يحتلونها…رغم نضالها، عادل سمارة

هي المرأة، لا مكان لها سوى في المقعد الخلفي أو لا مقعد أبداً. هي “ضلع قصير”، وهي “عورة” وهي “حُرمة”، وهي في أحسن الأحوال “أخت الرجال”…الخ.  كثيرة هذه النعوت التي تُجمع على أنها وراءه بلا شك ولا نقاش. ليس هذا موضوعنا.

بل الأمر أن كل هذه السمات المهينة يتم سحبها بلا تردد على المرأة المسيَّسة أو المناضلة حيث يُنظر لها ك متمردة، خارجة عن العُرف، مسترجلة ، سافرة، و أنثى بالمفهوم الجنسي واشتهاء الجسم لا الجسد…الخ.

قد لا نخرج عن الحقيقة، بالقول  بأن المجتمع الشرقي التقليدي غير الصناعي،( وهو بالضرورة بطريركي ذكوري وطبعا راسمالي بالمعاني الاستهلاكية والملكوية، وليس الإنتاجية) هو حالة احتلال نصفه الذكور لنصفه الإناث.  هناك استشناءات، لكنها محدودة وفي اغلبها لظرف ما وليس لقناعات فكرية وعيوية.

تمكنت المرأة الفلسطينية في فترة صعود المقاومة،(يسميها البعض ثورة) من الخروج من البيت إلى العمل السياسي بأشكاله التنظيمي والاحتجاجي وحتى الاستشهادي. وفي فترة الانتفاضة الأولى لعبت المرأة دورا مميزاً سواء في الاحتجاج أو إقامة التعاونيات المنزلية والأحيائية ومقاطعة منتجات الاحتلال مجسدة ضبط النزعة الاستهلاكية.

لكن تراجع النضال الوطني، وغياب الحاضنة السياسية الوطنية أي تهافت المشروع الوطني كانت تبعاته على المرأة أضخم. لقد نُزعت المظلَّة السياسية الوطنية عن المرأة المناضلة خاصة ، لتتم إعادتها إلى المطبخ، في مجتمع لا إنتاج لديه اساساً، أي إلى مطبخ فارغ بالمفهوم الافتراضي. وأُعيد فرض اللباس المسمى “شرعي” حتى على مناضلات عريقات، وتراجعت مشاركة المرأة في الاحتجاجات السياسية، وأصبحت مشاركتها في تظاهرة مثابة سلوك “مشين” وكثيرا ما زعم كثيرون أنها : “سليطة اللسان…الخ” ربما لأنها ردت على سليط اللسان! فكيف ترد امرأة على رجل حتى وكلاهما تحت الاحتلال!

باختصار، أُعيدت المرأة إلى خانة الإسقاطات الجنسية بمفاهيم وراء فرويدية. وكانت مواقع التواصل الاجتماعي (الفيس-بوك) مواقع تواصل تنفيس جنسي مبتذل. حتى المناضلات اللواتي صمدن رغم هبوط السقف النضالي للمرحلة، يتم إطرائهن عبر إسقاطات جنسية أكثر مما هو بناء على موقف ثقافي عالي تقديراً لنضالهن.

كل هذا يعني أن ما ظهر على سطح المجتمع من منظمات نسائية ونسوية، وخاصة عبر الأنجزة، لم تتمكن، وربما لم تُرد مواجهة  هذه الهجمة التي تتمثل في الاستعاضة عن استدخال الهزيمة مع المحتل بالانتصار على المرأة، اي تحقيق نصر ما على حساب المرأة وذلك بدءا من المنزل/الأسرة وصولا إلى المستوى السياسي.

لعل الإجابة على سبب سهولة هذا الارتداد كامن في أن غياب المظلة السياسية النضالية هو السبب الرئيس وراء كل هذا، بمعنى أن استعادة دور ووضع ومكانة المرأة في التحرر وليس فقط المساواة مرهون بأمرين جدليين معاً:

  • وجود مستوى تطور اقتصادي اجتماعي يحقق للمرأة على الأقل الاستقلال الاقتصادي
  • ووجود حركة وطنية تقدمية سياسيا وثقافيا واجتماعياً غير تقليدية وغير بطريركية وغير راسمالية لتحقق المرأة تحررها.

كلا الشرطين غائبان.

ملاحظة: اتصلت باحثة لدرجة أكاديمية مع اسير محرر وممن صمدوا في الإضراب عن الطعام لتجري معه مقابلة في قريته. وافق الرجل، ولكن والده اتصل بها وهي في الطريق قائلا: “المقابلة ملغاة لأنني لا أستقبل نساء في بيتي”.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.