لبنان: حقل تجارب آل سعود والإمبريالية الأمريكية؟ الطاهر المُعِز

اسْتَدْعى حُكّام السعودية زعماء مُكونات ائتلاف “14 آذار” للمثول في الرياض ومنهم المُجْرِم سمير جعجع (الذي مَتّعَهُ رفيق الحريري بِعَفْوٍ لا يَسْتَحِقُّهُ) وبطريرك الكنيسة الكاثوليكية اللبنانية “بشارة بطرس الرّاعي”، ووليد جنبلاط وكان سعد الحريري (السّعودي-اللبناني) آخر من حَجّ إلى الرياض للمرة الثانية خلال أقل من أسبوع، وفاجأ مجموعته السياسية وحُلَفَاءَهُ عندما أعلن من السعودية وعلى قناة سعودية استقالته من رئاسة الحكومة اللبنانية يوم السّبت 04/11/2017، وادّعى ان حياته في خَطَر، وجاء التّأيِيد سريعًا من رئيس حكومة العدو الصهيوني، إضافة إلى الرئيس السابق “ميشال سُلَيْمان”، وجاء التّأييد من الأقطاب الرجعية (الكتائب والقوات اللبنانية والمُسْتقبل…)، وأَيّد هؤلاء الهجوم على قوة مَحَلِّية مُشاركة في الحكومة (حزب الله) وقوى خارجية (إيران وسوريا…)، ما يُعْتَبَرُ إشارة انطلاق تصعيد سعودي وأمريكي ضد هذه القوى المحلية والخارجية، بعد ادّعاء بعض القوى الرّجعية انتهاج سياسة “النّأي بالنفس”، فيما تَغِيب أصوات هذه الأقطاب الرجعية عندما تُحَلِّق الطائرات الحربية الصهيونية يوميا في سماء لبنان، وعندما تختطف قوات الإحتلال وتَغْتَالُ مواطنين لبنانيين على أراضي لبنان، بل بلغ الأمر بممثل الحريري “فؤاد السنيورة”، رئيس حكومة لبنان سنة 2006 حَدَّ تحريض الكيان الصهيوني للقضاء النِّهائي على “حزب الله”، واعتبرت حكومته “إن الحرب حصلت بين إسرائي وحزب الله”، ولم يعتبر العدوان الصهيوني اعتداءً على لبنان، رغم الدمار والتخريب والقتل الذي لحق البلاد…

يحمل الحريري الجنسية السعودية، ويعد من أبرز المدافعين على “الدور السعودي في استقرار لبنان”، وبعد سقوط حكومته سنة 2011 عاش متنقلا يُدِيرُ أعمَالَه بين باريس والرياض “لأسباب أمنية لا تسمح (له) بالبقاء في لبنان”، وهاهو نفس السيناريو يتكَرَّر بعد ست سنوات، وتزامنت تصريحاته واستقالته مع تطورات داخل دوائر الحُكم في السعودية، حيث أحكم محمد بن سَلْمان قبضته على أجهزة الدولة وعلى الإقتصاد ووسَّع من رقعة الحرب في اليمن ومن العِداء لِقَطَر وسوريا، وأطلق مُمَثِّلُه في لبنان والمُكَلّف بالملف اللبناني “ثامر السّبهان” تصريحات استفزازية وتهديدات ضد حزب الله وضد إيران، وهي تصريحات ذات مُسْتَوى هابط لا ترقى إلى مصاف السياسة أو الدبلوماسية (قال أجدَادُنا العَرَب: “كُلُّ إِناءٍ بما فيه يَرْشَحُ !”)  

يتَمَيّزُ السِّياق بتطورات الوضع في سوريا وتقدّم جيش النظام السوري وحلفائه (حزب الله وإيران وروسيا)، مقابل تقهقر موقف السعودية والقوى الإرهابية التي تُمَثِّلُها، وتصعيد لهجة حُكام السعودية ضد إيران وحزب الله (وما صوت الحريري سوى صدى لصوت السعودية)، أما في داخل لُبنان فقد ساد من جديد الخطاب المُعادي للفلسطينيين وارتفعت أصوات المُطَبِّعين من الكتائب والقوات اللبنانية والمستقبل في عدة مناسبات لتَصِفَ الخائن بشير جميل ب”الشّهيد”، وأصدرت أعلى هيئة قضائية في لبنان حكم الإعدام بِحَقّ “حبيب الشرتوني” و”نبيل العلم” المُتَهَمَيْن باغتيال الخائن “بشير الجميل” بينما تطلق المحكمة العسكرية سراح المخرج المُطبِّع والمتعاون مع الكيان الصهيوني “زياد دويري” وعرض أشرطته المُغرقة في التطبيع، بدعم مادي وسياسي من الكيان الصهيوني، حيث أقام المُخرج قرابة العام، وصوّر مشاهد الشريط (الإنهزامي) في تل أبيب، في خِضَمِّ مناخ رجعي وتطبيعي بلغ حد ترشيح المجرم سمير جعجع، إحدى أدوات تنفيذ مجازر مُخَيَّمَيْ “صبرا” و”شاتيلا” وغيرها من المجازر بحق عائلات كاملة، مُنافِسَة للقوات اللبنانية (أُسْرة شمعون، وأُسرة فرنجية وغيرها)، لرئاسة الجمهورية اللبنانية، بعد انتهاء الجنرال “ميشال سليمان”، وهو ليس أقل رجعية من “الكتائب”، كما ارتفعت في لبنان أصوات تصف النازحين السوريين والفلسطينيين بالغُزاة وتتهمهم بارتكاب الجرائم وغير ذلك من الإتهامات الزائفة التي تُذَكِّرُ بالمناخ السياسي والإعلامي الذي كان سائدًا بين 1973 و 1975، مباشرة قبل الحرب الأهلية (1975 – 1990)، كما يتزامن تصريح الحريري (واستقالته) مع اقتراب موعد الإنتخابات النِّيَابِية اللبنانية التي قد يكتسح خلالها حزب الله وحلفاؤه مواقع جديدة، وشَجّعت الإمبريالية الأمريكية هذه القوى المَحَلِّية الرجعية اللبنانية بتشديد العقوبات المالية ضد حزب الله وزعمائه والحظر الإقتصادي ضد إيران، ما جعل الحريري يتهم  إيران بمحاولة فرض الوصاية على لبنان بمساعدة قوة سلاح حزب الله، وكأن لبنان (وحزب الحريري بالذّات) مُستَقِل ولا يرزح تحت الوصاية السعودية والأمريكية، ودفعت السعودية سعد الحريري إلى تصعيد الموقف ضد إيران وتهديدها “بقطع الأيادي التي امتدت إلى الدول العربية بالسوء”، وهذه قِمّة النّذالة والنّفاق فالسعودية دَعَتْ الجيوش الإمبريالية لاحتلال العراق وتفتيت ليبيا واليمن وسوريا وتقوم بمهمة وكيل الإمبريالية في الوطن العربي، وما آل الحريري سوى أداة سعودية أي عملاء من درجة ثانية أو حتى ثالثة… كما يتزامن هذا التّصْعيد السعودي مع تصعيد حكومة العدو الصهيوني وتكثيف الإستفزازات في سوريا وفي لبنان والتهديد بحرب قادمة ستشمل سوريا وحزب الله والجيش اللبناني، وفق تصريحات وزير الحرب الصهيوني (ليبرمان)، وأشار المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إلى “تَطَابُقِ اتهامات رئيس الحكومة اللبنانية المستقيل مع الاتهامات غير الواقعية وغير الصحيحة للصهاينة والسعوديين والأمريكيين…” واستنتجت وسائل الإعلام الإيرانية “إن الاستقالة سيناريو جديد لخلق التوتر في لبنان والمنطقة” ويُشَكِّلُ تصريح الحريري بأن الحكومة لم تعد موجودة وان حزب الله لم يعد مُمَثَّلاً في دوائر الدولة، وهو تشْرِيع أو تَبْرِير مُسبق لأي عُدْوان صهيوني على حزب الله، وحزب الله جُزْءٌ من لبنان، وإذا حصل العدوان فسيكون كارثة على اقتصاد البلاد المُثْقَلَة بالدُّيُون، وعلى البلاد ذات التّوازن الهَش…

يُمْكِنُ اعتبار استقالة سعد الحريري استجابةً لقرارٍ خارجيٍّ (سعودي-أمريكي)، وهي استقالة مُفاجِئة ومُرِيبة بسبب الظرف الزماني لإعلانها ومكان إطْلاَقِها، دون التّشَاور مع الحلفاء على ما يَبْدُو، ولن ينتج عن هذه الإستقالة سوى تأجيج التَّوَتُّرات الداخلية اللبنانية بهدف إرباك حزب الله والجبهة ضد الإرهاب في سوريا، وهي أهداف تَصُبُّ في مصلحة السعودية والإمبريالية الأمريكية والكيان الصهيوني الذي عبر رئيس حكومته عن سُرُورِهِ بإعلان الإستقالة…

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.