ألمانيا: انتخابات تشريعية 24 أيلول 2017 ، الطاهر المعز

تحتوي السجلاّت على 61,5 مليون ناخب لاختيار 598 نائب، نصفهم (299) في دورة واحدة على أساس قائمات إسمية وعلى صعيد وطني، والنصف الآخر بنظام النسبية على صعيد كل ولاية، حيث يمزج القانون الإنتخابي بين نظامي الأغلبية المطلقة والنسبية، ولا توجد أحزاب يسار في ألمانيا منذ مجازر 1919 ضد الحزب الشيوعي، ومنذ اعتقال وقتل وزج الشيوعيين في المعتقلات خلال مرحلة حكم النازية (1933 – 1945) ولم تتغير القوانين كثيرًا بعد هزيمة ألمانيا، حيث بقيت ألمانيا الغربية تحت الوصاية الأمريكية التي منعت تأسيس حزب شيوعي وتمنع القوانين من يُشْتَبَهُ في “شيوعيتهم” (بدون تقديم حُجّة على ذلك) من العمل في القطاع العمومي، فيما تعمل النقابات بدون أي استقلالية عن أرباب العمل، ويدّعي “دي لينك” (حوالي 10% من أصوات الناخبين) أنه حزب يساري، لكن مؤسسه كان من أكبر المدافعين عن الليبرالية الإقتصادية في حكومات “غرهارد شرودر” (الحزب الإشتراكي الديمقراطي) وادعى أنه تَغَيّر!… يحكم اليمين (بالمقاييس الألمانية) البلاد بدون انقطاع منذ 2005 وغاب موضوع الإقتصاد من الحملة الإنتخابية لهذه السنة، رغم نشر مزيد من التقارير عن الفقراء المُسِنِّين من أصحاب المعاشات التقاعدية الضعيفة، والوظائف الهَشّة والعمال غير المستقرين، وصعوبات الإسكان أو ارتفاع الفجوة بين الطبقات والتفاوت في الدخل وعدم المساواة، وغير ذلك من السّلبيات، رغم بيانات الإقتصاد الشمولي (ماكرو إيكونومي) التي تُظْهِرُ فائضًا في الميزانية الإتحادية منذ 2014 وبلغ فائض الميزان التجاري 252 مليار يورو سنة 2016 (ما أغضب “دونالد ترامب”) وارتفاع الصادرات إلى مستويات قياسية، وارتفاع نسبة النمو وارتفاع الإستهلاك بفضل ارتفاع دخل شرائح عليا من الأجراء وذوي الأعمال “الحُرّة”… استفادت ألمانيا من انهيار جدار برلين وانهيار الإتحاد السوفييتي السابق، لتنهب ألمانيا الشرقية وتُشَغِّل عُمّالها وعمال أوروبا الوسطى والشرقية بأجور منخفضة (مُعدل 450 يورو شهريا سنة 2017) فاستفادت الصناعة الألمانية من الخدمات والعمالة الرخيصة في غياب النقابات والأحزاب الشيوعية التي وَقَعَ حلها ومنع إعادة تأسيسها في أوروبا الشرقية، ما جعل تكاليف الإنتاج تنخفض إلى مستوى غير مسبوق، وساهم الحزب الإشتراكي الديمقراطي الألماني في تقويض قوانين العمل ومكتسبات العمال والأجراء، واستهداف العمل النقابي، ما زاد من هشاشة العمال، حيث أصبحت 50% من الوظائف الجديدة بعقود غير ثابتة (مُؤَقّتة) فارتفع عدد الأجراء غير المُثَبَّتِين وبأجور ضعيفة للغاية والعُمّال الفُقَراء، وتضاعفت نسبة خطر التحاق العمال (ذوي الأجور المنخفضة) بصفوف الفقراء من 10% سنة 2000 إلى نسبة 16,7% سنة 2016…

انخفض سعر اليورو في أسواق المعاملات وتذبذبت أسعار أسهم الشركات والمصارف في الأسواق المالية الأوروبية غداة الإنتخابات، التي أظهرت تراجعا جديدًا لليمين التقليدي (الديمقراطية المسيحية- حزب المستشارة انغيلا ميركل) الذي يقود ائتلافات حكومية اتحادية منذ 2005، مع ارتفاع الدعم لليمين المتطرف (النّازِي)، حيث انخفضت نسبة الأصوات التي حصل عليها تَكَتُّل ليمين التقليدي الفائز بهذه الإنتخابات من 41,5% سنة 2013 إلى 33% سنة 2017، وهي أدنى نسبة من أصوات الناخبين يحصل عليها التكتل المحافظ منذ 1949 (تاريخ تأسيس ألمانيا الغربية) فيما دخل حزب اليمين المتطرف (البديل) البرلمان ال (تاريخ تأسيس ألمانيا الغربية) فيما حصل حزب اليمين المتطرف (البديل) على 12,6% وانتخاب نواب له في البرلمان الإتحادي لأول مرة منذ أكثر من خمسة عقود… يضُمّ ائتلاف اليمين التقليدي “الحزب الديمقراطي الحر” الحائز على 10,7% من الأصوات (رجال أعمال) وحزب الخضر ب8,9% من الاصوات (يتحالف مع من يضمن له مقاعد في البرلمان)، فيما أعلن الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الحليف الحالي) الذي حصل على 20,5% وهي أسوأ نتيجة له منذ تأسيس ألمانيا الغربية (1949) إنه سينضم للمعارضة… تختلف أحزاب الإئتلاف اليميني حول عدد من القضايا الهامة، ومنها الضرائب والبيئة والهجرة والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي…

أظهرت انتخابات يوم الأحد 24 أيلول 2017 تشابها في الخارطة السياسية في ألمانيا وفي بقية البلدان الأوروبية، من ذلك انهيار تيار “الإشتراكية الديمقراطية” أو أحزاب “الإشتراكية الدولية” (الأممية الثانية) ومنها أحزاب اندثرت أو هي في طريق الإندثار في اليونان وإيطاليا وفرنسا أو انخفضت شعبيتها إلى حد كبير مثل ألمانيا وهولندا واسبانيا وبلدان أوروبا الشمالية…

تميزت الإنتخابات الألمانية بتَجَذُّر اليمين المتطرف (وريث النّازية) ب12,6% ليصبح ثالث قوة حزبية في ألمانيا، مع خسارة ما يُمْكِنُ أن يوصف “يسارًا” (مائعًا جدا وقريبا من اليمين “المعتدل”) والمُتألف من “دي لينك” و”الخضر” و”الإشتراكي الديمقراطي” لنسبة 4,1% من الأصوات مقارنة بانتخابات 2013 ليحصل ائتلاف هذه الأحزاب على 38,6% من إجمالي عدد الأصوات، وحصل الحزب الإشتراكي الديمقراطي على 20,6% من الأصوات وهي أسوإ نسبة له منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وتأسيس ألمانيا الغربية كقاعدة متقدمة لأمريكا والحلف الأطلسي على حدود ما كان يُسمى “حلف وارسو” أو “الكُتْلَة الإشتراكية”، كما تميزت هذه الإنتخابات بانخفاض عدد أصوات “دي لينك” (ائتلاف بين يسار الحزب الإشتراكي الديمقراطي وبعض العناصر التروتسكية أو النقابيين والجمعيات الأهلية…) في الولايات التي حكمها بالإشتراك مع الحزب الديمقراطي الإشتراكي، وارتفاعها في ولايات أخرى غرب البلاد، أما الإئتلاف الحاكم ومحوره حزب الديمقراطية المسيحية (حزب المستشارة ميركل) فقد خسر مع حلفائه 8,6% من الأصوات، ما يجعل اليمين المتطرف أكبر مستفيد من هذه الإنتخابات، وعلّل الكثير من المُعلقين خسارة الإئتلاف الحاكم وصعود اليمين المتطرف بمسألة استقبال اللاجئين، وكنا قد أوضحنا في أعداد سابقة من نشرة الإقتصاد السياسي ان استقبال اللاجئين لا يخدم سوى مصلحة أرباب العمل والإقتصاد الرأسمالي في ألمانيا التي تحتاج عُمّالاً مَهرة من الشّبّان المتعلمين والمُؤَهّلين بفضل إنفاق الدولة والشعب في سوريا وأفغانستان والعراق وغيرها على تعليمهم ورعايتهم…

تكمن أهمية ألمانيا في مكانتها كأقوى اقتصاد أوروبي وأحد أقوى اقتصادات العالم، وتتحكم إلى حد بعيد في القرار الأوروبي، وتعتبر أراضي البلاد قاعدة عسكرية متقدمة للإمبريالية الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهي أكبر مُمَوِّلٍ وداعم للكيان الصهيوني (منحة مجانية بقيمة 3,1 مليار يورو سنويا) وتبيعه أسلحة جد متطورة بثلثي تكلفة إنتاجها، ليسدد دافع الضرائب (ألماني أو أجنبي) ثُلُثَ الثمن، إضافة إلى المَعُونة المالية وإلى “التعويضات” التي تسددها ألمانيا إلى الكيان الصهيوني عن ضحايا النّازية من المواطنين الألمانيين ذوي الديانة اليهودية… 

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.