إعلام النكايات خدمة للولايـات، حياة ربيع

باستثناء الاعلام الحربي، انشغلت قناة العالم الفضائية الأسبوع الماضي في المعظم بقضيتين رئيسيتين. الاولى كانت “مجازر بورما” المزعومة، والثانية الذكرى السادسة عشر لتفجيرات ١١ سبتمبر في نيويورك.

 

في قضية بورما/ميانمار، تسعى ايران جاهدة في محاولة إثبات ان هناك مجازر وفظائع يرتكبها البوذيون في حق مسلمي الروهينغا “السنة”  وتستعين بالمنظمات الدولية وهيئة الامم لدعم ذلك. ومع كل هذا التجييش الاعلامي والسياسي، لم يتوفر اي تحقيق او إثبات على هذه المزاعم وكل المحاولات المحمومة ارتكزت على صور من احداث لمآسي إنسانية سابقة حصلت حول العالم ومتوفرة على الانترنت.

 

وكانت ايران قد وعدت على لسان علي لاريجاني قبل حوالي عشرة ايام بإرسال لجنة تحقيق وتقصي للحقائق الى بورما لاستطلاع الامر الا ان شيئاً من هذا لم يحدث او انه تم الإستعاضة عن هذه اللجنة بفريق قناة العالم (كما بريس تي في) الذي ذهب مؤخراً الى مخيم قيل انه للاجئين على حدود بنغلاديش مع بورما. وكل تقارير هذا الفريق واستصراحات النازحين من بورما لم تثبت ان اي من المجازر المزعومة فعلاً قد حصلت ولا تشكل اي إثبات او دليل. وكان اهتمام فريق العالم الاعلامي هو التركيز على إظهار المساعدات الانسانية التي ارسلتها الجمهورية الاسلامية في ايران للنازحين من بورما الى مخيمات بنغلاديش. 

 

اما برنامج قناة العالم “على ضفاف النيل” فقد كان غير موفق بضيفية المصريين الذي حاول من خلالهما تفنيد الشهادات المصرية على كذب هذه المزاعم التي أهمها شهادة محمد عويس على رحلته الى بورما والسفير المصري الأسبق في بورما محمد المنيسي.

 

وتبعاً لموقف الجمهورية الاسلامية الإيرانية  كان موقف حزب الله في لبنان الذي بالتالي كان تبعاً له موقف أنصار الله في اليمن …  دون ان نعلم في الأساس على ماذا بنت واعتمدت الجمهورية الاسلامية الإيرانية في موقفها من بورما.  ثم يظهر جلياً اختلاط  الاصطفافات حيث  الصف الإيراني كما هو غريمة السعودي والأمريكي  بما فيهم يوسف القرضاوي يتسابقون على “نصرة” مظلومي سُنَّة مسلمي الروهينغا.   

 

ويبقى السؤال: لماذا تسعى ايران جاهدة لإثبات ان هناك مجازر ضد مسلمي الروهينغا السنة في بورما  سوى لإثبات ان السعودية الحامي المفترض لِسُنَّة العالم ومعها الدول العربية لا تحرك ساكناً لنصرة هؤلاء السُنَّة المستضعفين كما تفعل الجمهورية الاسلامية في ايران التي تتبنى مستضعفي العالم؟! 

 

اما بالنسبة لتفجيرات ١١ سبتمبر فـ: 

 

تعتمد الجمهورية الاسلامية الإيرانية  بشكل عام في مواقفها من وتعاملها مع الغرب وتحديداً الولايات المتحدة على تبني نسخته الرسمية للأحداث دون الأخذ بعين الاعتبار الأصوات الغربية الداخلية الناقدة والمخالفة والرافضة لهذة الروايات الرسمية.  وهذا لا يقتصر على السياسة او الاعلام بل يشمل كل المجالات وعلى رأسها العلوم والأكاديميا. 

 

لكن بمعزل عن الإصرار على استعمال الروايات الغربية الرسمية، هناك  فعلاً جزء كبير من إعلام فضائيات المقاومة والممانعة (الذي يعتمد كلياً على أليات الاعلام اللبناني وكوادره) على مستوى لا يصدق من السذاجة والسطحية … النوع الذي اذا قيل له ابحث في الانترنت يقول “مالذي يدرينا ان ما في الانترنت صحيح” – هذا الذي  ايضاً رددته  مؤخراً لينا زهر الدين في برنامجها من قناة الميادين – … بالتالي هذا يعني عدم وجود كادر إعلامي لديه الخلفية والمهنية والمقدرة على اجراء بحث مستقل او  تقييم المادة المتوفرة مما يجعله  يعتمد على اتهامات إعلامية قد لا يكون لها أساس من الصحة وهدفها سياسي بحت. 

 

في الذكرى السادسة عشر،  تسابقتا قناة العالم الإيرانية  وقناة العربية السعودية  في اتهام بعضهم البعض في احداث سبتمبر بناء على روايات أمريكية رسمية أعدتها الولايات المتحدة للاستهلاك الخارجي وتحديداً للمسلمين.  كلاهما استعملت ضد الاخرى روايات أمريكية قديمة لم تلق رواجاً داخل الولايات وقد تم نفيها منذ حدوث التفجيرات.  فقناة العالم استعملت ضد السعودية  رواية ال ١٩ ارهابي التي تم نفيها ورفضها، كذلك بدورها قناة العربية إتّهمت  ايران بالتفجيرات معتمدة في ذلك على روايات رسمية تضليلية  لم تلق رواجاً في داخل الولايات  تحديداً اتهامات لحزب الله وللشهيد القائد عماد مغنية بالوقوف خلف التفجيرات.

 

قامت العالم بعرض متكرر لما أسمته وثائقي عن تفجيرات ١١ سبتمبر، يعتمد على نسخة مبتذلة جدا من الرواية الرسمية التي روجت لها قناة الجزيرة اثناء الحدث ونفتها في حينه السي ان ان، وهي ان ١٥ من ال ١٩ المتهمين بالتفجيرات كانوا سعوديين.   فقوائم المسافرين على متن الطائرات المزعومة لم تظهر اي اسم عربي، كما تبين في حينه ايضاً ان الأسماء السعودية والإماراتية المزعومة تعود لأشخاص كانوا لا يزالون بعد التفجيرات احياء يرزقون ويعيشون خارج الولايات المتحدة.  

 

في حلقته عن ذكرى تفجيرات نيويورك، برنامج قناة العالم “انقلاب الصورة” لفيصل عبد الساتر يقول: 

 

“بعد مضي 16 عاما علي احداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 و الذي احتار فيه المحققون من كل انحاء العالم حول الجهة المسؤولة عن مثل هذه الهجمات، طرحت قناة العربية السعودية ادعاءات تتهم فيها ايران بالوقوف وراء هذه الأحداث، لكن خاب أمل العربية مجددا كما خاب أملها في الكثير من القضايا المشابهة.  ففي تقرير جديد نشرته نيويورك بوست تتحدث بشكل واضح عن أدلة دامغة عن تورط السعودية في هجمات 11 أيلول/ سبتمبر و هناك الكثير من الدلائل التي تحدث عنها هذا التقرير… “.  

 

عندما  يقول فيصل عبد الساتر ان  هجمات سبتمبر “احتار [فيها] المحققون من كل انحاء العالم حول الجهة المسؤولة عن مثل هذه الهجمات…”  فهو يجعل من نفسه ومن قناة العالم أضحوكة لان هذا يعني بكل بساطه انه لا يفهم شيء عن الموضوع الذي يتناول نقاشه ولم يبحث فيه وان دوافعه سياسية… وأحيله الى المواقع الإلكترونية  المستقلة والمعتمدة وذات المصداقية العالية والتي كان أولها وأهمها على الإطلاق وعلى مدى ١٦سنة هو مركز غلوبال ريسيرتش في كندا. كذلك “جورنال دراسات احداث ١١ سبتمبر” الإلكتروني والعشرات من  مواقع الخبراء والمختصين الرافضين للرواية الرسمية والذين كذبوها وكلها متوفرة على الانترنت.  أيضا مما اعتمد عليه فيصل عبد الساتر في اتهام السعودية  كان صحيفة  الـ “نيويورك بوست” التي تعتبر من صحافة الـ “تابلويد”  التي تسوق لقصص التشويق والقيل والقال والإشاعات والاعلانات والترفيه.   

 

الترهات التي تسوَّق كشماعة لضرب السعودية وإيران في بعضهما البعض (اي تقليدياً العالم الشيعي والسني في بعضه البعض) لا يمكن تسويقها في الولايات المتحدة ولا حتى قانون جاستا المزعوم لانه لم ولا ولن تستطيع الولايات المتحدة اثبات ان التفجيرات كانت خارجية بل الثابت انها داخلية بحتة.  وهذا متوفر للجميع وبناء على المعلومات والتقارير والتحريات والابحاث والتقصيات الامريكية المستقلة  والتي قام بها مئات الخبراء والمختصين والأكاديميين الأمريكيين الرافضين للرواية الرسمية.  القول باكتشاف ادلة جديدة في تفجيرات سبتمبر ضد السعودية (او غيرها) هو اهانة للعقول الامريكية قبل غيرها وهو استحمار ما بعده استحمار لكل من يمكن ان يسلم تسليم مطلق للروايات الرسمية وتنطلي عليه  ألاعيب شماعة تفجيرات سبتمبر دون ان يكون عنده المقدرة للتمييز وللتأكد منها. 

 

في كل حوادث الارهاب المزعومة حول العالم التي كانت باكورتها تفجيرات ١١ سبتمبر في نيويورك ثم ما تلاها، يسارع  محور الممانعة والمقاومة لتبني الروايات الرسمية الغربية  ويسبق الجميع في الادانة والاستنكار معتمدا في ذلك على ما يقوله عدوه (فيك الخصام وانت الخصم والحكم)  بدون اي تقصي او تأكد من التهم، ولو لمرة واحدة،  وذلك لهدفين: الاول تبرأة نفسه من التهمة وثانياً  لإلصاقها سياسياً بداعشية السعودية.  اي ان محور المقاومة والممانعة يقبل شهادة عدوه دون التحقق منها ويستعملها نكاية لِيُدين بها السعودية.

 

هذه احداث ليست بالبسيطة بل يتم السيطرة على العالم وشعوبه بذريعتها وكان من الاولى التأكد من حقيقتها ولكن واضح انه لا تتوفر القدرة والآليات لمحور المقاومة والممانعة لفهم حقيقة ما يجري  بل هو ينظر بريبة الى من يرفض هذه الروايات المزعومة ويكذبها. وهكذا ينصاع محور المقاومة لما تمليه عليه أجندات قوى العالم الغربية  دون تحقيق في رواياتها نكاية  بالسعودية (لسان حالهم يقول للغرب نحن واياكم ضحايا الارهاب السعودي).  صحيح ان السعودية سفاحة ومجرمة ولكن جرائم الارهاب والتفجيرات المتفرقة حول العالم لا دخل لها بها فهذه جميعها عمليات استخبارات داخلية  (inside jobs)  لاستثمارها داخلياً وخارجياً ومن يستطيع ان يبحث ويقرأ سيجد ما يثبت هذا بدون أدنى شك. (من باب “إن جآئكم فاسق بنبأ فتبينوا…” )

 

للاسف،  القاسم المشترك في اهتمام ايران بالقضيتين بهذا الاسلوب هو النكاية بالسعودية والمزايدة عليها.  السياسات الإيرانية تجاه السعودية هي مد اليد والتقارب من جهة بينما من اخرى محاربتها عالميا من القنوات الغربية بدعم روايات الغرب عن الارهاب وتلبيسه للسعودية  ليبقى الغرب سعيدا بذلك والولايات المتحدة هي سيدة الموقف.  بالتالي فان ايران نفسها تقع فيما تستعمله من الغرب ضد السعودية، اي انها تشرب من نفس الكأس الامريكي الذي تسقيه للسعودية! بلحاظ الفارق وهو ان الجمهورية الإيرانية ضحية جهلها وفخ  الولايات المتحدة ، بينما السعودية متواطئة ولأنها كيان وظيفي وشريكة  وعباءة  قذرة للولايات فعليهاالانصياع وعدم تكذيب التهم الموجهة اليها. 

 

الحق أولى من المجاملات والنكايات  ولا يمكن مقارعة الباطل الا بالحق المطلق وليس بألاعيب الباطل.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.