تونس ضحايا “الوفاق الطّبقي”، الطاهر المعز

لمحة عن الوضع العام:

نقلت صحيفة “ديلي ميل” البريطانية في تقرير نشرته يوم الخميس 10 آب/أغسطس 2017، مجموعة من الصور من حساب إنستغرام، يعرض صور مجموعة من الشباب التونسي، تحت اسم “أبناء أثرياء تونس”، وتحتوي الصور على السيارات الفخمة والملابس الفاخرة والساعات عالية الثمن، وأكوام من العملات الأجنبية، ما يُؤّشِّرُ إلى حالة البذخ الفادح، في مقابل الأزمة الاقتصادية الخانقة في البلاد (أكثر من 600 ألف عاطل عن العمل منهم أكثر من 250 ألف من أصحاب الشهادات الجامعية)، ففي حين يُصَرِّح وزير المالية حاجة حكومته إلى قرض خارجي، من أجل تسديد رواتب الموظفين، وتفرض الحكومة التقشف، وتقهقر القيمة الحقيقية للرواتب وتجميد التوظيف في القطاع العام، تعيش أقَلِّية من الأثرياء في ثراء فاحش، فالثروة موجودة إذًا وهي ثروة مشبوهة المصدر، لأن الثروة لا يخلُقُها سوى الشَّغَّالون والمُنْتِجُون، ولكنهم لا يستفيدون من ثمرة عملهم بل تحتكر فئةٌ قليلةٌ هذه الثروة، وكلما تكدّست الثروة في جهة، خلقت فُقَراء في الجهة المُقابلة، ويتساءل الفُقَراء عن مصدر ثروة هذه الأقلية، وهل سدَّدَ هؤلاء الأثرياء ما عليهم من ضرائب للإنفاق على طرقات يُنْشِئها الكادحون لتسير عليها سياراتهم ومطارات يستخدمونها لقضاء عُطَلِهِم الكثيرة خارج البلاد، ولكي تُسَدِّد البلدية رواتب العمال الذين ينظفون الطرقات في أحيائهم ويجمعون قُمامتهم وفضلاتهم وفضلات كِلابِهم…  

شغلت الحكومة الحالية (إخوان مسلمون ودساترة ورجال أعمال) الرأي العام ببضعة قضايا، بهدف تهميش القضايا الرئيسية التي كانت سببًا في اندلاع انتفاضة 2010-2011، وإذا كانت بعض هذه القضايا لا تُكَلِّف ميزانية الدولة (والشعب) خسائر فإن بعضها الآخر يُؤَشِّرُ لتراجع خطير يتمثل في عودة أساليب الحكم التي انتهجها بورقيبة وخَلَفُهُ “بن علي” (وما الباجي قائد السبسي سوى تلميذ بورقيبة) ومن هذه القضايا طرح “قانون المصالحة”، أي العفو عن الفاسدين واللصوص الذين استحوذوا على ثروات البلاد، بينما لا يزال ضحايا النظام وضحايا الإنتفاضة يُطالبون بتطبيق مسار “العدالة الإنتقالية” الذي تُعرقِلُهُ أجهزة الدولة والأحزاب الحاكمة…

أحلام مغدورَة:

انتفض مواطنو المناطق المحرومة والشباب منذ 2008 (الحوض المَنْجِمِي) وخلال أواخر 2010 و 2011 من أجل تحقيق شيء من العدالة في توزيع الثروة وتوفير العمل والمساواة بين مواطني مختلف مناطق البلاد، ولكن الحكومات التي تعاقبت بعد سقوط رأس النظام وفِرار بن علي لم تكن تمثل المُنْتَفِضين، بل كانت حكومات شكلتها الإمبريالية (شكل جيفري فِلْتْمان، ممثل الإمبريالية الأمريكية ومُخَرِّب لبنان والعراق أول حكومة بعد 14/01/2011) وأدمجت الإسلام السياسي واندمج بعض رُموز اليسار المائع في المؤسسات مثل البرلمان (وبعض قيادات الإتحاد العام التونسي للشغل وبعض المنظمات الأخرى) ليستنسخ أساليب الحكم السابقة ويقمع الفقراء في سليانة وفي القصرين وفي الجنوب والعاطلين عن العمل وضحايا الإنتفاضة (09/04/2012)، مقابل حل بعض المؤسسات التي أنشأها اليسار خلال الإنتفاضة، أي ان التحالف الطبقي الذي كان يحكم قبل 14/01/2011 بقي مُسيْطِرًا على أجهزة الدولة ودواليب الحكم، وهو يُمثِّلُ بدوره الدوائر الإمبريالية (أمريكا وأوروبا بشكل خاص)، فانتهج نفس السياسة الطبقية التي تحابي الأثرياء وتعادي الفُقراء والعُمّال والأُجراء، فارتفعت الديون الخارجية وانهار الأجْر الحقيقي وارتفعت الأسعار وارتفعت معها البطالة والفقر، وبلغ الأمر بقيادة الإتحاد العام التونسي للشغل (وهي قيادة وَدِيعة وَمُسالِمَة) إلى الحديث عن “الفجوة الطبقية التي تزداد اتساعًا”… ويتذمر المواطنون من ارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق وتذمر أحد الصحافيين مؤخّرًا من ارتفاع ثمن وجبة شعبية تونسية متواضعة جدا إلى حوالي ثلاثة دولارات للوجبة الواحدة من وجبة “الشكشوكة”، وعَلَّلَ بهذا المثال البسيط ارتفاع  بنسبة التشاؤم لدى التونسيين لتتجاوز 75,4% وفق مقياس شركة “سيغما للإستشارات”، وارتفاع نسبة الرّاغبين في الهجرة ومغادرة البلاد بأي طريقة هربًا من ضنك العيش في بلادهم “ما بعد الثورة”، ونشر المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بيانات تفيد بوصول 5 آلاف مهاجر تونسي غير نظامي إلى سواحل إيطاليا خلال الربع الثالث من سنة 2017، ويصل إجمالي عدد مَن وصلوا إلى إيطاليا خلسةً، إلى 22 ألفاً، فُقد منهم 504 مهاجرين طيلة سنة 2017…

ضحايا الفقر:

 توفي ما لا يقل عن ثمانية أشخاص إثر اصطدام سفينة للجيش التونسي مع مركب كان يحمل مهاجرين نحو سواحل إيطاليا، على بعد 54 كيلومتراً من سواحل جزيرة قرقنة التابعة لولاية صفاقس، وأعلن الجيش إنقاذ 38 شخص ويقدر عدد المفقودين بنحو أربعين شخص، وقدرت المنظمة الدولية للهجرة (الأمم المتحدة) عدد من وصلوا إلى إيطاليا قادمين من تونس بنحو 1400 شخص خلال شهر أيلول/سبتمبر 2017 لوحده، هاجروا وغامروا بحياتهم قادمين من أكثر المناطق المحرومة في الجنوب وفي الوسط (القصرين) والأحياء الشعبية المُحِيطة بالعاصمة، بسبب البطالة وانسداد الآفاق، بحسب المُنْتَدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ما يجعل ظاهرة الهجرة غير النظامية والقاتلة تستمر رغم الحملات الموسمية التي تنفذها الدولة لاعتقال بعض المُهرّبين والمُهاجرين، وتُشِير بعض المُنظّمات “إن انتشار الصيد الصناعي والتلوث في البحر الأبيض المتوسط أدى إلى نفوق السمك، فتحول عدد من الصيادين -الذين حرمهم التلوث  والسفن الضخمة من الحصول على الرزق- إلى تهريب المهاجرين على مراكبهم للحصول على الرزق، وأفاد الشهود أن سفينة خفر السواحل صدمت عنوة المركب الذي كان يقل المهاجرين… أثار هذا الحادث -وما تبعه من تعتيم إعلامي ومن شتائم يكيلها بعض الصحافين والسياسيين للضحايا وذويهم من الفقراء- غَضَبَ أهالي منطقة “قبِلِّي” الذين فقدوا أبناءهم فتظاهروا وأحْدَثُوا أضْرَارًا ببعض المباني الحكومية التي تمثل رمزًا للسلطة، وجابهتهم الشرطة بقنابل الغاز المسيل للدموع، ما اضطر رئيس الحكومة (صِهْر رئيس الجمهورية وموظف سابق لدى الإدارة الأمريكية) إلى وصف حادث اصطدام البارجة العسكرية بمركب المهاجرين ب”الكارثة الوطنية”، وأعلن (بشيء من التّأخير) “هناك تعليمات واضحة لمتابعة نتائج التحقيق والتسريع بتحديد المسؤوليات…”، وفق وكالة الصحافة الفرنسية أ.ف.ب، ويطالب أهالي القَتْلى والمفقودين بتحقيق جِدّي في ملابسات الحادث، وسارع جهاز القضاء العسكري بسجن ربان سفينة الصيد التي اصطدمت بخافرة الجيش بتهمة “القتل العمد والمشاركة في تنظيم اجتياز للحدود خلسة والإضرار بمعدات عسكرية…”

تتميز منطقة “قبِلِّي” و”سوق الأحد”، موطن بعض القَتْلى حيث نَظّم المواطنون بعض المظاهرات الإحتجاجية بغياب مشاريع التنمية، فهي منطقة واحات شبه صحراوية كانت تُعَدُّ منطقة عسكرية خلال فترة الإستعمار الفرنسي المباشر، وتواصل اعتبارها منطقة عسكرية منذ 1956 ولم تستثمر الدولة في أية مشاريع اقتصادية أو تَنْمَوِية، فاضطر سكانها إلى الهجرة طلبًا للرزق، وهي منطقة جافّة قليلة الأمطار، لا حضور للدولة بها سوى عبر أجهزة القمع مثل الثكنات العديدة والحواجز في مدخل الولاية (المحافظة) في بلدة “سعيدان”، وتعاملت جميع الحكومات مع أهالي هذه المنطقة كأعداء للدولة، رغم خضوعهم لها، وهي ليست المنطقة الوحيدة التي لا يعيرها نظام الحكم أي اهتمام بل هي واحدة من مجموعة مناطق مُهْمَلَة (غرب البلاد من الشمال إلى الجنوب إضافة إلى الجنوب الشرقي) بسبب نمط التنمية المتواصل منذ الإستعمار المباشر والذي اقتصر على الإستثمار في السواحل وفي المناطق التي تحتوي ثروات طبيعية مثل مناجم الفوسفات الواقعة في الجنوب الغربي (منطقة “قَفْصَة”)… ترتفع نسبة البطالة إلى مستويات قياسية، وكان عدد المهاجرين إلى أوروبا (فرنسا بشكل خاص) وإلى ليبيا مُرْتَفِعًا، عندما كانت الهجرة النظامية مُمْكِنة، ولكن الحدود الأوروبية مُغْلَقة أمام المهاجرين من أصيلي المغرب العربي وافريقيا منذ انهيار الإتحاد السوفييتي (راجع الملحق، أسفل هذه الورقة)، ما زاد من مشاكل المنطقة وأهلها…

القمع من ثوابت نظام الحكم منذ 1956:

تلعب تونس ودول أخرى دور شرطي أوروبا في الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط (راجع المُلحق أسفل هذه الورقة) وراجت أخبار ان الخافرة العسكرية التي صدمت قارب المهاجرين هي جُزْءٌ من تجهيزات أوروبية منحتها لتونس لاستخدامها في منع الهجرة غير النظامية، ورغم تصريحات رئيس الحكومة و”مواساته” لأهالي الضحايا، فإن بيانات عديدة صدرت لاسترضاء الإتحاد الأوروبي وإظْهار الحزم في لعب دور وكيل أوروبا (على أراضي تونس !) أعلنت وزارة الداخلية يوم 14/10/2017 تنفيذ حملة اعتقالات واسعة أسفرت عن “إيقاف العشرات من الأشخاص في إطار الحملة المستمرة لمقاومة الهجرة غير الشرعية (السرية) بعد أسبوع من كارثة غرق مركب قرب جزيرة قرقنة”، كما اعتقل الدرك جنوب البلاد قرابة 30 عنصراً من بينهم ثلاثة من جنسيات أفريقية كانوا يحاولون التسلل إلى الأراضي الليبية، كما أعلنت وسائل الإعلام التونسية عن حملات واسعة تَشُنُّها وحدات وشنت الحرس الوطني (الدّرْك) في المناطق الساحلية التي تمثل نقاط انطلاق رئيسية للمهاجرين باتجاه السواحل الإيطالية، وأطنبت البيانات (المُوَجّهَة إلى أوروبا) في ذكر تفاصيل نتائج حمرت المُداهمة من “ضبط مبالغ مالية ووثائق مُزَوّرة وتجهيزات…”

ترتبط تونس باتفاقات تعاون مع الاتحاد الأوروبي ككل واتفاقيات ثُنائية مع دول مثل إيطاليا وألمانيا لمكافحة الهجرة غير النظامية و”منع تدفق المهاجرين نحو السواحل الأوروبية”، وتواجه هذه الجهود المشتركة انتقادات من منظمات حقوقية تدافع عن حرية تنقل الأشخاص وتضغط لرفع القيود الأوروبية على الهجرة النظامية…

دعوات لفك الإرتباط مع أوروبا: (راجع المُلْحق)

ارتفعت أصوات عديدة في تونس (وكذلك في المغرب والجزائر) لمراجعة سياسة التعاون مع الاتحاد الأوروبي القائمة على مراعاة مصالح أوروبا وإهمال مصالح “الشُّرَكَاء” الذين تحولوا إلى مُخْبِرِين وشرطة تمنع مواطنيها من “اجتياح أوروبا” فيما لا تهتم أوروبا بالصعوبات التي تعيشها الحكومات العميلة لها، لأن السيد لا يمكن أن يحترم العَبْد، وعندما انهار بن علي تَخَلّت عنه أوروبا، وعوضته بغيره، مادام جوهر النظام لا يتغير، ولا تهتم سلطات الإتحاد الأوروبي بعدد القوارب التي تغرق ولا بعدد الشبان المدفونين في البحر أو على شواطئها، ولا بالأسباب التي تدفعهم للهجرة، وهي في الواقع من مهام دول المُهاجرين، لكنها جميعها تابعة وموالية للإمبريالية وهي لا تمتلك خططا ولا برامج مُستقلة لتنمية الإقتصاد والإستثمار في القطاعات المنتجة أو التي يمكن أن تُحَقِّق الإكتفاء الذاتي…

ارتفع عدد البوارج الحربية الأوروبية والأطلسية في سواحل تونس، ضمن المقاربات الأمنية لعلاقات “الشراكة” مع بلدان جنوب المتوسط، فيما ارتفع عدد الشركات متعددة الجنسية التي تستقطب الشباب ذوي المؤهلات والإختصاصات في مجالات البحث العلمي والهندسة والإتصالات والطب، والتي كلفت ميزانية الدولة (أي الشعب التونسي) مبالغ هامة، لتستأثر هذه الشركات بخبراتهم وجهودهم، في ظل ارتفاع حدة الأزمات الإجتماعية في المغرب العربي وارتفاع نسبة البطالة مع إحكام إغلاق حدود أوروبا في وجه الباحثين عن العمل، لتتحول بلدان المغرب العربي إلى مكان “حجز” أو إقامة جبرية

استغل المُهرِّبُون وتجار البشر هذا الوضع وهذه المقاربة الأمنية للمسائل الإجتماعية بين ضفّتَيْ البحر الأبيض المتوسط للبحث عن مسارات وأساليب جديدة لتهريب البشر واختراق الحواجز الأمنية، مما حول المتوسط إلى مقبرة جماعية للفقراء…

طالبت نقابات المغرب وتونس وبعض الجمعيات في بلدان المغرب العربي بمراجعة قواعد هذه “الشراكة” التي لا تعدو أن تكون إملاء لإرادة الإتحاد الأوروبي، دون مُقابل واختزال “الشراكة” في    برامج التعاون الأمني والعسكري وفي منافسة الشركات الأوروبية ذات الإمكانات الهائلة للشركات المحلية في مجالات كانت حكرًا على رأس المال المَحَلِّي…

مُلحق عدد 1

 “مَيِّت عن مَيِّت بيفرق” (مع الإعتذار لغسّان كنفاني صاحب قصة “خيمة عن خيمة بتفْرق”): ترتبط تونس بعدة اتفاقيات مع أوروبا، وكُلّما وقعت الدولة التونسية اتفاقية “شراكة” جديدة مع أوروبا كلما تشددت الأخيرة في دخول التونسيين إلى أراضيها سواء للدراسة أو الزيارة أو السياحة أو للعمل، ولم يستفد من نظام التّأشيرة سوى بعض فئات الفرنكفونيين من المحامين والصحافيين والأكاديميين ورجال الأعمال، وكلما ارتفعت الحواجز أمام السلع الأوروبية زادت أوروبا من “معايير” وشروط عبور البضائع التونسية حدود أوروبا التي أصْبَحَتْ قَلْعَة مُحَصّنة، خصوصًا منذ انهيار الإتحاد السوفييتي ودخول رومانيا وبلغاريا وبولندا وغيرها الإتحاد الأوروبي (بعد انتمائها لحلف شمال الأطلسي “ناتو”) وأصبح عمال أوروبا الوسطى والشرقية يعملون في أوروبا الغربية برواتب جد منخفضة، فأغلقت أوروبا باب الهجرة أمام عُمّال وفقراء المغرب العربي وافريقيا، باستثناء مصر ما دامت مُتَشَبِّثَة باتفاقيات التطبيع (كامب ديفيد)… كان مواطنو المغرب العربي (قبل انهيار الإتحاد السوفييتي) يتسَوّقون في إيطاليا ويعملون في أوروبا الجنوبية في موسم الصيف (في الزراعة وقطف الثمار والخضار…) بدون تأشيرة ثم يعودون إلى بلادهم، فيما يستجم فُقَراء أوروبا في تونس والمغرب بأسعار منخفضة، ولا يزال الأوروبيون يدخلون بدون تأشيرة (بل ببطاقة هوية عندما يكونون ضمن مجموعة سائحين) فيما أصبح دخول التونسيين (وسكان المغرب العربي) شبه مُسْتحيل، لذلك ارتفعت ظاهرة الهجرة غير النظامية (يُسَمِّيها مواطنو المغرب العربي “حرق الحدود” أو “الحَرْقَة”)، خصوصًا بين فُقَراء وشباب تونس الذين شكّلوا أغلبية المتظاهرين أثناء انتفاضة 2010-2011 والإنتفاضات الإقليمية (الجهوية) المتواصلة، وتصفهم أجهزة الإعلام المملوكة لرجال الأعمال الذي انبطحوا أمام بورقيبة وبن علي بالمُخرّبين (وهو وصف يطلقه الكيان الصهيوني على الفدائيين) وبالسُّوقة والرّعاع، وجميعها أوصاف ونُعُوت ذات صبغة طَبَقِيّة بحتة، واستخدمهم الإسلام السياسي لإرساء مشروعه المُناهض لمصالحهم، وأصبحت المُخاطرة بالحياة في عرض البحر أمْرًا عاديًّا، بسبب ما يُعانيه هؤلاء الشُّبّان في بلادهم وبسبب ما عرفوه في ظل حكومات “ما بعد الإنتفاضة” من تدهور في الأوضاع (راجع الخبر بعنوان “تونس، حكومة صندوق النقد الدولي” في هذا العدد 401 من نشرة الإقتصاد السياسي) والإرتفاع المستمر للأسعار وتراجع قيمة العملة المحليّة (الدّينار) وارتفاع نِسَبِ البطالة والفقر… كانت الدّوائر الأمنية والعائلية المُقَرّبَة من الجنرال زين العابدين بن علي “تُنَظِّمُ” حركة الهجرة غير النظامية وتُشرف عليها وتستفيد من أموالها، كما تستخدمها السّلطة للضغط على أوروبا كلما صدر تقرير عن “انتهاك حقوق الإنسان” في تونس”، ولم يتغيّر الوضع كثيراً منذ رحيل بن علي، بل أصبح المُهرِّبُون من عصابات الجريمة المُنظّمة يشرفون على هذه الرحلات، وأصبحت سفن حلف شمال الأطلسي والسفن الحربية وسفن اليمين المتطرف الأوروبي تجوب سواحل تونس وليبيا بذريعة منع الهجرة غير النظامية، وتحولت بلدان المغرب العربي إلى حارسة لحدود أوروبا ومُعتقل لمن يعتزمون الهجرة، وكلما ضاق الخناق على المهاجرين ارتفع عدد القتلى غَرَقًا في البحر، واكتفت أوروبا بتقديم بعض “المِنَح” لحكومات دول جنوب المتوسط تمثلت في تقديم أجهزة مُراقبة وخافرات ورادارات وتجهيزات أخرى (بينما حصلت حكومة الإخوان المُسْلِمين في تركيا على أكثر من ستة مليارات يورو سنويا، مقابل مراقبة هجرة ضحايا الحروب على سوريا وافغانستان والعراق، انطلاقا من أراضيها)، وأصبح خفر السواحل في تونس يعمل لصالح أوروبا بدون مقابل تقريبًا، بل أصبح يشارك في قتل المهاجرين في البحر، حيث صدمت سفينة حربية تونسية عُنْوَةً مركبًا كان يقل مهاجرين مُتَجِهِين إلى السواحل الإيطالية، يوم الأحد الثامن من تشرين الأول/اكتوبر 2017، ما أدّى إلى قتل عدد غير مُعْلن من الشبان (يُقَدّر العدد بالعشرات) وانتشال ثمانية جُثَث وإنقاذ 38 من الرّكاب، الذين تجمعهم قواسم مشتركة عديدة،  منها انتماؤهم جغرافيّاً إلى مناطق أهملتها كافة الحكومات المُتعاقبة منذ 1956 وانتماء القتلى والجرحى وزملاؤهم الذي بقوا على قيد الحياة اجتماعيّاً إلى أدنى دَرَجات السُلّم الطبقيّ… ألا يسْتَحِقُّ هذا الوضع ثورة؟ لكن من سيشعلها ومن سيتابع نتائجها لتخدم مصالح الفُقَراء؟… عن مقال بتوقيعمَجْدِي الوِرْفِلِّيفي صحيفةالأخبار13/10/17 (بتصرّف وإضافات)  

مُلْحق عدد 2

تونس، حكومة صندوق النقد الدّولي: أقام في فنادق تونس وفد من صندوق النقد الدولي للمرة الرابعة خلال تسعة أشهر منذ بداية شهر تشرين الثاني/اكتوبر، للضغط على الحكومة وعلى مجموع القوى السياسية المُمَثَّلَة في مجلس النواب وكذلك على الإتحاد العام التونسي للشغل (أكبر وأقدم نقابة أُجراء عربية وافريقية) لإدْراج القرارات الإقتصادية التي أمر الصندوق بتطبيقها سنة 2018 (يُسَمِّيها “إصْلاحات”، وهي في الواقع “تَخْرِيب”)، وطلب الموافقة على هذه “الإصلاحات” قبل حلول تاريخ الاجتماعات السنوية للصندوق في واشنطن من 13 إلى 15 تشرين الأول/ أكتوبر 2017… ناقش أعضاء الحكومة مشروع الموازنة لسنة 2018، وفق شروط صندوق النقد الدولي التي يتوقع أن يُؤَدِّي تطبيقها إلى زيادات هامة في مقدار ونسب الضّرائب والرُّسُوم، وإلى تراجع الدخل الحقيقي للعمال والأُجَراء والفئات الفقيرة وحتى المتوسطة، ما قد يؤَدِّي إلى انفجار اجتماعي، وتوقّعت حكومة تونس أن يبلغ عجز مُوازنة الدولة سنة 2017 حوالى ملياري دولار (5345 مليون دينار تونسي) أو نحو 5,4% من إجمالي الناتج المحلي، بينما تُشِير توقُّعات صندوق النّقد الدّولي إلى ارتفاعها إلى حدود 6,2% من الناتج المحلي، وتعتمد الحكومة (مثل الحكومات المماثلة في مصر والأردن والمغرب وغيرها) زيادة القروض مع زيادة الضرائب والأداءات لِسَد العجز، وأشرنا مرات عديدة سواء بخصوص مصر أو تونس أوغيرها ان القروض الخارجية لا تُسْتَخْدَمُ في الإستثمار وزيادة الإنتاج، بل لإعادة قروض أخرى حل أجَلُها، ولسد العجز في ميزانية الدولة، ويُسَمِّي صندوق النقد الدولي زيادة الضرائب (على الأُجُور وليس على دخل البرجوازية ورجال الأعمال والمِهَن المُسَمّاة “حُرّة”، أي غير مأجورة) “إصلاحًا جِبائيًّا شاملاً”، وهي مُغالطة لُغَوية وسياسية استنْبَطَها خُبَراء الألْسُنِيّة في المُخْتَبرات الأكاديمية الرأسمالية، ويشترط صندوق النقد الدولي زيادة الضرائب للإفراج عن قسط جديد من القرض البالغة قيمته 2,8 مليار دولارا لفترة أربع سنوات (اتفاقية 20/05/2016 مع الدولة التونسية)، وسبق أن حصلت الحكومة التونسية بشيء من التّأخِير على قسطين بلغت قيمتهُما مُجْتَمِعَيْنِ 1,277 مليار دولارا لحد الآن، وتنتظر الحصول على قسط ثالث بقيمة 875,350 مليون دولار خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل 2017، بعد زيارة تفتيش وإقامة وفد صندوق النقد الدولي أسبوعين في فنادق تونس (على حساب المواطن الأجير) وشهادة رئيس الوفد بحصول تَقَدُّمٍ في تطبيق تعاليم الصندوق وتنفيذ “حزمة الإصلاحات”، وبيع ما تبقى من حصص الدولة في الشركات التي كانت عمومية وتجميد الرواتب، وتجمديد التوظيف، بل وخفض عدد موظفي القطاع العام، وخفض المعاشات التقاعدية مع زيادة سنوات وقيمة الإشتراك في صناديق التقاعد بنسبة لا تقل عن 1% من الراتب السنوي،  وتُبَيِّنُ الأرْقام ان حكومات الإخوان المسلمين رفعت عدد موظفي الدولة من 440 ألف، في بداية سنة 2011 إلى 650 ألأف موظف سنة 2014، بعد توظيف حوالي 155 ألف من أفراد عائلاتهم وقياداتهم والمنْتَمِين إلى حزبهم والمساجين السابقين من حركة الإخوان المسلمين في تونس (تحت مُسمّيات “حركة الإتجاه الإسلامي” ثم “النهضة”)، كما زاد الإخوان المسلمون من حجم القروض الخارجية، ومن ارتهان البلاد إلى الدّائِنِين… بدأت الحكومة تطبيق أحد شروط صندوق النقد الدولي، والمتمثل في إحالة ما لا يقل عن عشرة آلاف موظف، مِمّن يُفْتَرَضُ أن يتقاعدوا بعد ثلاث سنوات، على التقاعد “الطّوْعِي” ولكنها لم تحصل سوى على أربعة آلاف طلب، وتعتزم الحكومة تسريح 120 ألف موظفًا حكوميًّا (دون تحديد شرط سن الموظف) مقابل راتب سنتين، قبل نهاية سنة 2020، ليلتحقوا بصفوف 630 ألف عاطل عن العمل مُسَجّلِين رسميًّا في سجل العاطلين المُعْتَرَفِ بهم… يعتبر خُبَراء صندوق النقد الدولي ان القطاع العام ومؤسسات الصحة العمومية ومؤسسات المظلّة الإجتماعية (العلاج والتقاعد والتعويض عن الحرمان من العمل…)، وكذلك قطاع التعليم الحكومي والنّقل العام وغيرها من المؤسسات التي ضحّت الشعوب (والأُجَراء بشكل خاص) بجزء من دخْلِها لإنشائها، “عِبْئًا مالِيًّا، ووجب بيعها إلى القطاع الخاص بأسعار رمزية”، وأحصى الصندوق 104 مؤسسات قطاع عام في تونس وجب بيعها للقطاع الخاص بسعر رَمْزِي (هل يقبل القطاع الخاص الإستثمار في شراء مؤسسات خاسرة؟)، ويتفق صندوق النقد والحكومة (التي يرأسُها صهر الرئيس، وهو موظف سابق في الإدارة الأمريكية وفي سفارة أمريكا بتونس، وكاتب بحث يدعو إلى خصخصة الفلاحة والأراضي الزراعية وبيعها إلى الأجانب)، على تحميل العُمّال والأُجَراء والفُقَراء والمتقاعدين نتائج خطة تخريب الإقتصاد التي يُسمِّيها الصندوق “إصْلاَحًا هيكليًّا”… عن وكالة تونس افريقيا للأنباء (وات) – موقع جريدة الصحافة” (حكومية) + موقع صحيفة المغرب 12/10/17   

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.