في الذكرى الخمسين لاستشهاد إرنستو تشى غيفارا: كيف نقرأ تشى غيفارا؟ مسعد عربيد

صدر لي منذ بضعة أسابيع كتاب  ماذا تبقى من غيڤارا؟ راهنية فكره وإرثه في القرن الحادي والعشرين”عن وكالة الصحافة العربية  (ناشرون) في القاهرة. واليوم، تحضرنا الذكرى الخمسون لاستشهاد تشى غيفارا في أدغال بوليفيا يوم التاسع من اكتوبر 1967.

سيكتب كثيرون، كما في السنوات الفائتة، عن غيفارا الرمز والأيقونة والذكرى الرومانسية، وظني أن جلَّ هذه الكتابات سيبقى في سياق طقوس الاحتفاليات والمناسبات، دون يغوص كتابنا في العمق لتعريف القارئ العربي بإرث غيفارا الفكري والثوري.

من هنا تلمست حاجة القارئ العربي إلى البحث في فكر غيفارا ودراسته، وكما قلتُ في كتابي:”رغم وفرة ما كُتب عن تشي ڠيڤارا وإرثه، فإن الفصل الأخير لم يُكتب بعد. فهناك من أعماله ما لم ينشر بعد، وهناك ممَنْ شاركوه المسيرة، منذ التحاقه بالثوار الكوبيين عام 1955 لم يقولوا كلمتهم الأخيرة بعد.”

أقدم هذا الفصل: “كيف نقرأ تشى غيفارا؟” على أمل أن اقدم لاحقاً فصولاً أخرى، للمساهمة في بناء وعي وفهم شعبي لفكر وإرث هذا الثائر الأممي الذي ما فتأ يستقطب قلوب وعقول الشعوب ويؤرق الإمبريالية اينما كانت.

مسعد عربيد

للمعلومات الاضافية عن الكتاب:

https://kanaanonline.org/ar/2017/08/25/%d8%a5%d8%b5%d8%af%d8%a7%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af%d8%a9-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7-%d8%aa%d8%a8%d9%82%d9%89-%d9%85%d9%86-%d8%aa%d8%b4%d9%89-%d8%ba%d9%8a%d9%81/

■ ■ ■

لماذا الكتابة في ڠيڤارا وكيف نقرؤه؟

مدخل منهجي

 

ربما يقول قائلٌ: لماذا الكتابة في ڠيڤارا؟ ولماذا الآن؟ وآخر يصرُ على أن مثل هذه الكتابة تأتي من باب الحنين الرومانسي إلى ماضٍ لن يعود.

لا شكّ أن الكتابة عن تشي ڠيڤارا تتسم ببعض التحديات والإشكاليات التي تنبع من كونه شخصية تاريخية وسياسية وثورية خلافية. إلاّ أن الأمر في الحقيقة يصبح واضحاً ومفهوماً إذا ما حسم الكاتب أمره: مِن أي منطلق يكتب، وأي نهج يلتزم، والأهم أية غاية ينشد. فالكتابة في ڠيڤارا لا تعود إشكالية إذا ما حدد الكاتب موقفه السياسي واصطفافه الطبقي والاجتماعي والإنساني. فإذا وقف الكاتب في الجانب المعادي للإنسان والتاريخ، أو إن لم يدرك حقيقة الإعلام الرأسمالي وأجندته المعادية للشعوب وللحقيقة، فإنه لا شكّ سيقع في فخ الأكاذيب والإشاعات المغرضة حتى بعد مرور عقود على استشهاد ڠيڤارا.

وهذا الاستنتاج يسري على مروجي أطروحات وبروباغندا الرأسمالية والإمبريالية، كما ينطبق على قطاعات كبيرة من اليسار (العربي والعالمي) أو أولئك الذين يدّعون تمثيل اليسار، وهم كُثّر. فهذه الأطروحات لا تتناول ڠيڤارا وراهنيته من منظور الصراع المحتدم في هذا العالم: صراع الشعوب وخاصة في العالم الثالث مع رأس المال وإمبرياليته وعولمته. لذا يشن الغرب الرأسمالي، ومروجو ثقافته وأيديولوجيته، حملة لتشويه ڠيڤارا – الثائر وممارساته الثورية وإلصاق شتى التهم به: المغامر، السفّاح، الشيوعي، الثائر الذي ولّى عهده.

أما اليسار وخاصة الغربي فقد جارى بعضه في كثيرٍ من الأحيان، من حيث يدري أو لا يدري، الآلة الإعلامية الرهيبة في حملة التشويه هذه، وكأن نضال وإرث ڠيڤارا ينحصر في حرب العصابات والكفاح المسلح الذي، حسب الكثيرين، قد ولى زمنه. هذا، في حين أنّ ما يخلّد تشي ڠيڤارا اليوم ويعيد صورته وإلهامه للجماهير والفقراء هو نضاله في مكافحة الإمبريالية والرأسمالية وكافة أشكال الاستغلال الرأسمالي. وهكذا يكرر بعض هذا اليسار ما فعله بالماركسية حين رفعوها أصناماً للعبادة يتعطل عندها العقل والنقد وحتى مجرد الاجتهاد، كأن ماركس قد سنّ قوانين تُطبق في كل واقع وزمان وفي ظل كافة الظروف والبيئات.

***

“تشي.. رمز العالم لإمكانيات رجل واحد”

فرانز فانون

 رغم وفرة ما كُتب عن تشي ڠيڤارا وإرثه، فإن الفصل الأخير لم يُكتب بعد. فهناك من أعماله ما لم ينشر بعد، وهناك ممَنْ شاركوه المسيرة، منذ التحاقه بالثوار الكوبيين عام 1955 لم يقولوا كلمتهم الأخيرة بعد. ولعل ما يؤكد راهنيته هو  واقع الشعوب التي ما زالت تعيش أوضاعاً تزداد سوءاً في ظل هيمنة العولمة وسياساتها النيوليبرالية الظالمة وفي ظل الاحتلال العسكري الإمبريالي “والحرب على الإرهاب”، ولذا لن تتوقف هذه الشعوب عن المقاومة واستلهام ما قدمه ڠيڤارا، فكراً وممارسةً، في نضالها ضد الاستغلال والظلم.

لعل المدخل السليم لقراءة تشي ڠيڤارا واستشراف راهنية فكره هو تناوله كواحدٍ من روّاد التحوّلات التاريخية والاجتماعية الكبيرة ومفكري السرديات الكبرى والفكر الاجتماعي مثل الحركات القومية والشيوعية والاشتراكية وحركات التحرر الوطني وغيرها. فإذا طرقنا هذا النهج، فإننا سنلحظ أن الكثيرين من هؤلاء المفكرين والمناضلين يظلّون – حتى بعد رحيلهم وبعد أن يكونوا قد أنجزوا مهام التغيير المنشود الذي ناضلوا من أجله أو قطعوا في ذلك شوطاً طويلاً – يظلّون قادرين على إلهام الأجيال الجديدة في رفض الواقع القائم والثورة عليه بغية تغييره وخلق الواقع الجديد، وهي عملية تتطلب بدورها طرح أسئلة البديل وصياغة مشاريع جديدة.

لذا رأينا أن نناقش راهنية ڠيڤارا، كواحدة من سرديات التغيير الاجتماعي، وذلك من خلال منظورين/ سؤالين:

  • هل تغّير العالم في الجوهر إلى الحد الذي يجعل هذه السرديات غير صالحة وغير ضرورية، أي هل انتفت ضرورتها التاريخية في مواجهة إشكاليات المرحلة وحلولها وبدائلها؟

ب) والسؤال الثاني والذي ينبثق من الأول: هل ذهبت هذه السرديات إلى غير رجعة كما يدّعي منظرو الليبرالية والرأسمالية والإمبريالية؟ أم أننا نقف اليوم أمام بوادر  وإرهاصات مرحلة جديدة تحمل في طيّها تحوّلات عميقة.

وللإجابة على هذين السؤالين، فإننا نحتاج إلى وقفة تشخيصية للواقع الراهن.

منظوران في قراءة تشي ڠيڤارا

يتوقف الموقف من تشي ڠيڤارا وفكره، إلى حدٍ كبير، على المنطلق والمنظور الذي يستخدم في قراءته. ولربما نجد في هذا الصدد تماثلاً مع قراءة الماركسية في حقبة العولمة.

فهناك المنظور البرجوازي الذي يرى في فكر ڠيڤارا نهجاً سياسياً قد مات وولى زمانه ولم يتبق إلاّ أن نعلن مراسيم دفنه. وهو منظور يرى أن التاريخ قد انتهى وأن اللحظة لا تتسع إلاّ لمفاهيم وسياسات العولمة والنيوليبرالية. وهذا النهج، عدا كونه أداةً لرأس المال، لا يقدم سوى فهم آلي جامد بلا نبض ولا إبداع.

أما المنظور الآخر فيقوم على قراءة الغيفارية قراءة حيّة نابضة بالحيوية ويرى فيها رؤيةً وممارسةً ثوريتين ترفضان الجمود العقائدي والتخشب الأيديولوجي والركون إلى علاقات الاستغلال والهيمنة الإمبريالية القائمة، فضلاً عن أنها البديل لعالم أفضل ومستقبل أسعد.

بناءًا عليه، لعله من المفيد في هذا الإطار إبداء الملاحظات التالية:

1) فكر ڠيڤارا كمساهمة ماركسية: في قولٍ لماكس فيبر، يؤكد أن العالم الذي نعيش فيه ثقافياً هو عالم شكله، إلى حدٍ كبير، ماركس ونيتشه. وبهذا المعنى، يأتي فكر ماركس ومساهماته، والتي سار على خطاها ڠيڤارا وأسس لفكره الثوري، في سياق بحث الإنسان عن سبل تحرره من الاستغلال وتسليع عمله وجهده، وانعتاقه من الاغتراب، وبحثه عن وسائل مقاومة الرأسمالية وتوحشها وهيمنتها الإمبريالية على مصير الإنسانية، وفي سياق التطورات التي تلت سقوط الحقبة السوفييتية وغياب القطب الاشتراكي، بل وغياب أي قطب آخر، مناهض أو بديل.

لقد حاول ڠيڤارا، عبر مسيرته النضالية، شدّ البشرية إلى تحديد أسباب بؤس الإنسان واغترابه ومعاناته وتلمس سبل الحل، وهي أفكار استطاعت، ولا تزال، أن تهزّ العالم من أجل إنجاز التغيير الجذري. وقد جاءت أطروحات ڠيڤارا ثمرة قراءته للماركسية دون تخشب في القوالب السوڤييتية وعلى أرضية فهمه للاشتراكية في آفاقها الإنسانية الرحبة، كما جاءت حصيلة لتجربته العملية في البناء الاشتراكي في كوبا كوزير للصناعة وقائد في الحزب والدولة، إضافة إلى إفادته من مشاهداته النافذة لدى زياراته واحتكاكه بالتجارب الاشتراكية في الاتحاد السوڤييتي ودول أوروبا الشرقية والصين الشعبية ويوغسلافيا، على تباينها.

2) ينبغي لقراءة تجربة ڠيڤارا أن تؤخذ بالاعتبار الأوضاع التي كانت سائدة آنذاك في كوبا وجوارها الكاريبي واللاتيني وفي إطار الظروف الإقليمية والدولية وطبيعة النظام العالمي.

3) يجب النظر إلى تجربة ڠيڤارا كتجربة مميزة في القرن العشرين جمعت بين الرؤية والمشروع، وبين الأهداف والوسائل. وعلى الرغم من ضرورة مراجعة الوسائل والأساليب التي اعتمدت في حقبة زمنية مختلفة وفي ظل ظروفٍ محلية ودولية لم يعد بعضها قائماً، فإن الواقع الراهن يؤكد ضرورة الثبات على المبادئ والأهداف وعدم التراجع عنها. فالأهداف التي ناضل من أجلها ڠيڤارا (محلياً وأممياً) ما زالت صالحة للحاضر وللمستقبل. وعليه، تبقى العبرة الأساسية لتجربة ڠيڤارا، والتي ظلت حاضرة بثبات وإصرار عبر حياته القصيرة، أن الضرورة الموضوعية والتاريخية ما زالت قائمة وملحة في محاربة الرأسمالية وإمبريالية وفي النضال من أجل العدالة الاجتماعية وبناء الاشتراكية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية ورفع الظلم والفقر عن أغلبية الشعوب وطبقاتها الشعبية.

وجدير بالذكر أن الحقبة التي نعيشها اليوم والتي تشهد تغيراً في موازين القوى السياسية في العلاقات الدولية، دون إغفال الميزان الاقتصادي الذي أخذ يميل باتجاه معاكس للاقتصاد الإمبريالي الأميركي، يوفر البيئة اللازمة لتجذير وسائل وأساليب النضال الثوري بما فيها الكفاح المسلح حيثما تتوفر له المقومات الأساسية. فالإمبريالية والرأسمالية لا تسقط من تلقاء نفسها، بل يجب بالضرورة إسقاطها بالقوة. وهناك العديد من التطورات السياسية والميدانية في الساحات الدولية والإقليمية، وأسخنها ساحة الوطن العربي (العراق وسوريا وليبيا واليمن وفلسطين…)، ما يوفر الأرضية اللازمة لخلق أكثر من فيتنام واحدة على درب محاربة الإمبريالية والهيمنة الأميركية على أكثرية العالم.

 4) ضرورة اعتماد الرؤية الشمولية في دراسة فكر ڠيڤارا ومشروعه وتجنب الحكم عليها من خلال جزئيات مفككة ومنعزلة عن بعضها البعض على غرار ما يفعله كثيرون حين يحصرون فكر ڠيڤارا وإرثه في مقولة الكفاح المسلح وحرب العصابات والتعامي عن إنجازاته الفكرية والاقتصادية والاجتماعية.

5) الوعي النقدي: من أهم ما يميّز أعمال ڠيڤارا هو إيقاظها للوعي النقدي وقدرتها على إنارة الفعل الإنساني وإرشاده وتفجير ما فيه من طاقات كامنة. وهذا هو شأن الأفكار والأعمال الإنسانية العظيمة. إلاّ أن تاريخ الشعوب يعلمنا أيضاً أن إطلاق الأفكار من مخزونها الجماهيري وتجنيدها في مشروع الإنسانية، أي تحويلها إلى قوة مادية قادرة على إنجاز التغيير، حسب مقولة ماركس، إنما يتطلب إحداث التغيير الجذري في المجتمع ذاته.

6) بالرغم من أن تجربة تشي ڠيڤارا الفكرية والثورية تتميز بشموليتها وخصوبتها وتعدد جوانبها، فإنه من الواضح أن تشي ڠيڤارا لم يكمل تجربته ولم يتمكن من أن يُنضج نظريته وأطروحاته، بسبب استشهاده المبكر (عن عمر تسعة وثلاثين عاماً) وقبل أن يصل ذروة عطائه وإنتاجه ونضوجه. إلا أن عدم إكمال ڠيڤارا لرحلته الفكرية والسياسية يجب ألاّ يغيّب على هذا المناضل أهميته كمفكر ماركسي وراهنية أطروحاته، وهو في هذا يشبه الكثيرين من المفكرين العظام الذين زرعوا بذور فكرهم وأناروا لنا الدرب لتشخيص المشاكل وتقصي الحلول والبدائل ثم رحلوا عنا تاركين لنا مهمة التغيير ومتابعة المسيرة ودمج الفكر بالممارسة، مثل ماركس وإنجلز (كواضعين للنظرية) أو لينين (أول من طبق النظرية وأطلق شرارة أول ثورة اشتراكية في التاريخ).

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.