مرحلة فلسطينية لم تُبحث! د. عادل سمارة

 

مرحلة فلسطينية لم تُبحث!

هل كان هناك إقطاعاً

زيارة قصر سحويل

د. عادل سمارة

 

ليس ما يلي قول في التاريخ حيث له اسسه ومعاييره. لكنني أجازف بالقول بأن قرونا أربعة من الاستعمار العثماني لم تتم دراستها وتحليلها تاريخيا كما يجب.

هناك جانب ، مهمل أو مغفل كما أعتقد في هذه القرون الأربع، وهو طبيعة المبنى الطبقي في فلسطين وخاصة التكوينات الإقطاعية أو شبه الإقطاعية في الريف.

وإذا كان اطلاعي صحيحاً، مع انه ليس كافياً، فإن دارسي هذه المرحلة في فلسطين قد أجملوها مع دراستهم المعممة على الوطن العربي وحتى على الإمبراطورية العثمانية، فتم وصف التشكيلة/ات الاجتماعية الاقتصادية في العثمانية بشكل تعميمي من ابرز الباحثين سواء المستشرقين او البرجوازيين الأكاديميين او الماركسيين. أذكر في هذه العجالة بعض الماركسيين:

  • فقد جادل كيدار كيدر وهوري اسلامجلو بأن هذه التشكيلات  آسيوية (من طراز النمط الاسيوي في الإنتاج)،
  • وجادل سمير امين بأنها تشكيلات خراجية
  • وجادلت تامار غوجانسكي، انها كانت تشكيلات تقليدية،
  • وجادل مكسيم رودنسون  بانها تشكيلات بملامح رأسمالية أولية علقت بها مع الإسلام.
  • ووصفها هيرشلاغ بأنها إقطاع شرقي في تمييز بينه وبين الإقطاع الغربي. (يمكن قراءة تحليل موسع لهذه الأطروحات في : دفاعا عن دولة الوحدة :إلفلاس الدولة القطرية: (رد على محمد جابر الأنصاري) عادل سمارة، منشورات مركز المشرق العامل للدراسات الثقافية والتنموية،  رام الله 2003 ص ص 180-217).

وبغض النظر عن مختلف هذه الأطروحات، إلا أن ما أعتقد انه شديد الأهمية لا سيما لتأكيد التاريخ الاجتماعي الاقتصادي لفلسطين هو قراءة تركيبة الريف الطبقية، وطبيعة العلاقات الاقتصادية الاجتماعية فيه وعلاقتها بالمدينة التي كما أزعم لم يكن الريف تابعا لها كمدينة  بل تابع مباشرة للباب العالي  أي للسلطة العثمانية الاستعمارية. ولعل هذا أحد أهم أسباب عدم النمو في مختلف المستعمرات العربية للعثمانية حيث يتم شفط معظم الفائض إلى استانبول بينما يحوز الموكل بسلخ الفائض من الفلاحين على جزء منه. فهل هو إقطاعي، أم مجرد ملتزم…؟

وللمقارنة، فإن الاستعمار البريطاني لفلسطين قد اعتمد على حصون خاصة به هي بنايات ال تاجارد/المقاطعة، ربما لأن أعوانه لم يكونوا ذوي جذور مجتمعية مقارنة مع العثماني.

ما لاحظناه في زيارة يوم 15 أيلول 2017 لقصر  سحويل في قرية عبوين  شمال رام الله، حيث كان الرجل مسودا على العديد من قرى شمال رام الله، وهو اصلا من بلدة الطفيلة في الأردن، وصل عبوين ربما هربا من صراع قبلي.

تدل طبيعة المبنى كحصن دفاعي أنه ضد بيئة نقيضة، وكمظهر للثراء حيث جدرانه مبنية بالزيت بدل الماء، وكونه على قمة  حولها مدى فسيحا لاكتشاف القادمين، واحتوائه على خوابي تخزين القمح وأبار لتخزين زيت الزيتون، وقاعة بها مشنقة للإعدام ووجود بوابات ضخمة للقصر يمكن للفارس أن يدحل إليه دون ان يُحوِّل عن جواده…الخ ، كل هذا يدل على نمط ثراء هائل وسلطة  تمتع بها ساكن القصر لا يمكن ان يتحلى بها لولا علاقته مع الباب العالي من جهة ووجود قوة اجتماعية حوله يُقنع المستعمِر بفائدة الاعتماد علي.

وهو الاعتماد الذي يسمح له بسلخ الفائض من الفلاحين واقتطاع نسبة له من الفائض وإرسال النسبة الأعلى للباب العالي وإبقاء حصة للفلاح كي يتمكن من إعادة إنتاج قوة عمله.

والسؤال: هل هذه حالة إقطاعية تقليدية، أم هي تمفصل أولي لإقطاع عسكري قائم في ألاستانة؟

باختصار، ليس المهم إنتاج مصطلح لاسم التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية في فلسطين في الفترة المقصودة، بقدر ما ان المطلوب هو البحث في العلاقات الاجتماعية الطبقية  ووصفها.

فبالعودة إلى النموذج المقصود، فإن هذا الرجل كان يقوم بالغزو والإخصاع وكان يتحالف مع أمثاله في صراعهم مع نظرائهم او خصومهم.

فمناسبة مقتله كانت أثناء عودته من “فزعة” وقع في كمين من قرية تل وقُتل.

يروي المثقف زياد شحادة سحويل حادثة مقتل سحويل في قرية تل لواء  نابلس بأن الذي قتله فلاح من تل هو و مجموعة حيث كمنوا لسحويل اثناء العودة من احدى فزعاته. وإثر ذلك غنت نساء تل:

” يا بنات عبوين يا إمات الجدايل ….إنقتل سحويل في روس الجبايل”

صحيح أن حالة سحويل ذات دور كبير حيث كان يسيطر على قرى كثيرة ويستغل فلاحيها، ولكن حتى في كل قرية كانت حامولة تشكل قوة القمع. وعائلة سحويل لا تزال كبيرة في القرية إلى جانب عائلات أخرى.

لعل الملاحظة الأخيرة بأن المكان مهملا إلى حد كبير، ومفتوح مما يجعل العبث به سهلا. والغريب أن مؤسسة  (الرواق) التي قامت بإعادة تأهيل الطرق المؤدية للقصر قد انفقت الميزانية على تحسين تلك الطرق وليس تأهيل داخل القصر نفسه. لذا نجد الآبار التي كانت  مليئة بالزيت قد غدت  ملئية بالتراب والأوساخ، والخوابي التي كانت مليئة بالقمح قد غدت  محطمة من عبث الأطفال والصبية.

فالمفترض في أهل القرية أن يضعوا بوابات مغلقة على مداخل القصر، وأن يتم فتحه في مواعيد معينة للحفاظ عليه كمعلم أثري وشاهد عمراني على طبيعة العلاقات الاجتماعية في مرحلة من تطور فلسطين.

وإذا لم يقم المجلس بحماية المكان، ربما تقوم عائلة سحويل نفسها بالحفاظ عليه كتراث وطني شاهد على مرحلة من تطور فلسطين، ومرحلة من دور جد هذه العائلة بغض النظر عن التحليل الأنثروبولوجي والاجتماعي الطبقي للحالة.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.