بيروت اليسار والقومي والجهادي…تحتفي بنسل إميل حبيبي! د. عادل سمارة

إنه  عبد الرحمن بن خلدون اول وافضل من وصف تقليد المغلوب للغالب، وتبعه فرانز فانون وإلى حد ما إميلكار كابرال. نعم إنه عشق المغلوب للغالب إلى حد يمكن وصفه بالاشتهاء الجنسي السالب من جانب المغلوب.

هذا ما يمكن قوله في احتضان بيروت في ما أُسمي “أيام فلسطينية”!!! للسينمائي محمد بكري الذي لا يخفي هو ولا اعماله مع السينما الصهيونية كونه في معسكر التطبيع مع الكيان الصهيوني  وكونه عضو في الحزب الشيوعي الإسرائيلي الرسمي وفي كتلته في الكنيست “الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة” مساواة بين مَن ومن؟.

ليست المشكلة في شخص أو هذا الشخص، ولا في معلمه ، معلم جميع المطبعين أقصد إميل حبيبي كما وصفه،وفاء له ولنهجه، محمود درويش، ورد عليهما المرتحل أحمد حسين، بل المشكلة في تحويل الماركسية إلى إيديولوجيا مفروشة لراحة الصهيونية.

ما الفارق بين تطبيع القوميين وتطبيع مؤدلجي الماركسية:

اليوم ذكرى ولادة الكاتب محمد حسنين هيكل، الصحفي والمفكر ذي التوجه القومي الناصري خاصة. وهيكل مثل كثير من العروبيين راوح بين الاعتقاد بالسلام مع الكيان وبين دور في عهد الرئيس الراحل عبد الناصر، وأخطأ في بداية علاقته بالسادات. للرجل ما له وما عليه، وهو لا شك علم من أعلام الصحافة العربية إن لم يكن علمها، لكنه في النهاية لم ير الكيان الصهيوني إلا كعدو وبأن فلسطين وطن عرب فلسطين بلا مواربة وبأن التكتيك يدفع بعض الأنظمة لعقد هدنة معه ولو إلى حين. أي أنه لا يؤمن باعتراف بالكيان ولا بحقه في فلسطين.

دعونا نقول أن هذا  هو الموقف القومي الرسمي الذي كان هيكل قريب منه بغض النظر عن ضعفه الكامن حتى في عقد الهدنات والتسويات. وهذا غير الموقف القومي الشعبي العربي الذي لا يرضى عن الهدنات والتسويات هذه، وإن كان في فترة الموات يرفضها بصمت كما هو اليوم! وهو صمت ناجم عن خذلان القوى السياسية له واستخذائها واستدخالها الهزيمة مما جعل الوطن العربي  “طبقات” بلا احزاب تمثلها، فكان أن مثلتها/اختطفتها قوى الدين السياسي.

بالمقابل، هناك موقف الحركة الشيوعية الرسمية وتوابعها من الأحزاب وخاصة العربية التي تعتبر وجود الكيان قفزة تاريخية إلى الاشتراكية. هذا الفريق من المتعاقدين باسم الشيوعية فلسطينيين وعرباً يصرون بفخر على الاعتراف بالكيان الصهيوني والشغل لصالحه مستغلين أية بارقة وقت! كان ذلك حينما كانت الكتلة السوفييتية تستقبل الحركات الشيوعية في احتفاءات مظهرية، (على نفقة عرق العمال السوفييت   الذين كفروا بها لاحقا)  لتلقينهم سياساتها وليس ليفهموا الماركسية-اللينينية، وهناك كان ممثلو الحزب الشيوعي الإسرائيلي يلتقون الشيوعيين العرب كرفاق حيث يشرحون لهم كم هو الكيان ديمقراطي حضاري عبقري وناعم وجميل كفروة الفرج !

واستمر هذا وانسحب على احتضان العرب لأعضاء الكنيست إلى حد أصبح عزمي بشارة وهو من مواليد الحزب الشيوعي الإسرائيلي إيقونة يسعون ورائها من “الصفا” في دمشق إلى “المروة” في الضاحية الجنوبية لبيروت.

ودون إطالة، قد نفهم ان هذا او ذاك لم يفهم الكيان الصهيوني في العقد الأول والثاني والرابع للنكبة، ولكن ألم يفهموه حتى العقد السابع؟

ينطبق هذا السؤال على اللبنانيين الذين يحتفون بالمذكور محمد بكري؟ ما الرسائل وراء هذا؟

هل إحداها مجاملة للكتائب وجعجع، باننا “يا شركائنا في لبنان” لسنا مقاومين إلى النهاية؟

هل إحداها ان ممولي المنابر التي تحتفي بالمطبع أعلاه هم مقاومة ولكن خارج حدود فلسطين المحتلة رغم الضجيج السياسي والديني والعلماني؟

هل إحداها أن نسل إميل حبيبي يتوالد (إيديولوجيا) لا شيوعياً، وهو الذي حمل منحة رابين “جائزة  دولة إسرائيل” تقديرا لإخلاصه، وهو الذي كتب عن البيان رقم 38 للانتفاضة الأولى بأنه بقدر (نمرة حذائي).

ربما كان الشهيد ناهض حتر على حق حينما هجر المنبر الذي يحتفي بمحمد بكري، وربما لم يقل كل ما كان يجب ان يقوله!

نعم “رًب ضارة نافعة” فإصرار هذا المعسكر الذي ينتمي للمقاومة كما يزعم، على الاحتفاء بالسينمائي المطبع هو ذو فائدة حقيقية، لأنه يكشف فريقا مستوراً مهما علا خطابه ومهما كتب عن المقاومة ولصالح سوريا، فهو فريق يعرف تماما الحدود المرسومة ، اي لصالح سوريا نعم، ولكن “إسرائيل” …إياكم!!

لقد أخرجت هزيمة 1967 انظمة  عديدة من الصراع، ولحقتها أحزاب كثيرة، ومؤسسات إعلامية  ومثقفين وخاصة الطابور السادس الثقافي من قوميين وشيوعيين ولبراليين طبعاً وما بعد حداثيين بتنوعاتهم وما بعد النسويات والأنجزة بالطبع. هذا ما حاولت شرحه في كتابي “التطبيع يسري في دمك”

ولذا، تدور المعركة اليوم على ابواب الطبقات الشعبية الحاضنة الطبيعية للوطن والذاكرة، وهي التي منها فقط ينبت التياران من القوميين والشيوعيين الذين يفهمون الوطن كانتماء والفكر كنظرية ثورية وليس كإيديولوجيا جرى تلقينهم بها.

وبقول محدد، فإن التيار الوحيد الذي يمكن أن يقف في وجه الثورة المضادة دوماً هو التيار العروبي الشيوعي، اي وبوضوح الذي يؤمن بالقومية العربية للطبقات الشعبية وبأن مصلحة هذه الطبقات في الوحدة والاشتراكية.

لقد ثبت أن معظم القوى القومية في القرن العشرين كانت قُطرية إقليمية، والقوى الشيوعية كانت قشرة إيديولوجية.

فلا الأولى صمدت وانتصرت ولا الثانية تخلصت من الفهم القشوري للشيوعية أي عقدة اعتبار القومية العربية شوفينية وخاصة ما تثرثر به التروتسكية التي تزعم ان كل قومية هي شوفينية، ولكنها اي التروتسكية تعتبر يهودا من مئة دولة/أمة “أمة وقومية” ، فكان قبول هؤلاء جميعاً للصهيونية متعة وضيعة.

ولنا ان نعترف بأن داهية الوهابية وقوى الدين السياسي قد غطت على تطبيع إيدولوجيي الماركسية وقوميي الأنظمة، فبانوا  لامعين كما هي خضراء الدمن. بلى، فإن موات الشارع قد افسح للمطبعين فرصة تقديم خدمات للكيان الصهيوني يصعب مسحها.

لا أجد حدا أدنى من التردد في أن اقول بأن معسكر المقاومة مليىء بالقيوح والتقرحات، ولم يبرأ بعد.

ولكن كما قالت عرب اليمن: “لا بد من صنعا وإن طال السفر”.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.