تطرح على جدول أعمال هذا الحراك، والتدقيق في مدى موائمتها لمواجهة الأزمة التي يعيشها المجتمع والدولة، والتدقيق في الروافع والشروط الحقيقية، التي يجب إنتاجها للخروج من الأزمة، ومقارنتها بالروافع المطروحة في هذا الحراك.

ومع عدم جدارة مقاربة “الحرية والديمقراطية والتبادل السلمي للسلطة” التي تقدمها قوى الإصلاح، باعتماد تغيير البنى الفوقية (التشريعات والقوانين والأنظمة) شرط للخروج من الأزمة الحقيقية المعاشة المتعلقة ببنية الدولة المستهلكة التابعة، وبنية المجتمع المستهلك الماقبل رأسمالي، ومع الأخذ بنظر الاعتبار، تجارب الدول والمجتمعات الرأسمالية التي قدمت هذه المقاربة، لم تشكل لها طوق نجاة نهائي، بل على العكس، أدخلتها في تواتر أزمات طاحنة متعمقة وممتدة، تفضي بحسب دراسات رصينة لمراكز أبحاث غربية، إلى انهيار شبه حتمي للمنظومة الرأسمالية في أتون هذه الأزمة الراهنة الممتدة ” أزمة ما يسمى الرهن العقاري 2008″ ، حيث بوادره  في اليونان واسبانيا فايطاليا وصولاً إلى الولايات المتحدة ذاتها، وأدخلت دول ومجتمعات المعسكر الاشتراكي سابقاً، حال تبنيها – الديمقراطية البرلمانية – من قبل القيادات الجديدة، في دوامة الفقر والجوع وفقدان الوزن والكرامة الوطنية.

ومع عدم صلة مقاربة “دسترة فك الارتباط والحقوق المنقوصة والهوية” بواقع الأزمة المعاشة، فلا بد من التدقيق في تداعيات هكذا مقاربات على الواقع، هل تقود هذه المقاربات إلى حل الأزمة الحقيقية المعاشة، أم تعمقها؟

إلى ماذا تقود مقاربة “دسترة فك الارتباط” التي يتم ربطها بالهوية والحقوق المنقوصة، على أرض الواقع؟

بات من المسلم به من قبل الجميع، أن “مشروع الشرق الأوسط الجديد” يهدف إلى تفكيك الدول العربية، وتفتيت مجتمعاتها:

  • ففي جانبه الأردني، يهدف المشروع إلى تفتيت الشعب الأردني إلى مكونات بدائية، وهي العملية التي نلمسها يومياً على ارض الواقع، حيث حروب عشائرية في الجامعات، وفي الحارات وفي الشوارع، وتعزيز التنافر ألمناطقي بين أبناء الشعب، جنوب وشمال ووسط، وتعزيز التنافر الإقليمي، وفي السياق ذاته، ما هي وظيفة محاربة الفساد كأشخاص، في وقت يتم بناء سياج مجتمعي عشائري حامي لهم، والشواهد لا تزال تتوالد كل يوم، في جل حالات الفساد التي تم تقديمها للعدالة، من يدفع بهذا الاتجاه ولمصلحة من؟

ألا تخدم هذه السياسة إشاعة عدم الثقة بمؤسسات الدولة، وتخدم  إنتاج عشيرة بصفة مؤسسة سياسية، وهل إنتاج العشيرة – السياسية يخدم مشروع بناء الدولة الحديثة، وهل يخدم مقاربات الحراك ذاته، الذي يدعو إلى فصل السلطات وبناء الدولة الحديثة، ومحاربة الفساد؟.

ما الهدف، وما هي وظيفة طرح الهوية الأردنية بعد تشكلها بقرن من الزمن للنقاش؟.

  • وفي جانبه الفلسطيني، من الواضح أن المشروع هدف إلى تفكيك التمثيل الموحد للشعب الفلسطيني بين: سلطة ومنظمة تحرير وفصائل ومؤسسات مهمات (حق العودة، والحقوق الثابتة، منظمات المجتمع المدني…الخ) كما وهدف إلى تفتيت الهوية الفلسطينية إلى هويات: زمانية ومناطقية وجغرافية (عرب ال48 والمهاجرين والنازحين، الضفة الغربية وغزة والشتات وفلسطيني الأردن وأرض ال 48 كحالات خاصة…الخ).

 

في هذا السياق، ماذا تنتج مقاربة “دسترة فك الارتباط” ووجهها الآخر “الحقوق المنقوصة” ؟

 

ألا يعني، دسترة فك الارتباط والهوية، والحقوق المنقوصة وجهها الآخر ، عملياً وواقعياً، أن تضع جزء من الشعب الفلسطيني أمام خيار، لم تأتي ساعته بعد، خيار بين الهوية الأردنية والهوية الفلسطينية، لمصلحة من؟ وماذا سينتج هذا الخيار بالملموس وفي الواقع، أكان للأردن أو لفلسطين، من نتائج مثمرة في النضال المشترك ضد المشروع الصهيو- أمريكي الذي يستهدف الشعبين، أو كيف سيساهم في الخروج من الأزمة الحقيقية التي يعيشها الشعبان الشقيقان؟ ألاّ يعبد “دسترة فك الارتباط” الطريق أمام المساهمة في إسقاط حق العودة (تطبيق المادة الثامنة من اتفاقية وادي عربة) لهذا الجزء من الشعب الفلسطيني، بحجة أنهم لم يعودوا فلسطينيين، وسيعمل على حرمانهم من حقهم في المساهمة في النضال الوطني الفلسطيني، لاسترداد حقوقهم المشروعة، وتجربة قيادة حماس ( إخراجهم من الأردن)، مثالاً شاهداً على هذه الإمكانية (اختلاف حول اجتهاد دستورية أو غير دستورية الإجراء).

فإذا كان هذا الخيار “يحل” أزمة مجموعات نخبوية ريعية من الطرفين، فأنه موضوعياً في المقابل يعمق أزمة الشعبين، لأنه يدخل نضالهما في نفق “الحلول

الوهمية المتخيلة” ويقربهما من مشروع “كونفدرالية الأراضي المقدسة” ويبعدهما مسافة طويلة عن “الحلول الواقعية الحقيقية المنتجة” المتمثلة في انجاز مهمات “مرحلة التحرر الوطني” التي يعشها الشعبان الشقيقان.

حماية الأردن وإنجاز حقوق الشعب الفلسطيني، شرطان متلازمان، تحتمان وحدة نضال الشعبين الشقيقين المستهدفين، لأنهما يعيشان مرحلة التحرر الوطني، وانجاز مهمات مرحلة التحرر الوطني، المتمثلة على الجانب الأردني بمشروع  كسر التبعية وعلى الجانب الفلسطيني مشروع التحرير.

 

“كلكم للوطن والوطن لكم”