لا بد من الاشتراكية ولو طال المسير!! نورالدين عواد، كوبا

ذات يوم من الايام، قال احد المثقفين المنشقين عن الاتحاد السوفييتي سابقا، عندما سئل عن سبب انشقاقه: “هنا جهنم؛ وعما هناك لا اريد ان اعرف شيئا”!! بالعربي الفصيح: الاشتراكية السوفييتية جهنم اما عن الراسمالية فانه لا يريد ان يعرف شيئا. ربما كان صاحبنا مستاء جدا لاسباب يعرفها هو فقط، ومع ذلك فان استياءه لم يجعله يفقد بصيرة العقل تماما، وتدارك وعيا ما لما تعنيه الراسمالية، لا سيما المتوحشة في الولايات المتحدة الامريكية، ورفضها اطلاقا.

الاشتراكية نقيض تاريخي للراسمالية وهي ليست وصفية سحرية ولا ربانية “كن فيكون”. تحتاج الى شروط وظروف ومناخات ذاتية وموضوعية لا بد منها لكي تولد وتتطور، في صيرورة مفتوحة على التاثير المتبادل بين الانسان الواعي البصير قولا وفعلا والتشكيلة الاجتماعية الاقتصادية الخاصة بالبناء الاشتراكي، اي بين الذات والموضوع فلسفيا.

انها عملية تاريخية صعبة وقاسية وتتطلب تضحيات جسيمة لا سيما فيما يخص نضال الفرد من اجل الجماعة والعكس.  وبين فترة واخرى اثناء البناء الاشتراكي، نجد انفسنا وقد “عدنا من الجهاد الاصغر الى الجهاد الاكبر”بكل ما تكتنفه هذه المقولة العبقرية من معاني وابعاد تسبر اعماق النفس البشرية للفرد والجماعة والدور التاريخي المناط بكل منهما.

قيل ويقال وسيقال الكثير مدحا وقدحا بالاشتراكية، وهذا مفهوم فالموقع والموقف الطبقي للناس هو الذي يحدد سلوكهم السياسي عموما، على الرغم من الانسلاخات الطبقية الاستثنائية فكرا وسلوكا في اتجاه واتجاه معاكس.

رفاقنا الكوبيون ليسوا نزقين ولا نرجسيين ويقولون مرارا وتكرارا. “لسنا جيدين كما يريد اصدقاؤنا ولسنا سيئين كما يريد اعداؤنا”.

الكارثة الطبيعية التي حلت بكوبا: اعصار ايرما، حلت ايضا بجزر الكاريبي الصغيرة الواقعة الى جنوب كوبا وبعضها مثل سان مارتين (مستعمرة فرنسية) دمرت تماما؛ وجزيرة باربودا لم يبق فيها شيئ؛ وبويرتوريكو (ولاية ملحقة بالولايات المتحدة الامريكية، وفيدراليا وماليا تابعة لامريكا وهي مسؤولة عنها) لحق بها دمار كبير شل الحياة فيها حتى الان، وجزيرة الدومينكان لحقت بها ايضا اضرار جسيمة، والى الشرق الشمالي من كوبا، جزر الباهاما تضررت ايضا، كما لحقت اضرار جسيمة بولاية فلوريدا الامريكية التي نزح عنها 5 ملايين شخصا، على اساس القاعدة الراسمالية “لينج كل بنفسه ان استطاع الى ذلك سبيلا”، ومن ينجو يتحمل مسؤولية حياته وخسائره.

من هرع لمساعدة واغاثة باربودا المنكوبة: فنزويلا اولا وكوبا ثانيا!! لماذا؟؟ من هرع لمساندة بويرتوريكو قبل امريكا التي يرفض ترامبها المسؤولية عن اغاثتها؟ فنزويلا وكوبا!! لماذا؟؟

ضرب زلزال هائل المكسيك قبل عشرة ايام، والحكومة المكسيكية تعادي الثورة البوليفرية في فنزويلا وتداهن كوبا!! من هرع في الصفوف الامامية؟؟: كوبا وفنزويلا تغيثان الشعب المكسيكي!! لماذا؟؟ وهناك امثلة كثيرة على هذا السلوك الذي ينم عن الحرص على الانسان قبل اي اعتبار، اي انطلاقا من الروح الاشتراكية لهاتين الحكومتين والثورتين.

من اطلع على التصريحات السخيفة للرئيس الامريكي بخصوص الاعصار والاضرار التي خلفها على البشر والممتلكات المادية في امريكا وبويرتوريكو قبل غيرهما، يدرك الفارق الجوهري النوعي بين النظامين: الامبريالي والاشتراكي، الا وهو نظام يقدس راس المال وارباحه مقابل نظام يقدس الانسان ويقدمه على ما سواه.

ما يلي معلومات عن الاعصار إيرما الذي ضرب كوبا وغيرها وعن سلوك الثورة والحكومة والشعب والمؤسسات. وهي مناسبة للتفكير والمقارنة والخروج بخلاصات محددة.

من الافضل توزيع الثروة والموارد القليلة بين الجميع على تركيزها ومركزتها بيد الاقلية على حساب حرمان الاكثرية والجميع.

*****

في الفترة الواقعة بين يومي 7 و10 ايلول سبتمبر الجاري، ضرب اعصار إيرما برياح عاتية الاراضي والسواحل الكوبية مخلفا اضرارا مادية جسيمة ووفاة عشرة مواطنين.

تتميز كوبا بوجود هيكلية وظيفية لمواجهة الاعاصير والكواث الطبيعية منذ انتصار الثورة واعلان طابعها الاشتراكي، من اجل الحفاظ على حياة الناس وممتلكاتهم قبل اي اعتبار آخر. وفي معظم الحالات لا تفقد البلد مواطنا واحدا الا ما ندر.

ولا زال 57 مجلس بلدي للدفاع المدني قائما على قدم وساق من اجل مواصلة اعمال التعافي من الكارثة الطبيعية. وتفيد المعطيات الاولية التي قدمها المكتب الوطني للاحصائيات والاعلام، والمعلومات التي قدمها قادة المناطق الاستراتيجية الثلاثة (الشرقية والوسطى والغربية) لرئيس مجلس الدفاع الوطني (رئيس الجمهورية) بانه:

 

تم اجلاء مليون و863 الف و589 شخصا من اجل حمايتهم من الاعصار إيرما، لا زال منهم 11 الف و 689 شخصا يتلقون دعم الدولة من الاغذية والضرورات الاساسية للحياة.

تضرر 158 الف و 554 منزلا: 14 الف و657 انهيارا كاملا؛  16 الف و 646 انهيارا جزئيا؛ 23 الف و560 منزلا فقدت سقوفها كاملة؛ و103 الاف و 691 منزلا لحقت بها اضرارا مختلفة في السقوف.

ما هو موقف الدولة الكوبية ازاء هذه المصيبة؟

قررت الحكومة ان تقوم ميزانية الدولة بتسديد 50% من سعر مواد البناء التي تباع للاشخاص المنكوبين بدمار منازلهم كليا او جزئيا.

كما قررت هذه الحكومة تسديد 50% من السعر الحالي للمبيعات من السلع الاستهلاكية الضرورة للسكان المتضررين، ومن بينها: فراش النوم ومواد النظافة والتنظيف واجهزة الطهي ونثريات البيوت. وفي الحالات الاكثر عوزا تحملت الدولة 100% من قيمة المبيعات. هذه هي الدولة والحكومة التي لا تروق للكثيرين.

في اعقاب مرور الاعصار بالجزيرة، قامت الحكومة بتجهيز 900 نقطة لبيع الاغذية الجاهزة وباسعار بخسة في المناطق المنكوبة؛ كما تم ضمان توزيع المواد الاستهلاكية المدعومة على العائلات وتسهيل حصولها على سلع محررة السعر.

وقد تلقت كوبا تبرعات مختلفة قدمتها حكومات وجمعيات صداقة وشركات ومنظمات غير حكومية وجامعات ومؤسسات دينية وغيرها، مما يساهم  الى جانب موارد الدولة في التخفيف من وطاة المصيبة على الناس، علما بان التبرعات توزع على المنكوبين مجانا.

نظام الكهرياء الوطني تم ترميمه  كاملة عمليا اذ ان 99.9% من المستخدمين يتمتعون بالكهرباء على الرغم من ان الاعصار ضرب الشبكة في عموم البلد، ودمر ثلاثة ابراج للضغط العالي و 3616 عامود كهرباء؛ 2176كيلومتر خطوط كهرباء؛ 1379 محول كهرباء؛ 1300 موزع كهربائي وعشرة محطات فرعية.

في مجال الاتصالات، تركزت الاضرار في شبكة الهاتف حيث انقطعت الخدمة عن 246 الف و 707 هاتف ارضي و1471 هاتف خلوي، كما تضررت 312 قاعدة للبث الخاص بالهواتف الخولية و27 برج اتصالات و4764عامود خاص باجهزة الاتصالات وخطوطها. تم ترميم الاضرار بنسبة 95.3%.

وتضررت 537 كيلومتر من الطرق وتحديدا الطرق الارضية المشيدة في البحر لتربط بعض المناطق السياحية بالجزيرة الام.

وعلى الرغم من الاضرار التي لحقت بالنظام التعليمي الا ان الحكومة استطاعت استئناف العام الدراسي في عموم البلد؛ في مجال الصحة العامة تضررت 980 مؤسسة وتم ترميم 289 منها ومع ذلك لم يتوقف النظام الصحي عن العمل والحفاظ على خلو البلد من الاوبئة.

في الزراعة تضررت بشكل رئيسي مزارع الدواجن: من 466 مزرعة تمت استعادة 348 مزرعة. 95 الف هيكتار من المحاصيل المتنوعة تضررت استعيد منها 35 الف هيكتار ومنها 20 الف هيكتار موز.

تضررت 338 الف هيكتار قصب سكر استعيد منها 180 الف؛ يجري العمل حاليا في استعادة 20 مصنع تكرير سكر (40 % من الاجمالي في البلد).

خلال شهر ايلول سقطت 256.4ملم مطر اي ما يساوي 137% من المعدل التاريخي لهذا الشهر، وقد ارتفع منسوب المياه المخزن في المسطحات المائية الاصطناعية حيث تراكم فيها 3026 مليون متر مكعب اي ما يساوي 68.4% من الطاقة التخزينية للبلد.

وتمت استعادة 99% من خطوط المياه  ولا زال 6961 شخصا يتسلمون المياه من خلال صهاريج.

هذا وقد دان مجلس الدفاع الوطني بالعرفان للعمل البارز الذي اضطلعت به المناطق الاستراتيجية الثلاثة ومجالس الدفاع في المحافظات والبلديات والمناطق. وابز المجلس انضباط السكان ودعمهم، اذ انهم الى جانب المنظمات الجماهيرية وهيئات اخرى عملوا بحرارة وحماسة من اجل تنظيف وتطهير المناطق المنكوبة. وهنا لا بد من ابراز المشاركة الهامة التي قامت بها وزارتا القوات المسلحة الثورية ووزارة الداخلية.

لا بد من الحفاظ على تضافر الجهود والروح الكفاحية التي تميز بها الشعب الكوبي وقواته المسلحة التي هي الشعب بالزي الموحد، او ما يسميه رفيقنا الخالد اوغو شافيس: الوحدة المدنية ـ العسكرية.

 

للمزيد من التفاصيل بالاسبانية يمكنكم الدخول الى الرابط التالي

 

http://www.granma.cu/cuba/2017-09-28/informacion-del-consejo-de-defensa-nacional-28-09-2017-23-09-44

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.