تركيا تعجيل وتأجيل ولا تغيير، عادل سمارة

من البساطة بمكان ومن المهادنة بمكان، وهذا أخطر، أن يُنظر إلى تركيا وكأن موقفها يتغير من سوريا والعرب، ولا نقصد اردوغان  حصرا. فتركيا كعدو حقيقي لم تختلف منذ 1516 وصولا إلى أتاتورك فمندريس وتورجوت أوزال فأردوغان. استعمار، وعدو ومحتل أرض وعشيقة مزدوجه للكيان وأمريكا. وموضع استثمارات للعدو الغربي وخاصة أوروبا. أما وتركيا كل هذا، فهل يمكن أن تكون صديقة للعرب، أن تتحول؟

في المستوى الاقتصادي، تركيا ورشة استثمارات غربية كي تنتج للمتخلفين العرب وكي تساهم في تخليد تخلفهم عبر غمر الأسواق وعبر تركيز التذرير العربي والاحتلال إن أمكن. ولذا تركيا الراسمالية أي الطبقة البرجوازية التركية حريصة على السيطرة بأي شكل على اوسع رقعة ممكنة من الوطن العربي وخاصة لأنه محكوم من أنظمة في معظمها خائنة وتابعة وبالتالي تطمح تركيا في دور لامتطاء هذه المطايا. ولذا تطربش تركيا أي راس المال التركي  رأسها بالطربوش الإسلامي منذ قرابة ستة عشر عاماً. وهذا التطربش هو نتاج طفرة إنتاجية بيد عاملة تركية ووكالات برجوازية تركية ورأسمال اوروبي, وهذا يفسر موقع تركيا في الوسط بين العرب والغرب ويفسر التوكيل الأوروبي لتركيا بأن يتم تشغيلها لتسويق منتجات أباها غربي وأمها تركية ولكن دون أوربة تركيا نفسها. وهذا التقاسم مفهوم من تركيا وأوروبا وكليهما يغض الطرف عنه ولكن يقبله.

صحيح أن وكيل الغرب في تركيا كان حتى صعود الإخوان المسلمين هو الجيش التركي بما هو جيش امريكي الانتماء ناتوي العقيدة صهيوني الخدمات، ولكن ما حصل بوصول الإخوان إلى السلطة هو الحفاظ على عقيدة الجيش التركي وتقوية الإخوان في السلطة ولكن في الحالتين بقيت تركيا رأس المال، اي الطبقة البرجوازية أل-نصف تابعة هي الموجه الحقيقي للسياسة التركية ، ببساطة لأنها الاقتصاد.

وهذه الطبقة هي خدماتية بامتياز طبعا، لا سيما وتركيا تعتبر دولة جاذبة للسياحة من الشرق والغرب. هناك يتلاقى السواح من روسيا إلى بريطانيا إلى مكة والمستوطنة الصهيونية وحتى قرى رام الله! وهذا مدر دخل وطبعا تجميلاً ما لتركيا كبائعة هوى مسلمة وسنية معاً!

لولا الدور ومن ثم الموقع الخطيرين لتركيا لما كان للعدوان المعولم على سوريا أن يأخذ هذا الخطر والامتداد والدوام والعمق. أي أن العدوان أساسه تركي وإن كان خالقه امريكي-صهيوني. لم يكن ل لبنان او الأردن أن يتمكن من لعب هذا الدور كما هي تركيا، وبالتالي لم يكن سهلا تسريب الإرهابيين من هذين البلدين مقارنة بتدفق نهر الإرهاب من تركيا.

وإذا كان هذا دور تركيا وهدفها أ بتدمير سوريا لتكون محطة انطلاق تركي يجدد احتلال 1516 ومعركة مرج دابق، فهل يمكن أن يتغير دور وهدف تركيا بهذه البساطة لا سيما وأن هذا الدور وصل قمته متواكبا مع أحط فترات التاريخ العربي الحديث. لنتذكر أن مجلة داعش اسمها “دابق”. وهذا الدور التركي يفتح على الاستخدام الأمريكي والصهيوني لتركيا ضد العرب جميعاً. فهي شراكة خطيرة بغض النظر عن الحصص.

لم تدخر تركيا جهداً في تدمير سوريا وهزيمتها. وتعثرت السياسة التركية كثيرا خلال السبع سنوات العجاف، ودخلت تركيا في تناقضات/توافقات مع روسيا وإيران لكنها تجاه سوريا والعراق بقيت عدو استعماري بوضوح، وهذا يعني انها ستبقى، ولذا علينا أن نبقى عدو ضدها.

إن ما يبدو بانه تراجع نسبي في الموقف التركي تجاه سوريا وإلى حد ما العراق بسبب تغذية امريكا للعملاء من الكرد في دول الإقليم الأربعة، لا يعني تغيرا قي الدور الأساسي والمصيري لتركيا كعدو للعرب وأداة ضدهم وكمحتل للإسلام باسم الخلافة.

ولا شك ان تركيا تعلم بأن الأمريكي قد ذهب عميقاً إلى حضن عشيقته الكردية لاستغلالها ضد محور المقاومة والممانعة بل وضد السياسة الروسية المتوازنة دوليا، لكنها تعلم ايضا أن توافقا لا بد منه مع العراق وسوريا وإيران لوضع حد لطموحات المخدع الكردي ومن ثم النيل /الظفر ثانية بالعشيق الأمريكي-الصهيوني.

وخلال هذه المناورة لا بد لتركيا، كعاشقة عجوز أن تتحمل الوضع وأن تزجج نفسها أكثر وأن تُظهر للأمريكي ان لها عشاقا كثار (كما قالت المطربة صباح- حوالي العشاق كثار).

وهذا يعني أن تركيا تصبر قليلا ولا تتغير.

ومع ذلك، فدخول تركيا إلى إدلب، هو تأكيد بأن شرهها الاستعماري يفرض نفسه عليها، واحتوائها لعملائها السوريين باسم الجيش الحر ودعمها للنصرة وغيرها تؤكد هذه جميعا ان تركيا تحاول أو لا تزال تحاول الإمساك بمختلف الخيوط.

وهي في عدوانها على إدلب إنما تقدم لأمريكا سياسة حسن سلوك مفادها: إذا كان الهدف ليس إقامة دولة لبرجوازية وإقطاع الكرد، بل حماية الكيان الصهيوني وتفتيت اعمق للأمة العربية، وهذا يشترط اساسا سحق سوريا، فها انذا، تركيا، لم أتوقف عن ذلك!

نختم بان هذا الطرح الموجز والمكثف لا يهدف ،ولا يمكننا، الدخول في تفاصيل سير العدوانات على الأرض في سوريا، وإنما الهدف فقط توضيح أمرين:

الأول: إن الراسمالية التركية التابعة أو نصف التابعة هي الحاكم الحقيقي للسياسات التركية

والثاني: إن اية مرونة تركية تجاه سوريا، هي مؤقتة وخطيرة وخبيثة وأحياناً وقحة انظر حالة إدلب كمشروع اغتصاب أرض.

وعليه، فإن من ينسى العدو التركي هو أغبى ممن ينسى العدو الصهيو-أمريكي. ولكن، أي عدو هو  التركي؟ إنه المشروع الإخواني الذي يرتبط بالمشروع الرأسمالي/الإمبريالي المعولم وضمنه الصهيوني  على الأمة العربية والعالم.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.