ملف عن التطبيع “الناعم” عبر الفن و”الثقافة”، تقديم الطاهر المعز

1) زياد دويري… عن المسخ الذي خسر نفسه ولم يربح العالم، ليلى الخطيب توما

2) الفن.. بوابة “إسرائيل” الخلفية للتطبيع الشعبي”، خالد عبدالمنعم

3) زياد دويري … الاستشراق قبل التطبيع، أحمد دردير 

تقديم:

نشرْتُ يوم 12 أيلول 2017 مقالاً بعنوان “هل الخيانة أو التّطبيع وجهة نَظر؟”، وعند مطالعتي اليومية للصحف بحثًا عن المادة التي تساعدني على إعداد نشرة الإقتصاد السياسي التي ينشرها موقع “كنعان” أسبوعيًّا، اطلعت على عدد من المقالات التي تتناول نفس الموضوع وتنحو نفس المَنْحى، ما دفعني لتجميعها وتقديمها، بهدف إطلاع القارئ على محتواها للإفادة…

عمدت الحركة الصهيونية منذ ولادتها إلى طمس تاريخ وثقافة (ووجود) الشعب الفلسطيني، والوجود العربي وكذلك الحضارات السابقة للحضارة العربية في فلسطين، وبما ان الصهيونية حركة استعمارية استيطانية فقد استفادت من أساليب الإستعمار البريطاني والفرنسي والإستيطان الدموي للغزاة الأوروبيين في أمريكا الشمالية (وأستراليا ونيوزيلندا…)، وجَنَّدَتْ أكاديميين وباحثين ومثقفين ومخرجين سينمائئين كبار في هوليود لتقديم اليهودي أحيانًا والصهيوني أحيانًا أخرى بمثابة المظلوم تاريخيا وبمثابة المُنْقِذ للإنسانية أو البطل “الخَيِّر” مقابل العربي “الشِّرِّير”، ولكن العديد من المثقفين المناضلين الفلسطينيين والعرب تفطنوا لأهمية هذه الجبهة الثقافية وتصدّوا لمخططات الكيان الصهيوني، ولم يحاول الكيان الصهيوني الرّد بالحجة على هؤلاء المثقفين “الثوريين” أو التقدميين، بل خطط (على مستوى رئاسة الحكومة وجهاز المخابرات) لاغتيالهم في البلدان العربية وفي اوروبا (فرنسا بالأخص، بتواطؤ مع مخابراتها، أي حكوماتها)، ومنهم غسان كنفاني وكمال ناصر وكمال عدوان وأبو يوسف النجار وماجد أبو شرار وغيرهم…

بعد التطبيع الرسمي المصري (كامب دفيد) وتطبيع قيادة منظمة التحرير -أي فتح أساسًا- (أوسلو)، فَتَحَ الكيان الصهيوني جبهة التطبيع الثقافي مع الكتاب والسينمائيين والأكاديميين العرب، بدعمٍ من الأنظمة العربية، وهذا النوع من التطبيع أخطر من تطبيع القيادات السياسية لأنه يستهدف الثقافة والتاريخ والوعي الجَمْعي، وكل ما لم تتوصل إليه عمليات التطبيع الرسمي مع مصر والأردن، لذلك اعتبره البعض “التطبيع النَّاعم”، الذي يستهدف العقول وغسْل الأدمغة والإنسلاخ عن التاريخ تدريجيا…

نُشِرَتْ هذه المقالات بعد ضجة في لبنان حول مخرج يحمل الجنسيتين اللبنانية التي ورثها بالولادة والفرنسية التي اختارها عن طواعية، وإن لم يكن أول المُطَبِّعِين ولا آخرهم، فإنه ذهب بعيدًا في مجال التطبيع والدّفاع عن التطبيع، بوقاحة وبعجرفة نادرة، أدت به إلى زَجْر أُمِّهِ أمام الجمهور، هذه الأم التي قال عنها مرارًا إنها أرضعته حُب فلسطين (قد يكون تعلم العجرفة من الفرنسيين أو الصهاينة أو من حزب الكتائب الذي أعد شريطا عن أحد أعنف رموزه)، في ظل “حياد” مُرِيب للقضاء وللمجتمع المدني وللأحزاب التقدمية وللساهرين على تطبيق القانون اللبناني الذي يمنع السفر والإقامة في فلسطين المحتلة، لكن هذا المخرج يسير على خطى سعد حداد وبشير جميل، لكن في المجال الثقافي…

الطاهر المعز 20/09/17

*****

زياد دويري… عن المسخ الذي خسر نفسه ولم يربح العالم

ليلى الخطيب توما*

صحيفة “الأخبار” اللبنانية 18/09/2017 
تفاجأت كثيراً اليوم وأنا ألقي نظرة سريعة على الأخبار المتعلقة بالمخرج زياد دويري. إذ اقتضت المصادفة أن اكون الآن في غمرة كتابة دراسة مطولة عن فيلم «فالس مع بشير» (2008) (1)، أفنّد فيها التزوير التاريخي الذي يبنيه الفيلم بتقنيات فنية ساحرة ومؤثرة، أوقعت كثيراً من اللبنانيين والعرب تحت تأثيرها. نعم، الآن، في منتصف أيلول، أكتب عن أيلول 1982. ذكرى الاجتياح، ومقتل بشير الجميل، ومجازر صبرا وشاتيلا.
صيف 82: ذكرى انقسام وطن بأكمله
اعتقدت أنني أكتب عن التاريخ، فإذا بي أكتب عن الحاضر
أهي فعلاً مصادفة؟
في الدراسة التي أعدها، آتي على ذكر زياد دويري، بل أذكر فيلمه الأول «بيروت الغربية» (1998). وفي معرض حديثي عن السينما، أسأل: كيف نتأسف للصورة التي يبنيها الإسرائيلي عنا، بل كيف نغضب على الرواية التي يقدمها الإسرائيلي عن تاريخنا، فيما نحن لا نقوم لا ببناء صورتنا عن ذاتنا، ولا بسرد روايتنا التاريخية الخاصة بنا؟ فعلى من تقع المسؤولية في تزييف التاريخ؟ على من بنى كل تاريخه على الزيف، أي «إسرائيل»؟ أم على مَن لم يقدم الرواية الحقة لتاريخه، أي نحن؟ وفي هذا السياق، أقول إنّ «بيروت الغربية» هو من الأفلام الروائية اللبنانية النادرة التي أثّرت فيّ. ذلك أنّ المخرج حوّل تجربته الخاصة وقصته مع الحرب إلى إبداع سينمائي أبكانا وأضحكنا. هكذا شعر جيل لبناني بأكمله بأنّه يرى نفسه ممثلاً للمرة الأولى في فيلم سينمائي (2) مشغول بمهنية عالية (بالمعنى الهوليوودي) (3) لم نعهدها من قبل في لبنان. ولأنّ الفيلم مشغول بهذه المهنية، ولأنّه يحاكي ذاكرتنا، لاقى الرواج التجاري والشعبي الفريد من نوعه في ذلك الحين.
لكن ماذا جرى؟ ماذا جرى لمخرج ذاك الفيلم المؤثر؟
بعد بضع سنوات، أخرج زياد دويري فيلماً باللغة الفرنسية عنوانه «ليلا تقول» (2004) (4)، وهو فيلم يحكي قصة حب بين شاب فرنسي من أصول عربية، وفتاة فرنسية. فكرت يومها، أنا المعجبة بفيلمه الأول: ربما أراد زياد دويري أن يرتاح قليلاً من لبنان ومن قصصه، فأخذ طريقاً مختلفاً، لكنه لا بد سيعود ليكمل ما بدأه من إعادة زيارة لتاريخنا العام ولتاريخه الشخصي. فيساعدنا على إعادة صياغة ذواتنا. لعله يكمل، على طريقته، ما بدأه زياد آخر في المسرح (5)…
لكن من عام 2004 حتى عام 2012، لم يخرج زياد دويري، حسب ما قرأت، سوى حلقة واحدة من مسلسل رعب (6).
في عام 2012، خرج إلى الشاشات فيلم «الصدمة»، الذي صوّره دويري في تل أبيب (7). أصبت فعلاً بصدمة. كيف؟! ولماذا؟! كيف انتقل زياد دويري من المشهد الافتتاحي الشهير في «بيروت الغربية»، الذي يقوم فيه البطل، طارق، بفرض النشيد الوطني اللبناني على حساب النشيد الفرنسي في باحة مدرسته… إلى تل أبيب؟!
«بيروت الغربية»: في البدء كانت الهزيمة
تساءلتُ: هل من الممكن حقاً أن ينتقل فنان كلياً هكذا من ضفة إلى أخرى؟ أم ثمة إشكال منذ البداية، لم أنتبه له في غمرة احتفالي بما ظننتُ أنّه انطلاقة جديدة في السينما الروائية اللبنانية؟ استعدت ذكرياتي عن «بيروت الغربية». ثم شاهدت الفيلم من جديد. أعجبت به كما في المرة الأولى. لكن انتابني شعور يشبه الانزعاج أو الضيق. تذكرت، نعم، لقد شعرت بنفس هذا الانزعاج في المرة الأولى. لكنني لم أتوقف عنده كثيراً وقتذاك. ما سببه؟ تساءلت.
نعم. إنّه المشهد الأخير بشكل أساسي. طارق، الفتى المراهق بطل الفيلم، الذي استوحى المخرج على الأرجح شخصيته وقصته من سيرته الذاتية، ووالدته على الشاطئ في بيروت.
طارق يصوّر والدته بكاميرا سوبر 8 (وهي إحدى شخصيات الفيلم الأساسية). الأم تضحك. الفيلم انتقل إلى الاسود والأبيض. لقطة قريبة جداً لوجه الأم وهي تضحك. ثم تبطيء تدريجي للحركة، وصوت تكتكة آلة السوبر 8. تبدأ ضحكة الأم بالتحول، بفعل التبطيء المتزايد، إلى تكشيرة تكبر وتكبر، حتى تتوقف اللقطة، وينتهي الفيلم على وجه الأم، وقد بدا شنيعاً ممسوخاً. أما المشهد الذي سبق الأخير، فهو مشهد والد طارق وقد بدا منسحباً مما يجري حوله، يصرّ على البقاء وسط حرب يعتقد أنّها حدث وينتهي. نراه يعزف على العود، وهو يلبس البيجاما. فكرت: هذا هو الأب المنهزم في الحرب. جيل بأكمله. وهذه هي الأم التي تحولت إلى مسخ، الأرجح بفعل نفس الحرب.
فإذا كان دويري قد وصل إلى هذا الاستنتاج عن الحرب ونتائجها منذ فيلمه الأول، فهذا معناه أنّه ربما طوى الصفحة في حينها. كأنما ليس لديه، خارج تلك القصة الشخصية، أي شيء يقوله أو يرويه، أو يبدعه سينمائياً عن لبنان وناسه (8)
«الصدمة»: «زنجي المنزل» و«زنجية الحقول»
أعود إلى الفيلم الذي أثار كل الجدل، أي «الصدمة». ولكي لا أتَّهم في معرض كتابتي هذه، بأنني أحكم على الفيلم انطلاقاً من موقف سياسي محض، أجبرت نفسي اليوم على مشاهدته. لكن لم تكد تمضي دقائق قليلة حتى توقفت. فالطبيب العربي الاسرائيلي، بطل الفيلم، يمنح جائزة من قبل جمعية الجراحين الاسرائيليين، فيلقي خطاباً بالعبرية يقول فيه إنّه كان يشعر في الماضي بغضب كبير في «هذا البلد»، لكنه حصل على منحة لدراسة الطب ودخل معهداً مرموقاً وأجرى عمليات لإسرائيليين، فلعله حان الوقت لكي يغيّر المرء (يقصد هو العربي) من قناعاته ويتطلع إلى المستقبل. تصفيق حار من الحضور.
صرت أجد صعوبة كبرى في تحمّل هذه الترهات التزييفية للواقع والتاريخ. وأحياناً لا أعود حتى أرغب بتقديم الحقائق الداحضة. هنا: كل الإثباتات التي تدل على أنّ عرب 48 هم «مواطنون» من الدرجة الثانية والثالثة… هذه بروبغندا، أقول. بروبغندا في قالب سينمائي فني. هكذا تشتغل معظم أفلام هوليوود منذ عقود. ولكنها بروبغندا تصل إلى أعداد هائلة من الناس، وتسهم بنعومة في تغيير مواقفهم ومشاعرهم تجاه الواقع الذي نعيشه. وهي، في هذا الفيلم وفي غيره، تغيّر الواقع والتاريخ، ونحن نتفرج.
أجبرت نفسي على متابعة المشاهدة. الدقيقة 7 من الفيلم: مدينة تل أبيب تظهر عبر النوافذ الزجاجية الكبيرة في المستشفى، حيث الطبيب البطل يتحدث مع زميل إسرائيلي له. يخبره الزميل قصة فلسطيني صائم في رمضان، أجبره جنود إسرائيليون على تدخين سيجارة لكي يسمحوا له بالدخول للصلاة في الأقصى، فما كان من الرجل إلا أن هاجم الجندي، فأصابه، ثم أصيب هو. جواب الطبيب البطل: لن ننتهي أبداً من هذه القصص… يدوي انفجار. لقطات سريعة لسيارات إسعاف تهرع في الشوارع، تذكّر بتغطية تلفزيونية إخبارية: نحن أمام «الواقع». ثم، على مدى دقيقتين: مشهد تلو الآخر لأولاد مصابين يتم إدخالهم بسرعة إلى الطوارئ. لقطات قريبة (close- up) متكررة لوجوه الأطفال المصابين وأجسادهم. الدم يغطي أعضاءهم الصغيرة، وشعرهم. الطبيب البطل يحاول إنقاذ صبي مصاب إصابة بالغة. لقطات قريبة جداً لوجه الولد ولجسده المشوه، وهو يخضع للعملية. الأب يدخل كالمجنون وهو يصرخ: أين ابني؟! لا نرى ضحايا كباراً، فقط أولاد.
ما هو الشعور الذي تتركه سلسلة المشاهد (Séquence) هذه، من حيث خياراتها الفنية السينمائية؟ أليس من المفروض أن يشعر المشاهد بالتعاطف مع أطفال تل أبيب الذين يتم قتلهم وجرحهم في عملية تفجير قامت بها امرأة فلسطينية؟ إذن، يريدنا المخرج الفنان أن نتعاطف أولاً. ويريدنا ثانياً أن نستنتج أنّ الذين يُقتلون هم الأطفال، وأنهم يُقتلون على يد الفلسطينيين. انقلب موقع الضحية والجلاد، وتعاطفنا مع الضحية.
ما ذكرتني به حقيقة بدايةً الفيلم، أي مشهد الطبيب العربي الأنيق وهو يخاطب بالعبرية، كما وكل قصته، هو التمييز الذي أقامه مالكوم أكس بين «زنوج المنزل»، و«زنوج الحقل». فلقد وصف الأوائل بأنّهم «الزنوج المدجّنون»: وضعهم السيد الأبيض في منزله، فكانوا يأكلون ما يأكل، ويلبسون ما يلبس، ويتحدثون مثله بعبارات ولغة «حضارية». وكانوا «يحبون سيدهم أكثر مما هو يحب نفسه. فإذا مرض السيد سألوا: ما بنا؟ هل نعاني من المرض؟ وكانوا مستعدين لتقديم حياتهم دفاعاً عن بيت سيدهم، في حال نشوب حريق مثلاً. ومهمة هؤلاء هي مواجهة «زنوج الحقل» ــ وهم الأسوأ حالاً ـ واحتواؤهم في حال تمردوا على السيد الابيض(9). الطبيب «العربي» البطل هو مثال جيد على «زنجي المنزل». كل ما فيه يشبه سيده: لغته، لباسه، بيته، علاقاته، موقعه. أما زوجته الفلسطينية من الضفة، والتي فجّرت نفسها، فهي بلا شك من «زنوج الحقول»، لأنها تمردت على سلطة سيدها. وبما أن زوجها «زنجي المنزل»، لم يستطع منعها وحماية منزل/ مدينة سيده من الأذى، لم يبق له إلا أن يبدأ مهمة محاولة فهم ما فعلته، فهو لا يصدق أنّها قد تقوم بمثل هذا العمل (ربما اعتقد أنها تدجنت مثله)! لكن الأرجح أنّه سيروح ضحية: فـ«زنوج الحقول» لا شك سيحاسبونه على ولائه للسيد الأبيض، وزلم السيد سيحاسبونه على تعرض منزل السيد للخطر. آه… هو الضحية إذن! هو العربي المثقف المحايد المسالم الذي حاول الاندماج مع الآخر وطي صفحة الحروب! ها هو «يأكلها على الميلتين» من «المتطرفين من الجهتين»! لكن الفيلم لا علاقة له بالسياسة، بل هو قصة إنسانية مؤلمة. أكيد.
اليوم، ها هو دويري يعود إلى الواجهة، وقد جاء إلى لبنان لعرض فيلمه الأخير «قضية رقم 23». لم أشاهد سوى الإعلان الترويجي لهذا الفيلم الذي خرج إلى الصالات يوم 14 أيلول (ذكرى مقتل بشير الجميل) ولكنني فهمت أن الرقم 23 يحيل على الفترة الذي كان فيها بشير الجميل رئيساً للبنان، وأن شخصيات الفيلم اثنان، يحصل بينهما خلاف: واحد لبناني ينتمي إلى القوات اللبنانية، وواحد فلسطيني.
ينتجون تاريخنا المزيف ونحن نتفرّج
حاولت أن أفهم كيف انتقل المخرج السينمائي، الذي كنت معجبة بعمله الاول من «بيروت الغربية» إلى «الصدمة»، ثم إلى «قضية رقم 23». قرأت ثم رتّبت المعلومات التالية في أسطر ثلاثة:
1998 فيلم «بيروت الغربية»: البلد: لبنان (فرنسا)، قدّم الى أكاديمية الاوسكار، لكن لم يُقبل ترشيحه.
2012: فيلم «الصدمة» البلد: فرنسا، بلجيكا، قطر، مصر، صوّر في «اسرائيل» مع ممثلين اسرائيليين وفريق عمل اسرائيلي، حاز جوائز مهمة في عدة مهرجانات.
2017: فيلم «قضية رقم 23»: البلد: لبنان، فرنسا، اختير للترشح للاوسكار عن فئة أفضل فيلم أجنبي.
من الواضح أن زياد دويري كان يحتاج إلى تمويل كي يخرج أفلامه، شأنه شأن كل سينمائي، بعدما قدّم للبنان أوّل فيلم فني تجاري ناجح بعد الحرب. السؤال: هل وجد التمويل في بلده؟ الجواب: لا. ذهب إلى فرنسا وأخرج فيلماً فرنسياً محضاً، لم يلق نجاحاً فعلياً. وجد نفسه يعبر صحراء كبيرة. لا تمويل = لا أفلام. ولكنه مخرج ويجب أن يخرج أفلاماً، والأفلام التي يحبّ إخراجها تكلّف كثيراً من المال. ماذا يفعل؟ هنا، لا بدّ أنه وضع نفسه أمام خيارين اثنين، اعتقد هو أن لا ثالث لهما: إما أن يعدل عن المشاريع السينمائية المكلفة، ويتوجه صوب سينما مستقلة ذات ميزانية متدنية، فيكتفي بإخراج فليم واحد كل عشر سنوات، هذا إذا حالفه الحظ. وإما ان يذهب ويأخذ أي تمويل يتوفر له، حتى وإن جاء ممن كان منذ زمن يعتبرهم أعداءه (ولهؤلاء، كما نعرف، وجوه كثيرة غير الوجه الإسرائيلي القح). عرفنا منذ عام 2012 ماذا اختار دويري ونعرف الآن كيف يُكافأ على هذا الخيار. لكن نحن؟ يبدو أننا كمجتمع وكمسؤولين وكمثقفين وكأصحاب رؤوس أموال وكدول وككل ما شئنا، لم نفهم بعد أهمية السينما في بناء الثقافة الوطنية والوعي الجماعي والرواية التاريخية. تركنا لغيرنا مهمة بناء ثقافتنا ووعينا وهويتنا، كما رواية تاريخنا. أما أعداؤنا، فلقد فهموا ذلك منذ قرن تقريباً، حين اختاروا الاستثمار في شركات سينمائية صارت اليوم عملاقة. وصارت تؤثر في وعي العالم أجمع وتقدّم روايتها لتاريخها الذاتي ولتاريخ غيرها، وتنشر قيمها عند كل الشعوب، ونحن أنفسنا الذين نصرخ اليوم، تربينا بدرجات متفاوتة ولا زلنا، على أفلام تلك الشركات. على ماذا إذن، الآن، وكلما حدث أمر مشابه؟ لا بدّ من اتخاذ موقف، هذا صحيح. لكن كان علينا، ولا زال علينا، أن نعمل ليل نهار، وبكل الأساليب والإمكانات، لكي نفرض على حكوماتنا إنشاء صناديق دعم للسينما، لكن أيضاً: لنقنع شركاتنا وأغنياءنا ومتموّلينا في كل أقطار العالم، وكل من أراد لنا خيراً، بالاستثمار في السينما اللبنانية.
أفكّر بذاك المخرج الذي عشت معه ومع فيلمه الأول أملاً في أن يصير لنا سينما «عن جدّ»، أي أفلام ذات جودة سينمائية عالية، وقصص تشبه قصصنا، وممثلون يشبهوننا، ورواج تجاري شعبي واسع. أفكر بأنه عليّ أن أنتقد أفلام دويري بشراسة أكبر مما أفعل الآن مع «فالس مع بشير». فهذا الأخير فيلم إسرائيلي محض، منسجم مع إسرائيليته ومع تاريخ بلده التزييفي. أما زياد دويري فإنه، كسينمائي أعني، أشبه بالمسخ الذي لم يعد لبنانياً ولم يصبح بعد شيئاً آخر. هو «زنجي المنزل»: لغة ولباس وسلوك المستعمِر، وعقل ودواخل المستعمَر. المسخ الذي هو أيضاً بلده، بلدنا. المنقسم على تاريخه وهويته. وما ذهاب دويري الى «إسرائيل» واختياره لتلك المواضيع، إلا تأكيد على انقسامنا وعلى بشاعة هذا الانقسام، بل مساهمة في تجييش الانقسام من خلال الانخراط في مسار سينمائي بات في نظري مشبوهاً. فتسليط الضوء سينمائياً، وبهذا الإلحاح، على انقساماتنا- وإن كانت في جزء منها فعلية – لا يبدو لي خياراً فنياً محضاً، أي بريئاً. فكيف يطلب منّا زياد دويري ألا نحاوره إلا كفنان (11)؟
أيلول 1982- ايلول 2017: حروب الانقسام التي لا تصنع تاريخاً
أما الادانة، أي الموقف، فإنها تأتي بالنسبة لي بعد كل ما سبق.
نعم، نتّهم، وندين، نتّهم المخرج اللبناني زياد دويري، وندينه لتصويره فيلماً في «إسرائيل» مع فريق إسرائيلي، ولتقديمه صورة مؤدلجة مزيفة مقيتة عن واقعنا. نتهّم وندين كل لبناني تعامل ويتعامل مع إسرائيل. أما القول بأنّ مكانة دويري كمخرج لبناني معروف تعفيه من المحاسبة، فهذا حقاً أمر غريب! إن كونه مخرجاً لبنانياً معروفاً لا يخدم قضيته بل يجعلها أسوأ، وعلينا أن نحاسب «دوبل»: أولاً على تعامله مع «اسرائيل»، وثانياً على تعامله مع «اسرائيل» من موقعه كمخرج لبناني معروف يحمل مسؤولية تجاه بلده وموقع بلده في صراعات المنطقة.
ولكن في ذكرى أيلول الـ 82 ماذا نقول؟
اليوم، أيلول 2017: قسم من اللبنانيين يحتفل بذكر «اغتيال الشهيد» بشير الجميل، وقسم آخر يتذكّر مجازر صبرا وشاتيلا، وكل مجازر الاجتياح الاسرائيلي بحق المدنيين اللبنانيين.
قبل 35 عاماً، أيلول 1982: قسم من اللبنانيين يحتفل، بكل ما للكلمة من معنى، بدخول «اسرائيل» لإخراج الفلسطينيين من لبنان. وقسم من اللبنانيين يُقتل قصفاً وحصاراً همجياً على يد «اسرائيل».
ماذا اختلف بين 82 واليوم؟ هل بنينا وعياً جماعياً وطنياً واحداً؟ لا. هل كتبنا رواية تاريخية وطنية موحّدة لاجتياح 82؟ لا. لم نفعل في الماضي ولن نفعل اليوم. وسيظلّ هذا التاريخ بالذات موقع خلاف، حتى يصير لنا وطن وتصير لنا دولة. أي: حتى ينتصر طرف ما، من هنا أو هناك، فيكتب التاريخ الذي يكتبه عادة المنتصرون (12). حتى ذلك الحين، سيظلّ تاريخنا تواريخ، أي روايات، متناقضة. نعم، لم نكتب تاريخنا الموحّد لأنّ أحداً منا لم ينتصر، وهذا يعني شيئاً واحداً: أننا ما زلنا في حالة الحرب. فحروبنا في لبنان تظلّ كلّها بلا هزيمة وبلا انتصار، وبالتالي بلا نهاية، ونظلّ نحن بلا تاريخ نبني فيه ومعه وعينا وهويتنا وثقافتنا الوطنية.
حتى ذلك الحين، سيطلع لنا أكثر من زياد دويري واحد، وسندين أفعاله وأقواله على طول الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي والمنابر والإذاعات والتلفزيونات. ثم لعلّنا ننسى الموضوع حتى يأتي الينا حدث ثقافي آخر شبيه به، حدث لم نكن نحن من بدأه، ولا من أبدعه، ولا من أنجزه، فنستنفر لردّ الأذى ومواجهة التطبيع والتنديد بمحاولات كيّ الوعي. لكن الوقت الآن هو وقت تحويل جبهات الإدانة والرفضة والمقاطعة – على أهميتها – الى جبهات إبداع وإنتاج ثقافي وطني واسع النطاق والتأثير.
فالمقاومة التي ننتظرها، بل المقاومة التي يجب أن نشكّلها، في أوسع وأشمل دائرة ممكنة، هي المقاومة التي تنقلنا من ردّة الفعل إلى الفعل: الفعل الإبداعي المنتج للوعي، والفعل الثقافي المنتج للهوية وللتاريخ.
كيف؟ من خلال إبداع قصص تحاكي قصصنا، وتحويلها الى أفلام روائية لتساهم، من خلال فعل تمثّلنا لأنفسنا، في إعادة تشكيل ذواتنا وصياغة هوّيتنا وبناء تاريخنا. إن السينما هي، بلا أدنى شكّ، أهم أركان هذه المقاومة.
*باحثة ومترجمة لبنانية
هوامش:
1: الفيلم هو للمخرج الاسرائيلي آري فولمان. رشّح لجائزة أوسكار، وحاز جائزة غولدن غلوب، كما جوائز عالمية. الفيلم مشغول بتقنية الـ «أنيماشن» الكلاسيكية مع Adobe flash cutouts. يحكي عن محاولة جندي سابق، هو المخرج نفسه، استعادة ذاكرته المتعلقة بمشاركته في اجتياح لبنان عام 82.
2: أذكر على سبيل المثال مشهد العائلة وهي تهرع إلى الملجأ وسط انهمار القذائف وخوف الأم على ابنها. لا شك بأن التصوير والتمثيل جعلانا نشعر بأننا نحن هذه العائلة. هكذا بكيتُ لا شعورياً في هذا المشهد، إذ استعدت خوف أمي علينا، و«الدربكة» إلى الملجأ التي كانت جزءاً مأساوياً من يوميات جلينا.
3: لا شك في أن عمل دويري، كمساعد تصوير، مع المخرج الأميركي كوانتن ترانتينو قد أسهم في ذلك.
4: الفيلم، وعنوانه بالفرنسية Lila dit ça، مبني على رواية صدرت عام 1997 لروائي يكتب اسم مستعار (شيمو).
5: أعني بالتأكيد زياد الرحباني. وبالرغم من الاختلافات الكبيرة بين الاثنين، إلا أنّ فيلم «بيروت الغربية» ذكّرني، في بعض حواراته وبعض «قفشاته»، بمسرح زياد.
6: المسلسل هو Sleeper cell.
7: سيناريو فيلم «الصدمة» من كتابة زياد دويري وجويل توما، وهو مبني على رواية لياسمينا خضرا، الروائي الجزائري الفرنكوفوني، والعسكري والسياسي السابق. أما بطل الفيلم، علي سلمان، فهو من فلسطينيي الـ 48، وبطلة الفيلم التي تلعب دور الزوجة الفلسطينية هي الممثلة الاسرئيلية رايموند أمسالم. غالبية الممثلين في الفيلم اسرائيليون. الطاقم العامل في الفيلم هو، بمعظمه، خليط من الاسرائيليين والفرنسيين، مع بعض الأسماء العربية. من أبرز الشركات المنتجة والموزعة للفيلم: «كوهين ميديا غروب»، «فوكس وورلد» وهي تابعة لـ Universal، أي واحدة من أشهر الشركات الأميركية، «وايلد بانش»، وهي شركة ألمانية، «3 ب برودكشن»، وهي شركة فرنسية يتعاون معها منتجو الفيلم: جان بريها، وخاصة المخرج والمنتج الجزائري رشيد بوشارب. كل هذه الشركات والأسماء معروفة وفاعلة في السينما العالمية.
8: هذه حال كثير من الكتّاب أو المبدعين الذين، بعد أن ينجزوا عملاً أولاً مبنياً أو مستوحى من سيرتهم الذاتية، ينضب لديهم مخزون القصص، فيجدون أنفسهم في مأزق إبداعي. بهذا المعنى لجأ زياد دويري بعد فيلمه الاول إلى إخراج فيلمين من سيناريوهات مقتبسة.
9: انظر مالكوم أكس Message to the grassroots. وعلى فكرة: شكراً ياسمينا خضرا (وكل الكتاب أمثاله)، فلقد أكدت نظرية مالكوم أكس وفرانز فانون، أنت الجزائري بالأخص، في أنّ «زنوج المنزل» هم من استملك السيد عقولهم ووعيهم، لا أجسادهم، كذا مع المستعمرين.
10 – أنا لا أتحدث بالطبع عن سينما المؤلف ولا عن السينما الوثائقية، ولا عن الأفلام القصيرة وفنّ الفيديو، فكلّها أنواع فيها عدد كبير من المخرجين اللبنانيين والمخرجات اللبنانيات، ومن كل الأجيال، ونأمل بأن نستطيع تكريس دراسة لهذه الإبداعات.
11 – نحن نعرف كيف تسهم الجهات المموّلة للفيلم في التأثير على كل خيارات المخرج، بل على كل توجّهات الفيلم. ففي هوليوود، لا يعدو المخرج ـ عدا بعض الاستثناءات- كونه موظفاً عند شركات الإنتاج، وهو موظف يمكن استبداله في أي لحظة. وباستطاعة الشركة المنتجة أن تتدخل في كل شيء يتعلق بالفيلم، من اختيار المخرج، الى تغيير السيناريو، الى الممثلين والطاقم التقني، فهي التي «تصنع» الفيلم بالدرجة الأولى، لا المخرج.
12- خذ مثلاً كل الدول التي نعتبرها «متحضّرة» مثل فرنسا وبريطانيا: فلقد بدأ تاريخها بعد حروب دامية مديدة وحّد فيها طرف كل البلاد، على حساب أطراف أخرى (كاثوليك وبروتستانت مثلاً، إلخ). أما حضاراتنا ومجتمعاتنا، فلقد تميزت منذ القدم وحتى اليوم بنسيج متنوّع كثيف، لم يستطع طرف واحد أن يصهره في وحدة متجانسة، وإن كان الاسلام هو أكثر من صهر هذه المجتمعات منذ الفتوحات، فإنه لم يلغ التنوّع الكبير الموجود في أقطارنا. لكننا نشهد منذ عقود إضعافاً حقيقياً لهذا التنوّع، ساهمت فيه «اسرائيل» (الطامحة لدولة يهودية صرف) بشكل مباشر، مع كل من لفّ لفّها وخدم مشروعها، مثل داعش مؤخراً.

*****

الفن.. بوابة “إسرائيل” الخلفية للتطبيع الشعبي”

خالد عبدالمنعم

موقع “البديل”

عن موقع “قدس نيوز” – 15/09/2017

لا يغفل الكيان الصهيوني عن أي وسيلة يستطيع من خلالها اختراق عقلية المواطن العربي؛ للتأثير على قناعته السياسية وعقائده الدينية تجاه عدائه مع “إسرائيل”. في المراحل السابقة كانت “إسرائيل” تتخذ من الحروب وسيلة قسرية لفرض هيمنتها على العرب والمسلمين، فخاضت الكثير من الحروب في فلسطين ومع مصر وسوريا ولبنان، ولكن يبدو أن كلفة هذه الحروب مرتفعة، وتترك ندوبًا في الشخصية العربية معادية لـ”إسرائيل” لا يمكن محوها بسهولة.
في الآونة الأخيرة ومنذ ست سنوات، أي مع بداية ما يسمى بالربيع العربي، اعتمدت “إسرائيل” على تغذية حروب الوكالة في المنطقة، حيث كانت تدعم طرفًا من أطراف الأزمة السورية كالمعارضة ضد الطرف الحكومي، والهدف بالطبع إنهاك سوريا ككل واستنفاد قوى مقاومة كحزب الله في الحرب السورية، وعلى المستوى الإقليمي تعمل “إسرائيل” حاليًّا لتشكيل قوى عربية؛ “سنية” لتحارب عنها بالوكالة إيران.
ويبدو أن مسارات القوة الخشنة لم تأتِ كما تشتهي السفن “الإسرائيلية”، فالحروب عرضتها لانتكاسات كبيرة في الآونة الأخيرة كحرب غزة وحرب لبنان 2006، والحكومة السورية وحلفاؤها قلبوا الموازين لصالحهم في سوريا، والأزمة الخليجية أخذت تفتت أركان الناتو الإسلامي الذي كانت تعد له لقتال طهران.
وهنا نجد أن “إسرائيل” لم تهمل خيار القوة الناعمة، وهو مفهوم صاغه جوزيف ناي من جامعة هارفارد، لوصف القدرة على الجذب والضم دون الإكراه أو استخدام القوة كوسيلة للإقناع. ويبدو أن بوابة الفن هي أحدى المنافذ المهمة لهذا الغزو الناعم، فالمغرب أكدت استقدام مجندة سابقة في جيش الاحتلال “الإسرائيلي” للمشاركة في مهرجان «طنجة جاز» الذي بدأ تنظيمه في مدينة طنجة (يوم الخميس 14/09/2017) بعد أن أكدت إدارة المهرجان على موقعها الرسمي إحياء الفنانة المشار إليها حفلاً الجمعة 15/09/2017.
وحسب برنامج المهرجان المنشور على الموقع الرسمي لمهرجان «طنجة جاز» فإن الموسيقية “الإسرائيلية”، نوعام فازانا، ستحيي حفلها الفني ليلة الجمعة بقصر المؤتمرات «قصر مولاي حفيظ» رغم الرفض الذي عبر عنه العديد من الرموز الإعلامية والحقوقية في المدينة.
وقالت الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني بطنجة في بلاغ “إنها تدين بشدة هذه المحاولة التطبيعية التي اعتبرتها مكشوفة، وطالبت منظمي المهرجان بالتراجع فورًا عن هذه الدعوة المشبوهة”، وأكدت الجمعية أن هذه الخطوة التطبيعية المجانية سلوك خطير يستهين بمشاعر القوى الحية للشعب المغربي، ويلقي بالمسؤولية الجسيمة على عاتق السلطات التي تسمح بهذه الممارسة.
المفارقة هنا أن المغنية “الإسرائيلية” كانت تخدم في سلاح الجو “الإسرائيلي” الذي طالما قتل الأطفال، وشرد آلاف الفلسطينيين، وانتهك العديد من الأجواء العربية كسوريا ومصر، لدرجة أن لبنان قبل أيام تقدمت بشكوى إلى مجلس الأمن ضد “إسرائيل” بسبب خرق طيرانها مجال لبنان الجوي.
وعلى صعيد الساحة اللبنانية نجد أن لـ”إسرائيل” محاولاتها في اختراق الساحة الفنية أيضًا، فقبل أيام أخلي سبيل المخرج اللبناني، زياد دويري، بعد أن صادرت السلطات اللبنانية جواز سفره الفرنسي واللبناني فور وصوله إلى مطار بيروت الأحد 10 أيلول/سبتمبر 2017، وأحالته إلى القضاء العسكري، وواجه دويري تهمة “التطبيع مع إسرائيل” على خلفية زيارته لتل أبيب بين عامي 2011 و2012 والإقامة فيها 11 شهرًا؛ لتصوير فيلمه “الصدمة”، والذي مُنع عرضه في لبنان وبعض الدول العربية.
النشاط “الإسرائيلي” في مجال الفن أخذت وتيرته تتصاعد خلال هذا العام، ففي الشهر الماضي (آب/أغسطس 2017) أعلن عدد من الفنانين العرب عن انسحابهم من مهرجان “بوب كولتور”، الذي أقيم في العاصمة الألمانية، برلين، من 23 إلى 25 أغسطس (آب)، بسبب رعاية سفارة الاحتلال “الإسرائيلي” له، ومن بين الفرق المنسحبة الفرقة الموسيقية المصرية “إسلام شيبسي”، كما نشرت فرقة “مزاج” السورية بيانًا، أعلنت فيه عن مقاطعتها للمهرجان، وأكدت أن “المشاركة اعتراف، ونحن لن نعترف” في إشارة إلى مساهمة السفارة “الإسرائيلية”، مع العلم أن “إسرائيل” كانت تخفي هويتها كمنظمة لهذا المهرجان، وعندما كشفت عن رعايتها له انسحبت فرق عربية كثيرة، الأمر الذي أفشل سياسة الأمر الواقع التي أرادت فرضها.
محاولات “إسرائيل” في هذا المجال لم تقتصر على اختراقها للدول العربية التي ترتبط بها باتفاقيات “سلام” أو غير ذلك، بل إن هذه الاختراقات طالت أيضًا العمق الفلسطيني، حيث نحجت تل أبيب في شهر إبريل (نيسان) الماضي في استقطاب مغنية فلسطينية مسلمة للغناء في احتفالية “إسرائيلية” بيوم (اغتصاب فلسطين) المعروف لديهم باسم “يوم الاستقلال”، وهو اليوم الذي شهد نهاية الانتداب البريطاني على فلسطين، وهو نفس اليوم الذي يسميه الفلسطينيون بـ”يوم النكبة”، والذي شهد تواجد العدو “الإسرائيلي” داخل الأراضي الفلسطينية، وتقام هذه الاحتفالات في القدس المحتلة…
وفي هذا اليوم من كل عام يقوم أحد مطربي “إسرائيل” بإحياء هذا الحفل الغنائي، ولكن هذا العام وللمرة الأولى في تاريخ “إسرائيل” تتغير مفاهيم إحياء هذا الحفل، حيث قامت المطربة الفلسطينية “نسرين قادري” بإحياء الحفل والغناء أمام الجمهور “الإسرائيلي”، وكانت قادري قد فازت بأكبر مسابقة لاختيار الأصوات الشابة الجديدة في عالم الغناء الشعبي بـ(الكيان)، وهي “إيال جولان يناديك”، كما أنها عبرت عن فخرها بأن تكون أول متسابقة فلسطينية تفوز بهذا اللقب، بعدما غنت أغنية باللغة العبرية كُتبت في ذكرى الجنود “الإسرائيليين” القتلى.
ويرى مراقبون أن على الشعوب العربية الانتباه لمحاولات الاختراق الصهيونية للعقلية العربية، خاصة أن الأفكار الغربية أصبحت تدس كالسم في العسل في معظم الأعمال الفنية العربية دون رقيب فني أو حتى ديني، وهو الأمر الذي قد يمهد للانفتاح على “إسرائيل” ولكن بصورة تدريجية.

***** 

زياد دويري … الاستشراق قبل التطبيع

أحمد دردير

كاتب وباحث مصري مرشح لنيل درجة الدكتوراه في «جامعة كولومبيا»
لم تكن العجرفة التي أطل بها زياد دويري في مؤتمره الصحافي بمعزل عن مشروعه السياسي وعن تطبيعه مع إسرائيل، فدويري ينظر إلى العربي من منظور الرجل الأبيض، ويحتقر العربي كما يحتقره الرجل الأبيض.
يقول فرانتز فانون (المفكر الكاريبي المارتنيكي الذي فتح مجال دراسات الاستعمار، وأصبح عضواً في المقاومة الجزائرية حين وجد العربي الثائر أقرب إليه من الفرنسي المستعمِر) بأن المثقف المارتنيكي حين يذهب للدراسة في فرنسا يعود وفي عينيه نظرة استعلاء على بني قومه بعدما تعلم أن يراهم من منظار مستعمرهم الفرنسي الأبيض، فلا غرو إذن أن يلقي دويري المتماهي مع الرجل الأبيض الدروس المتعالية على شعبه أو أن يزجر أمه. والمفارقة أنه نسب إلى أمه هذه مراراً أنها أرضعته حليب فلسطين بعدما زجرها أمام الجمهور، فكأنه يوضح من دون أن يدري أنّ احتقاره لأمه هو احتقار لعروبته التي تمثلها أمه، ولقضاياها التي أرضعته أمه إياها. بل إن عجرفة دويري وتعاليه وقلة أدبه مع أمه ومع جمهوره تشي بكره للذات، فدويري الأبيض الذي ولد فنياً وثقافياً في أميركا يزدري زياد العربي الذي ولدته أمه التي زجرها، وقد ينتمي رغماً عنه لشعبه الذي تعالى عليه.
بدا تماهي زياد دويري مع الرجل الأبيض وازدراؤه للعرب مبكراً في مسيرته الفنية، وتحديداً في عام 2004 حين أخرج فيلمه الفرنسي «ليلا قالت كذا» (Lila dit ça ) والمأخوذ عن رواية فرنسية مجهولة المؤلف تحمل العنوان ذاته. ولا ندري إن كان صاحب الرواية فرنسياً عنصرياً ضد العرب أم عربياً كارهاً لقومه مثل دويري.
ليلا الشقراء التي لها أن تقول بحسب عنوان الفيلم هي فتاة فرنسية تصل إلى ضاحية عربية في مارسيليا، فيقع المراهق العربي شيمو في غرامها ويقع معه صديقه العربي مولود. فمَن مِن العرب يقاوم سحر الفتاة البيضاء التي أتت بالأنوار الفرنسية إلى حارة العرب؟ يعلمنا فرانتز فانون كيف يملي الاستعمار على الرجل المستعمَر أن يرغب في المرأة البيضاء وأن يطمح إليها وإلى نيل رضاها، فإن رضيت به فكأنها تمنحه البياض وحضارته، أو كأنها تعترف به إنساناً، فيصبح مثله مثل الرجل الأبيض. وكما المارتينيكي المستعمَر في تحليل فانون، تطلَّع شيمو ومولود (ومن ورائهما دويري وكاتب الرواية المجهول) إلى جسد ليلا وحضارتها الأبيضين. ولولا أن الفيلم أظهر العربي في مواجهة الفتاة الفرنسية مكبوتاً ومريضاً وعنيفاً، لهنأناه على إظهاره للعقدة الاستعمارية التي تدفع المستعمَر إلى أن يرغب في مستعمرِه (أو مستعمِرَته).
لا تلبث ليلا أن تحاول إغواء الفتى العربي المكبوت بسرد حكايات جنسية فاحشة عن ماضيها، وطوال الفيلم يتردد شيمو في تلبية غواية الفتاة. من البداية، نجد المفارقة النمطية بين العربي المحافظ إلى حد التعقيد والجهل والعجز النفسي، والفرنسية المتحررة، وهي صورة اجترها العنصريون البيض ومن لف لفهم من المثقفين العرب حتى احترنا كيف تكاثر العرب قبل الاستعمار. أما ليلا، فهي لا تثير فقط خيالات المراهق العربي الجنسية ولكنها تدفعه أيضاً لأن يكتب (أي إنها كما الفتاة البيضاء في تحليل فانون، لا تغوي المستعمَر فقط بل تُؤنسنه). وعلى عكس الفرنسية التي تدفع شيمو للكتابة، نرى رفاقه العرب طوال الفيلم وهم يثبطونه ويسخرون منه إن كتب، فالغرب ممثلاً في ليلا هو مصدر الإلهام، هو التحرر الجنسي والفكري، بينما العروبة هي موطن الكبت والعُقَد (وللأمانة لا يحصر الفيلم المحافظة والعقد الأخلاقية في العربي، فعقد العربي توازيها عقد خالة ليلا الكاثوليكية، على طريقة العنصريين الفرنسيين ممن تستروا بأثواب اليسار والذين يوجهون نقداً وسخرية طفيفين إلى بعض الجماعات الفرنسية وبالذات التي تشكل هدفاً سهلاً للمزاج العلماني الفرنسي ثم يصبون جام عنصريتهم على العرب وما شارلي إبدو منا ببعيد). إلا أنّ عقد العربي وكبته يتعديان المحافظة إلى العنف والجرم، ففي نهاية الفيلم يقتحم أصدقاء شيمو بيت ليلا ويغتصبونها. العربي في هذا الفيلم يعجز عن التعبير عن رغباته سلماً كما هو الحال مع شيمو، وإن عبر عنها، عبر عنها عنفاً وغصباً كما هو الحال مع أصدقاء شيمو. وفي هذا لا يخرج دويري ولا مؤلف الرواية المجهول عن جوقة العنصريين البيض الذين لا يرون في الهجرة العربية سوى محاولة لاغتصاب نساء أوروبا (وقد تذرع الغرب لرفض احتواء المستعمَرين بحجة أن رجالهم سيغتصبون بناته من أول ميراندا ابنة بروسبيرو في مسرحية «العاصفة» لشكسبير إلى فتيات كولونيا اللواتي تعرضن للاغتصاب العربي عشية عام 2016 بحسب اختلاقات العنصريين الألمان).
إلا أن المفارقة، أو «الصدمة» في نهاية الفيلم، هي اكتشاف أبطال الفيلم أن ليلا كانت طوال هذا الوقت عذراء. كأنما احتاج كاتب الرواية وصانع الفيلم إلى عذرية الفتاة ليجعلا من الاغتصاب جريمة أو كأن جريمة الاغتصاب أقل وقعاً إن لم تكن المغتصبة عذراء. يفوت زياد أنّه بذلك يقدم للاغتصاب عذراً لا انتقاداً، إلا أنّ ذلك يبدو أمراً هامشياً عند زياد، فالمهم أن العربي لم يفهم، العربي يسقط تحيزاته وأحكامه الأخلاقية المسبقة وعنفه الجنسي على جسد المرأة البيضاء، وعذرية الفتاة إذن مهمة لأنها توضح كم هذا العربي جاهل ومحمل بالأحكام الأخلاقية المسبقة.
ربما أراد دويري، بعدما صور العربي مُزدرى، أن يصور نفسه وهو يزدري العربي عَلَّ الرجل الأبيض يقبله، فساقه القدر ــــ أو بالأحرى ساقه منتج أميركي بحسب ما قاله دويري لجريدة «لو فيغارو» – إلى رواية كتبها جزائري فرانكوفوني عن فلسطيني متماه مع المجتمع الإسرائيلي يدعى أمين يعمل جراحاً في مستشفى إسرائيلي ويتقبله المجتمع الإسرائيلي ويمنحه الجوائز. ثم يكتشف فجأة أن زوجته سهام الفلسطينية قامت بعملية استشهادية، فيمضي بقية الرواية في محاولة استكشاف «كيف تمكنوا من غسل مخها لتفعل ما فعلت» (وفي النهاية، بحسب تعليق زياد دويري لموقع «تايمز أوف إسرايل»: «يفهم لماذا فعلت ما فعلت دون أن يوافقها عليه» وهو موقف متعال خليق بالليبراليين البيض).
لم يخف دويري أن فيلمه كان يرمي للحصول على إعجاب الرجل الأبيض، فيصف الفيلم في المقابلة الإسرائيلية ذاتها بـ «فرصة لنظهر أننا لا نصدر الحمص والفلافل فقط» (وهي نفس المقابلة التي صرح فيها بأنه كان يمقت إسرائيل من قبل ولكنه تغير بفضل تجربة تصوير الفيلم فيها). وقد وجد في هذا الفيلم فرصة ليقدم نفسه منفصلاً عن بني قومه، مُديناً لهم ولتعصبهم، متفتحاً ومتحضراً مثل الرجل الأبيض، فيقول لجريدة «لو فيغارو»: «لقد اكتفيت من ذلك الإرهاب الفكري الذي يريد أن يفرض عليّ أن أصور الإسرائيليين على أنهم دارث فيدر والفلسطينيين كما لو كانوا دببة كارتونية أليفة. ليس هنالك شرير في ناحية وضحية في الناحية الأخرى» ثم يشيد بالإسرائيليين ويتمنى أن يحذو العرب حذوهم: «يحتاج العالم العربي إلى نقد ذاته [وقد احتفى كاتب «لو فيغارو» بهذه الجملة وجعلها عنواناً للمقال]. أما النقد الأشرس للسياسة الإسرائيلية فنسمعه من إسرائيل ذاتها». ثم بعد الإدانة، ينظر نظرة تقزز لقومه من على منصة «لو فيغارو» البيضاء، فيقول بعد أن يعدد الجوائز الدولية التي حصل عليها فيلمه «وكيف رد العرب؟ بمقاطعتي!»
ضالة زياد دويري إذن أن يعزل نفسه عن العرب، يتحدث عنهم بضمير الغائب كما لو لم يكن واحداً منهم، وكلما ابتعد عنهم كلما تماهى أكثر مع الرجل الأبيض، وقد وجد ضالته تلك في «الصدمة». طوال الفيلم، نرى معاناة الإسرائيليين رأي العين (فنرى مثلاً صور القتلى والجرحى الإسرائيليين ونرى ضحكة الطفلة الإسرائيلية قبل أن تنسفها الإرهابية الفلسطينية). أما مأساة الفلسطينيين، فلا نراها (باستثناء مشهد وحيد يتعامل فيه جندي إسرائيلي مع المواطنين بشيء من الخشونة على حاجز عسكري) إلا من خلال خطب رنانة وتعميمات فارغة يسمعها من الفلسطينيين في نابلس – أولها خطبة مسجلة لأحد الشيوخ الإسلاميين (تثير امتعاض بطلنا العلماني المتحضر، طبعاً) عن عدم أحقية غير المسلمين في حجر واحد من المسجد الأقصى كأن الأمر نزاع طائفي على حجارة مسجد. وحتى مجزرة جنين لا يقدمها إلا من خلال تعميمات لا تحصي حتى عدد القتلى (بينما يصر على تذكيرنا مراراً بعدد القتلى والجرحى الإسرائيليين وتلك حيلة استعمارية قديمة تجعل من البيض أناساً نتعاطف معهم ونحزن عليهم، أما غيرهم فتحولهم إلى كتل بشرية لا عد لها ولا تعاطف معها ولا حزن عليها). وطوال الفيلم، نرى حاجزاً ما في تعامل أمين مع العرب الآخرين، ينظر إليهم من علو بتعاطف أو بازدراء، يخشاهم أو يخشونه، يعاملهم بفظاظة ويعاملونه بعنف (بل إن مواجهة بين أمين والفلسطينيين الذين يدينون تماهيه مع دولة الاحتلال تذكرنا بالضبط بمؤتمر زياد دويري الصحافي ويخاطب أمين فيها مواطنيه بنفس عجرفة زياد كأن الأخير تماهى مع بطل فيلمه في طريقه للتماهي مع الرجل الأبيض). ويبدون أمامه دائماً كلغز مستغلق يحاول أن يفهمه وهو أمر متناقض إلى حد الإضحاك، فالمفترض أن أمين فلسطيني من نابلس، فلماذا يحتاج لأن يحاول أن يفهم أهل نابلس؟
وتلك هي النكتة الأكثر عبثية في الفيلم: أن أمين الذي يحمل جواز سفر إسرائيلياً ليس ممن يعرفون بفلسطينيي الـ 48 الذين فشلت إسرائيل في ترحيلهم، فمنحتهم جنسيتها اضطراراً ورفعاً للعتب، وإنما فلسطيني من الضفة ولد وعاش في نابلس قبل أن ينتقل إلى «إسرائيل» ويحصل على جواز سفرها كأن إسرائيل تمنح جواز سفرها هكذا للفلسطينيين. يريد دويري ومن ورائه كاتب الرواية أن يقنعانا أنّ أمين حصل على الجنسية الإسرائيلية نتيجة كفاءته كجراح (كأنه على الفلسطينيين أن يجتهدوا ويصبحوا مهنيين بارعين فتقبلهم إسرائيل القائمة على نظام الكفاءات لا على العنصرية، أو كأن الرازحين تحت الاحتلال يدفعون ثمن كسلهم وهي أكذوبة استعمارية قديمة – أو كأن الفلسطينيين لا يذهبون للعمل في تل أبيب والإقامة فيها وأخذ جنسيتها لحساسية في أنفسهم تجاه إسرائيل وليس لأن إسرائيل لديها ترسانة من القوانين والممارسات التي تمنع ذلك التنقل والاختلاط).
وفي مشهد من أكثر مشاهد الفيلم عبثية تمن صديقة إسرائيلية على أمين بأنهم أعطوه جنسيتهم، فيقول أعطيتموني إياها لأني أستحقها. تلك أماني وهلاوس زياد دويري (ومن ورائه كاتب الرواية وكل المتماهين مع الرجل الأبيض وعملاء الاستعمار)، أن يجتهدوا ويتماهوا فيقبل الرجل الأبيض بهم.
ينسى دويري أن إسرائيل لا تمنح جنسيتها للفلسطينيين هكذا ولا تقبل من الوافدين إلا من كان يهودياً (وحتى هؤلاء يلقون مشكلة في التماهي إن لم يكونوا أشكيناز)، وينسى أن الرجل الأسود (ومثله العربي) كما يعلمنا فانون، يظل آخراً بالنسبة للأبيض مهما اجتهد أو تماهى (وربما كان الغضب والعجرفة في نبرة زياد في مؤتمره الصحافي ردة فعل غير واعية على أزمة عدم قبوله كأبيض بالرغم مما قدم)، وينسى أننا نحن العرب على هزائمنا وخيباتنا، ما زال فينا نفس يأبى أن ينزجر إذا زجره الرجل الأبيض (سافراً أو متخفياً وراء المتماهين العرب)، ويأبى أن يعترف بإسرائيل.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.