عرب: حلقة من “مشروع الشرق الأوسط الكبير”، الطاهر المُعِز

عرب: حلقة من “مشروع الشرق الأوسط الكبير”

قراءة في منشورات الصّحافة العالمية لشهر تشرين الأول/اكتوبر 2017

الطاهر المُعِز

العراق: فرضت الولايات المتحدة بعد عدوان بداية 1991 حظرًا على الطيران العراقي (وعلى الدولة العراقية) في شمال العراق (إقليم كردستان) وأصبح هذا الجزء من العراق “محميّة دولية” تحت إدارة فعلية أمريكية وصهيونية وتركية، وتوسّعت سلطة الإقليم سنة الإحتلال (2003) إلى خارج المنطقة التي أقرّها مؤتمر القاهرة (1921) وأصبحت مليشيات عشيرة البرازاني تُسَيْطِرُ على مناطق عديدة في محافظات “كركوك” و”الموصل” و”صلاح الدين” و”ديالى”، دون الإعلان عن سلطة كردية في هذه المناطق حتى احتلال “داعش” (وهي صنيعة أمريكية) لمحافظة ومدينة الموصل (ثاني أكبر مدينة عراقية) سنة 2014، واستغلت مليشيات الأكراد الوضع لتحتل حقول النفط وتستحوذ على الموارد الطبيعية في “كركوك” وفي محافظات الشمال، وتعلن عن ضَمِّها إلى إقليم “كردستان”، رغم ما ورد في دستور 2005 الذي كَتَبَهُ عملاء أمريكا ومنهم الأكراد والذي ينص صراحة ان كركوك خارج إقليم كردستان (المادة 140)… نَظّم حزب بارازاني استفتاء الإنفصال يوم 25/09/2017 رغم معارضة شركائه في حكم الإقليم، ورغم المعارضة الشكلية (الظاهرية لأمريكا، حامية برازاني) لكن أظهر الإعلام الأمريكي (ومن ثم إعلام كردستان) ان وزير الخارجية الأمريكي (ريكس تيلرسون)، رئيس شركة “إكسون” للنفط سابقا وجه رسالة (بتاريخ 23/09/2017) يُطمئن من خلالها عشيرة البرازاني ان أمريكا ستَتَظاهر بمُعارضة الأنفصال لمدة سنة، لتفرض على حكومة العراق هذا الأمر الواقع بعد ذلك، لما للإقليم من أهمية استراتيجية عسكرية واستراتيجية لأمريكا، من ناحية ولأن شركة “إكسون” (شركة وزير الخارجية) وكذلك شركة “شيفرون” تستغلان نفط كردستان وكذلك نفط كركوك ومناطق أخرى في محافظات الموصل (مخمور والقوش) لصالح سلطة إقليم كردستان، لذا فإن وزير الخارجية الأمريكي يدافع عن مصالح الشركات النفطية الأمريكية (كي تُواصل استغلال النفط في كركوك والموصل) بتظاهره بأنه ضد توقيت الإستفتاء… شكّل النفط العمود الفقري لاقتصاد إقليم كردستان، إضافة إلى الدعم الأمريكي والتركي والأطلسي، وباسترجاع الجيش العراقي لحقول نفط كركوك تكون عشيرة البرازاني قَد حُرِمَتْ من 300 ألف برميل يوميا أو نحو نصف صادراتها من النفط (عبر تركيا نحو ميناء جيهان ثم إلى أوروبا وفلسطين المحتلة)، ما سيعَمِّقُ عجز ميزانية الإقليم، وطلبت حكومة العراق من شركة “بريتش بتروليوم – بي.بي” العودة إلى استغلال وتطوير حقول نفط “كركوك” لكن الشركة أعلنت انها تنتظر “أن يعود الإستقرار ويتحسن الوضع الأمني”، والواقع انها تريد تحسين شروط العقد لصالحها، لأن حقول كركوك تُعْتَبَرُ من بين أكبر وأقدم حقول النفط  في المنطقة، باحتياطيات قابلة للإستخراج قدرها تسعة مليارات برميل وفقا لشركة “بي.بي”، التي أشرفت على إعادة تطويرها، قبل تاريخ سيطرة مليشيات الأكراد عليها سنة 2015… تُعْتَبَرُ شركة “بريتش بتروليوم – بي بي” الرابح الأكبر في كل الحالات، حيث أبرمت سلطة إقليم كردستان العراق اتفاقيات هامة مع شركة “روسنفت” الروسية الحكومية، وتملك بي.بي حصة تقارب 20% في “روسنفت” ما يجعلها تستفيد من مجموع نفط العراق في إقليم كردستان وفي كركوك… على الجبهة العسكرية تلعب بعض الدول الأوروبية (مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا) أقذر الأدوار في الوطن العربي وافريقيا (القرن الإفريقي خصوصًا) وأفغانستان، وتُشكل ألمانيا (مهما كان لون الحكومة السياسي) الدّعم الأكبر للكيان الصهيوني بعد الولايات المتحدة، وفي العراق أعلنت وزيرة الحرب في حكومة ألمانيا يوم الإربعاء 18 تشرين الأول/اكتوبر 2017  “تعليق مُهمة حوالي 130 ضابطًا من الجيش الألماني لتدريب قوات البيشمرغة الكردية في شمال العراق بسبب الصراع بين الأكراد والحكومة العراقية”، ولم تكن ألمانيا قد أعلنت صراحة انها تقوم بتدريب وتسليح هذه المليشيات (إلى جانب أمريكا والكيان الصهيوني)، وكتبت الصحف “إن ألمانيا حليف رئيسي لمليشيات العشائر الكُردية وقَدّمت الدولة 32 ألف قطعة سلاح من البنادق والمدافع الرشاشة فضلا عن أسلحة أخرى بلغت قيمتها نحو 90 مليون يورو منذ سبتمبر أيلول عام 2014 ويتمركز عشرات الضّبّاط من المخابرات العسكرية في مدينة إربيل للإشراف على تدريب مقاتلين أكراد”، وسَتُبْقِي ألمانيا على عشرات الضُّبّاط لمدة ثلاثة أشهر وسيواصل ضُبّاط المخابرات الألمانية تنفيذ سبع مهام أخرى منها تدريب وتجهيز المقاتلين الأكراد، وكانت ألمانيا تَتَعَلَّلُ بقتال تنظيم “داعش”، أما وقد انْتَفَتْ هذه الذريعة، فما الداعي لمواصلة احتلال جزء من العراق، بدل الإهتمام بفقراء ألمانيا الذين يتكاثر عددهم (راجع الخبر عن ألمانيا بهذا الشأن في نفس هذا العدد من نشرة الإقتصاد السياسي)…  عن رويترز (بتصرف وإضافات عديدة) 18/10/17

إقليم كردستان العرق: نَظّمت “منظمة كيفا إنترناشيونال للصداقة الكردستانية الإسرائيلية” لقاء في برلين (عاصمة ألمانيا، أكبر داعم للكيان الصهيوني) بين مُمَثِّلين عن إقليم كردستان العراق (أُسْرة بارازاني) منهم “جلشاد البرازاني” (ابن مصطفى وشقيق مسعود) ووفد برلماني صهيوني بمساهمة أحد العُملاء الفلسطينيين الذي عَمل في مكتب رئيس حكومة العدو المُحْتَلّ (منذر الصّفَدِي، من الجولان المُحْتلّ) الذي يرتَزِقُ من دولة الكيان الصهيوني التي أنْشَأت له مركزا “للبحوث الدبلوماسية” في تل أبيب، الذي اختصّ في صفقات السّمسَرة بين المخابرات الصهيونية وبعض المنظمات المتخفية تحت الطابع الإنساني و”الخيْرِي” والمنظمات الإرهابية في سوريا، ووعد مُمَثِّلو الكيان الصهيوني –خلال هذا اللقاء- ب” فك الحصار الجوي والعدوان، ودعم إرادة الشعب الكُرْدِي وحقه التاريخي بالإستقلال…”، وكان بعض العُملاء الصهاينة قد عملوا بنشاط من اجل فك عزلة الكيان الصهيوني، وكان لهم دور في سياسات التقارب بين دولة الإحتلال وبعض الدول ذات الأغلبية المسلمة في افريقيا مثل نيجيريا وآسيا الوسطى ومنها “أذربيجان” على الحدود الإيرانية، ويُبَرِّرُ الكيان الصهيوني وعُملاؤه هذا الدّعم القوي لبعض قيادات كردستان ب”ضرورة إفشال مخطط التَّمَدُّد الفارسي عبر الهلال الشيعي، وسنحثّ الدول الصديقة على التدخل لمنع التمدد الإيراني، وإجهاض مخططه الاستعماري، وسنمنعه من تحقيق حلمه بتدمير إسرائيل وكردستان”، والدول الصديقة هي دويلات الخليج والأردن ومصر، ولم يتعرض المتحدثون الصهاينة لدور تركيا أكان ذلك سَلْبًا أم إيجَابًا، وصَرّحَ دلشاد البرزاني: “إن صداقتنا مع إسرائيل ليست سِرًّا وهي صداقة قديمة وستستمر وستَتَعَزَّزُ، بعد أن خذلتنا أميركا والدول الحرّة بصمتها”، مع العلم ان جميع أسلحة مليشيات الأكراد هي أسلحة أمريكية وصهيونية تسلّمتها من أمريكا وألمانيا ودول الحلف الأطلسي ومن الكيان الصهيوني، فيما تُدرب القوات الخاصة الأمريكية والصهيونية والأمريكية هذا المليشيات…

نشأت مرحلة التمرد الكردي الحديث (1961) ل”مصطفى البرزاني” في العراق كحركة رجعية مُضادّة للثورة (ثورة 14 تموز/يوليو 1958) ضد الحكم الجمهوري للزعيم عبد الكريم قاسم -رغم “تنازلات” الحكم الجمهوري الجديد للأكراد باعتبارهم “شركاء في الوطن”- بدعم بريطاني وأميركي وإيراني، لأن عبد الكريم قاسم اعتبر الكويت أرضًا عراقية مَسْلُوبة ولأنه عارض احتكار امتيازات شركات النفط البريطانية… أما دعم الكيان الصهيوني فقد بدأ مع العلاقات التي أنشأتها الزعامات العشائرية التي عارضت اتفاق 10/02/1964 بين مصطفى البرزاني وسلطة عبد السلام عارف (منها إبراهيم أحمد وأنو شروان مصطفى وجلال طالباني)، قبل أن يصبح مصطفى البرازاني صديقًا للكيان والصهيوني ولمخابراته وعميلاً تُسَدِّدُ له المخابرات الأمريكية مِنَحًا ومساعدات دورية بداية من 1964 وقامت مليشياته بحماية زيارات رئيس الموساد “مائير عميت” (1963-1968) لشمال العراق مراراً، وللضابط “ديفيد كيمحي” الذي أصبح بالسبعينيات المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية الصهيونية خلال عقد السّبعينيات من القرن العشرين، وتعاونت مليشيات البرازاني كما الطالباني مع شاه إيران وكذلك مع أخْلاَفِه (الخميني ومن جاء بعده) وشكل الزعيمان رأس حربة الإمبريالية الأمريكية سنة 1991 ثم أثناء فترة الإحتلال المُباشر بداية من 2003، وارتكبت مليشيات “جلال الطالباني” (حزب الإتحاد الوطني الكردستاني) مجازر (منطقة “باشتاشان”، شمال العراق في أيار/مايو 1983) راح ضحيتها مئات الأعضاء من الحزب الشيوعي العراقي الذي سانده وقاتل معه ضد حكم حزب البعث (بعد انفضاض التحالف بين البعث والحزب الشيوعي)، كما شاركت مليشيات الطالباني والبرزاني في عمليات حربية إيرانية ضد الجيش العراقي أثناء الحرب (1980-1988)، ودعم الإحتلال الأمريكي مليشيات الحزبين لاحتلال مناطق غنية بالنفط، خارج إقليم كردستان، وترحيل السّكان الأصليين وممارسة “التّطْهِير العِرْقي”، اقتداءً بالأصدقاء والدّاعمين الأمريكيين والصهاينة… عن الموقع الكُرْدِي “كورد نامه” (المنبر الحر) + “الأخبار” 25/10/17 

 سوريا: تُعتَبَرُ “قوات سوريا الديمقراطية” قوات رديفة للإمبريالية الأمريكية وهي بمثابة القوات البرّية لجيش الإحتلال الأمريكي في سوريا (بتدريب وتسليح أمريكي) وتُغَطِّي الطائرات الأمريكية تقدم هذه القوات البَرِّيّة التي يُشْرِفُ عليها ويقودها ضُبّاط أمريكيون وفرنسيون وغيرهم من القوات الخاصة والمخابرات العسكرية، فيما تُزوِّدُها مراكز الإتصالات بالمعلومات الضرورية عن تحرّكات الجيش السوري وحلفائه (روسيا وإيران وحزب الله)، وكُلّما تقدم الجيش السوري لتحرير جزء من أراضي البلاد، سارعت الإمبريالية لتحريك مُرْتَزَقَتها لاحتلال المنطقة المُسْتَهْدَفَة، وبالأخص حين تكون ذات أهمية استراتيجية (على حدود العراق) أو اقتصادية (تحتوي على النفط والغاز) وتجمع منطقة “دير الزور” بين الخاصيتين فهي على الحدود مع العراق وهي غنية بالنفط، وأعلنت “قوات سوريا الديمقراطية” (“قَسَد”، وهي في الواقع مليشيات عشائر الأكراد) أنها سيطرت يوم الأحد 22 تشرين الأول/اكتوبر 2017 على حقل “العمر” في محافظة “دير الزور”، أحد أكبر حقول النفط السورية والذي يقع على الضفة الشرقية لنهر الفرات، بهدف قطع الطريق على الجيش النّظامي السوري الذي بدأ هجومًا ضد تنظيم “داعش” غربي نهر الفُرات، بعد سيطرة القوات النظامية على بلدة “الميادين”، وكانت أمريكا وحلفاؤها قد قطعوا طريق مدينة “الرّقة” على الجيش السوري، وخرجت المدينة من احتلال “داعش” لتقع تحت احتلال القوى الرَّدِيفة لأمريكا، فيما تحتل تركيا مدينة “إدلب” ومواقع عديدة أخرى شمال سوريا، بينما تعلن الصحف الأمريكية عن عشر قواعد عسكرية أمريكية شمال سوريا، فيما لم يَشُنْ تنظيم “داعش” أي هجوم على القوات الأمريكية، حتى بعد قرار أمريكا إنهاء دوره، وربما نَقْلِهِ إلى حدود الصين في “ميانمار” (بورما)… عن رويترز 22/10/17 

سوريا، قنابل أمريكية موقوتة: أشرنا مرات عديدة على صفحات “نشرة الإقتصاد السِّياسي” إلى استغلال الإستعمار والإمبريالية لتنوع وثراء المجتمعات في المشرق العربي، لتقسيم الشّعوب إلى طوائف و”أقلِّيات” بهدف نسف القواسم المُشتركة للشعوب وإحلال الولاء للطائفة والعشيرة والمذهب بَدَلَ الوفاء للطّبَقَة الإجتماعية أو للوطن، وتمكّنت الإمبريالية الأمريكية من إثارة النّعرات لتقسيم شعوب يوغسلافيا والقضاء على الدولة الإتحادية قبل تقسيم العراق إلى مذاهب دينية وإلى عشائر، وتستخدم حاليا أكراد سوريا، لنفس الغرض، بل أصبحت مليشيات أكراد سوريا (تحت غطاء “قوات سوريا الديمقراطية- قَسَدْ” التي لا يوجد عربي واحد في قياداتها أو في مراكز القرار) وكيلاً ومُنَفِّذًا لمخططات أمريكية، اقتضَت عقد صفقة مع “داعش” لإخلاء الرقة، والإتجاه نحو أرياف دير الزور، وبذلك انتشرت قوات “قسد” في أكثر من 28 قرية، دون قتال، وبدأت تطبيق مخططاتها المُعْتادة من “تَكْرِيد” الإدارة والتعليم والأمن والقضاء وغيرها من الخدمات فيما تستهدف مليشيات الأكراد حقول ومصافي النفط بدرجة أولى، ولم تتعرض الطائرات الحربية الأمريكية (باسم “التحالف الدولي”) إلى قوات “داعش” المُنْسَحبة، خلافًا لما حصل من تعطيلٍ لِانسحاب فيالق الإرهابيين وعائلاتهم من الحدود السورية اللبنانية وقصفها لتقويض اتفاق مُماثل (بين “داعش” والجيش السوري و”حزب الله”)، وبلغ التفاهم بين “قسد” و”داعش” حد قتال المليشيات الإرهابية الجيش السوري في حقل “العمر” النفطي الاستراتيجي قبل الانسحاب منه وتسليمه لأمريكا، عبر الأكراد الذين أصبحت مليشياتهم رديفًا للجيش الأمريكي وقياداتهم ناطقا باسم الإمبريالية الأمريكية…

 تُقدر احتياطيات حقل “العمر” بنحو مليار برميل من إجمالي الإحتياطي السوري المُقَدّر بملياري برميل، واتفق استراتيجيو “داعش” وأمريكا و”قسد” على منع الجيش السوري من السيطرة على حقول النفط ومن السيطرة على منطقة “وادي الفرات المفيد”، وتُنَفِّذُ مليشيات الأكراد (و”قَسَد”) -تحت إشراف أمريكي- استنزاف الجيش السوري في المواجهات مع “داعش” في التجمعات السكنية الكبرى وإِشْغَالِهِ، من أجل الاستيلاء على المرافق الحيوية حول نهر الفرات، وبلغ الأمر ب”المرصد السّوري”، (وهو صنيعة بريطانية ومُؤَسَّسَة يُشْرِفُ عليها الإخوان المُسلمون) إلى اتهام الأكراد و”داعش” بالتواطؤ ضد الجيش السوري في المعارك، من أجل الوصول إلى حقل “العمر” الإستراتيجي، وبينما كان “داعش” يقاتل الجيش السوري لمنعه من دخول الحقل، كانت “قسد” بِصَدَدِ الإستيلاء عليه من دون مقاومة، إضافة إلى انسحابات “داعش” المتتالية (والمُتّفَق في شأنها مُسْبقًا) على مختلف الجبهات أمام “قسد”…

 تُعِدُّ وكالة الإستخبارات المركزية ووزارة الخارجية الأمريكيتين مراجعات لا تزال بصدد الإعْداد  لاستراتيجية أمريكا بشأن “مرحلة ما بعدَ داعش” وبدأت تجربة وتنفيذ بعض هذه المراجعات في شرق سوريا، اعتمادًا على مليشيات الأكراد بعد فشل الإعتماد على عدد من المجموعات التي دَرّبت القوات الخاصة والمخابرات الأمريكية عناصِرَها في الأردن، ومنها “الجيش الحر” الذي اندثر اسمه حاليا من البروباغندا الأمريكية، وأثبتت هذه المجموعات عدم كفاءتها وعجزها عن خدمة مصالح أمريكا التي غيرت تكتيكاتها منذ تحرير مدينة حلب وريفها الشّرقي، وأصبحت تعتمد على مليشيات الأكراد التي كانت تَدّعِي انتماءها إلى “اليسار”، لكن تصريحات زعمائها تشِير إلى رجعيتها وعملاتها للإمبريالية وطموحاتها لخدمة الغُزاة، وقَدَّرت الصحف الأمريكية عدد ضُبّاط المخابرات والقوات الخاصة و”المُسْتشارين” الأمريكيين بأكثر من 6500 وعدد القواعد بما لا يقل عن عشرة فوق أراضي سوريا، حيث تنتشر مليشيات الأكراد في مناطق تَفُوقُ مساحتها خمسين ألف كيلومتر مربع، بهدف مَنْعِ الجيش السوري من تحرير أراضي سوريا المُحْتَلّة (من داعش أو من أمريكا أو من مليشيات الأكراد، ما الفَرْقُ؟)، وبالتوازي مع التبعية لأمريكا أصبح قادة الأحزاب والمُنظمات الكُرْدِية (بما فيها حزب العُمّال الكُرْدستاني) يُرَدِّدُون الدعاية السعودية في التهجم على إيران “التي يفوق خطرها على سوريا خَطَرَ تنظيم داعش” وفق “جوان إبراهيم” المسؤول السابق عن الإعلام في حزب العمال الكردستاني، أضف إلى ذلك مُخططات روسيا (“الصّديق” المُتَسَلِّط وغير المَضْمُون) التي تَرْعى مؤتمرًا في قاعدة حميميم (التي تحولت إلى مُستعمرة أو مُسْتَوطنة روسية)، أطلقت عليه “مؤتمر شُعُوب سوريا”، من شأنه تقويض أسس الدولة والأرض والوطن في سوريا، عبر تأسيس كيانات إقليمية هَشّة موالية لعدد من القُوى الإمبريالية مثل أمريكا والإقليمية مثل تركيا والسعودية، أي تنفيذ ما عجزت عن تحقيقه الحرب التي تجري منذ قرابة سبع سنوات، وتفتيت كافة دول المشرق العربي وربما السعي لتفكيك إيران أيضًا، ليكون الكيان الصهيوني أكبر المستفيدين من المشروع التّخْرِيبي الرّوسي الذي شَجّع الأكراد (المدعومين أمريكيا) على تقويض مؤسسات الدولة السورية في مناطق شمال شرق البلاد، إثر معارك عين العرب ومنبج والرقة (بدعم أمريكي مُسَلّح) تحت رقابة القواعد العسكرية الأمريكية في “رميلان” و”عين عيسى” و”مطار المالِكِيّة” وغيرها… يُعوّل قادة عشائر الأكراد على بقاء القوات الأمريكية في سوريا بعد دَحْرِ “داعش”، ومنع الجيش السوري من مواجة مليشياتهم، كما يُعَوِّلون على “التّسْوية” الملغومة التي يُعِدُّها النظام في روسيا لتقويض أُسُس الدولة المركزية في سوريا، وفي الميدان، ارتفع عدد رحلات طائرات الشحن العسكري الأميركي باتجاه مطار الرميلان، لتزويد “قسد” بالذخائر والأسلحة، استعداداً لمرحلة ما بعد “داعش”… اقتباسات بتصرف عن دراسة أنجزها “فابريس بالانش” ونشرتها جامعة “ستانفورد” + “الأخبار” 23/10/2017

سوريا، من التّعَلُّل الأمريكي ب”حقوق الإنسان” إلى تكريس الإحتلال المُباشر: بعد 30 شهرا من إعلان التدخل العسكري الأمريكي المُباشر في سوريا، بذريعة “مكافحة الإرهاب”، تحاول الإمبريالية الأمريكية خَلْقَ ذرائع أُخْرَى لترْسيخ احتلالها العسكري لمناطق من سوريا، رغم هزيمة “داعش”، وأصبحت تستخدم الإبتزاز باسم “إعادة إعمار سوريا” فيما أظهرت التجارب ان أمريكا بارِعَة في مجال التّخرِيب ولكنها لم تُساهم أبدًا في إعادة إعمار ما خربته على مر التاريخ، باستثناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية لمجموعة من الغايات في نفس يعقوب (الأمريكي)، والواقع إن طريقة انتشار القوات العسكرية الأمريكية وإنشاء العديد من القواعد وتسليح المليشيات العشائرية الكُرْدِية وزيادة عدد أفراد القُوات الخاصة الأمريكية كانت تمثل مؤشرات لإرادة البقاء في سوريا، وكانت وزارة الحرب الأمريكية “البنتاغون” قد أعدت خطة جديدة لنشر قوات إضافية من جيش البر، وقوات مارينز بسلاح ثقيل ووحدات “للتدخل السريع” ووحدات للمظَلِّيِّين، وإنشاء قاعدة جوية جديدة هي الحادية عشر في منطقة “رميلان” (محافظة الحسكة) شمال شرق سوريا، وتضم هذه القاعدة أسلحة نوعية منها أجهزة اتصالات وتشويش متطورة وأسلحة ومدافع مضادة للطائرات، وغيرها من الأسلحة المتطورة، وتتكتم الأوساط الرسمية عن عدد أفراد القوات الأمريكية ولكن العدد تجاوز 6500 بين جنود أمريكيين من كافة الأسلحة واستخبارات ومرتزقة يخضعون مباشرة للأوامر الأمريكية، وفق صحيفة “واشنطن بوست” التي كتبت تقريرًا عن حجم الدمار الهائل وارتفاع عدد الضحايا المدنيين، بعد تكثيف القصف الوحشي للطائرات الأمريكية (باسم “التحالف الدّولي”) على مدينة “الرِّقّة” التي تُريد أمريكا ضَمَّها إلى “مَمْلَكَة” عُملائها من “قوات سوريا الديمقراطية” (قَسَد) لترسيخ تقسيم سوريا الى كيانات متعددة، وتعظيم دور أمريكا – إما مباشرة وبواسطة عملائها- في تشكيل مستقبل سوريا بعد مرحلة “داعش” و”النّصرة” وأخواتها من أدوات التّدخل الإمبريالي، ووثّقَت الأقمار الإصطناعية الروسية التعاون المباشر بين “داعش” و”قسد” في الرّقة وفي المناطق التي توجد بها حقول النفط، بهدف قطع الطريق أمام الجيش النِّظامي السّوري، أي ان الإمبريالية الأمريكية تقود عمليات التقسيم وهيمنة مليشيات عشائرية على ثروات البلاد وقطع الطريق أمام أجهزة الدولة السورية (في مقدمتها الجيش) بالتعاون مع السعودية والإمارات (المتورطة في اليمن) بهدف منعها من السيطرة على أراضي البلاد… أين كل هذا من شعارات “حقوق الإنسان” و”الديمقراطية” التي ادعت الإمبريالية الأمريكية الدفاع عنها سنة 2011؟ البيانات الأصلية مُسْتَقَاة من قناة “فرانس 24” + تقرير نشرة “فورين بوليسي” (النسخة الإلكترونية) 18/10/17 – مركز الدراسات الأمريكية والعربية 20/10/17 

سوريا – التطبيع في زمن الحرب: إن الموقف من الإرهاب ومن القوى الإمبريالية ووكلائها ورفض تخريب سوريا (البلد والوطن والدولة) ليس صكًّا أبيض للنظام الحاكم في سوريا (ولا لحلفائه)، ولا يحجب الرؤية حول طبيعة هذا النظام الذي يتخذ بعض ممثِّلِيهِ مواقف مشبوهة أو تطبيعية، بينما يقصف العدو الصهيوني أراضي سوريا بشكل دوري وآخرها قصف مواقع الجيش السوري يوم الإثنين 16 تشرين الأول/اكتوبر 2017، أثناء تواجد وزير الدفاع الرّوسي في فلسطين المحتلة، لدى أصدقائه الصهاينة، وبعد حوالي شهر من العدوان الصهيوني المُباشر على منطقة “حماة”، وسط سوريا، إضافة إلى احتلال الجولان ودعم العدو علَنًا لفصائل إرهابية في سوريا، ولا يمكن فصل العدو الصهيوني عن الإمبريالية (الأمريكية بشكل خاص) التي تحتل أجزاء من سوريا، وأنشأت قواعد عسكرية (حوالي عشر قواعد أمريكية)… في هذا المناخ دَعَتْ وفود عربية مشاركة في “المهرجان العالمي التاسع عشر للشباب والطلاب” في سوتشي (روسيا) إلى “تعليق” مُشاركتها بسبب الدعوة التي وَجّهَتْها “الجهة المنظمة” (أي الدولة الرّوسية) لوفدٍ صهيوني ورفع علم الإحتلال في حفل الافتتاح، وعمد الوفدان اللبناني والفلسطيني إلى إنزال علم الإحتلال وإحراقه، لكن رئيس الوفد السوري المشارك في المهرجان رفض المقاطعة (وهو عضو في مجلس “الشعب”، أي نائب برلماني عن حزب البعث الحاكم في سوريا)، بل وشكر المنظمين على نجاح حفل الإفتتاح، ورفض المُشاركة في وقفةً احتجاجيّة نظّمتها الوفود المُقاطِعَة “لعدم الإضرار بالعلاقات مع روسيا”، ويشارك الوفد السوري في المهرجان  “نيابة عن المنظمات والهيئات الطلابية والشبابية في سوريا، وأهمّها: الاتحاد الوطني لطلبة سوريا، واتحاد شبيبة الثورة، واتحاد الشباب الديمقراطي السوري (الحزب الشيوعي السوري الموحد)، والشبيبة الشيوعية السورية (تنظيم خالد بكداش)، ومجلس الشباب السوري، وعدد من الجمعيات الشبابية الأهلية” وفقا للوكالة الرسمية السورية للأخبار “سانا”، في نفس الوقت الذي كانت الصواريخ الصهيونية تستهدف موقعاً عسكريّاً سوريّاً في ريف دمشق… عن “الأخبار” (بتصرف) 17/10/17

… أصَرَّ الوفدان اللبناني والفلسطيني على إنزال علم الكيان الصهيوني ومطاردة وفد المُسْتوطِنين ومنع أعضائه من الإقتراب من مكان المهرجان، بدعم من عدد من الوفود الأخرى، فاضطرت اللجنة المُنَظِّمة إلى رفع العلم الفلسطيني (لَيْلاً) وتخصيص يوم 18 تشرين الأول ليكون “يوم فلسطين” بدل “يوم الشرق الأوسط”، بعد إصرار إدارة المهرجان (أي السلطات الرسمية الروسية) طيلة يومين على رفع العلم الصهيوني ضمن أعلام الدول المشاركة، وكانت السلطات الروسية قد اعتقلت مُشارِكة لبنانية من “اتحاد الشباب الديمقراطي اللبناني” بسبب إنزال العلم الصهيونى من ساحة المهرجان وحرقه، وأطلق سراحها بعد إعلان انسحاب بعض الوفود العربية المشاركة في المهرجان…

سوريا، مرحلة جديدة من الحرب؟ احتل الجيش التركي (الحلف الأطلسي) “إدلب” مع تنظيمات إرهابية موالية لإيديولوجية الإخوان المسلمين، واحتلت القوات الخاصة الفرنسية والأمريكية (أي الحلف الأطلسي) “الرِّقَّة” مع “تحالف القوى الديمقراطية السورية”، وما هي ب”قوى ديمقراطية”، بل تحالف تهيمن عليه عشائر الأكراد المُدَرَّبَة والمُسَلَّحَة أَمرِيكِيًّا، وهي أداة أمريكا في شمال سوريا، ويُشير الإعلام الأوروبي والأمريكي إن تنظيم “داعش” لم يعد يُسَيْطِرُ سوى على 13% من الأراضي التي سيطر عليها سنتي 2014 و 2015 في العراق وفي سوريا، ولا يزال يسيطر على مناطق تقع على الحدود العراقية السورية منها دير الزور والبوكمال والقائم، والجدير بالذكر ان مسألة السيطرة على حدود سوريا -مع العراق والأردن وفلسطين المحتلة ولبنان- قضية جوهرية في هذه الحرب، ولكن ما الفرق أن يسيطر تنظيم “القاعدة-النّصرة” أو “داعش” (أدوات الإمبريالية) أو تُسَيْطِر الإمبريالية الأمريكية مباشرة أو قوات الحلف الأطلسي (تركيا أو فرنسا أو ألمانيا) على أجزاء من سوريا أو من أي رقعة في الوطن العربي والبلدان الواقعة تحت الهيمنة في افريقيا أو في آسيا؟…

من عادة الإعلام “الغربي” -أي الإمبريالي المُهَيْمِن- أن يُقدِّم الأحداث (أو ينتقي بعضَها) بشكل منفصل أو مُتَفَرِّق، بدون رابط بين مختلف الظواهر والأحداث، فقد تزامن دخول القوات الأطلسية العَلَنِي إلى “الرقة” مع صفقات عقدتها هذه القوات مع قادة منظمات الإرهاب لضمان سلامة الإرهابيين العراقيين والسوريين وقتل أكثر ما يمكن من الأجانب (الأوروبيين) الذين “لا يمكنهم مغادرة مدينة الرقة، لا نريدهم أن يفلتوا، لقد جاؤوا للموت وسيموتون هنا” وفق  “بريت ماكغورك” (مُمَثِّل أمريكا لدى ما سُمِّيَ “التحالف الدّولي”)، فيما صرح العقيد الأميركي “ريان ديلون”، الناطق الرسمي باسم نفس “التحالف”: “لا نُريد لا أسْرى ولا مُسْتَسْلِمين ولا تحرير المقاتلين الأجانب… لا نريدهم أن يعودوا أحياء إلى بلدانهم الأصلية ويتسببوا بمزيد من الرعب…” لذا يجب أن يموتوا -خارج إطار القضاء- (وهي عملية اغتيال) فَلاَ أسْر أو سِجْن أو مُحاكمة (ولا حقوق إنسان ولا هم يحزنون)، كما أعلن ناطق باسم الجيش الفرنسي “لا نريد أَسْرَى من الفرنسيين ولا نرغب في عودتهم إلى فرنسا”، خاصة وأن معظم العناصر التي التحقت بالمنظمات الإرهابية من أبناء الفُقَراء والمُهاجرين…

تزامنت هذه الأحداث المُتسارعة أيضًا مع إعلان “استقلال” إقليم كردستان العراق، لتحويل اهتمام الجيش ولتأجيل تحرير كامل البلاد من المنظمات الإرهابية وإلهاء الجيش العراقي في معارك داخلية، إضافة إلى إنذار إيران، وتزامنت كذلك مع “تعاطف” غريب ومَشْبُوه للإعلام الإمبريالي مع “مُسْلِمي الروهينغا” في ميانمار (بورما) بينما يتعامل نفس الإعلام من من يُصَنِّفُهُم “مُسْلِمِين” في أوروبا وأمريكا كأعداء ومُخرِّبين وغُزاة، ويُؤَشِّرُ هذا الإهتمام المشبوه إلى نقل جبهة الإرهاب نحو جنوب وشرق آسيا قريبًا من الصين التي بدأت تنافس الإمبرياليات الأمريكية والأوروبية واليابانية في مجال الهيمنة على العالم، عبر الإقتصاد…    

استغلت مليشيات الأكراد -التي تَغَلَّفَتْ بإسم “قسد” للتغطية على طابعها العشائري- معارك “الرّقة” الهادفة إلى منع الجيش السوري من تحرير أراضي البلاد، لتفتح جبهة جديدة قريبة من هناك، في ريف محافظة “دير الزور” (بدعم أمريكي طبْعًا)، بهدف السيطرة على المنطقة المحيطة بشركة “كونيكو” للغاز (كنا تناولنا في عدد سابق من نشرة الإقتصاد السياسي الأهمية الإقتصادية والإستراتيجية لهذه المنطقة) والتي تضم منشآت البنية التحتية لنقل الغاز والنفط، وتسارعت محاولات “قسد” للسيطرة عليها حال عبور الجيش السوري لنهر “الفُرات”، ودفعت الإمبريالية الأمريكية (والرنسية) بخبرائها وطائراتها لدعم حضور المليشيات الكردية في خط طويل من الجبهة يمتد من “منبج” إلى ريف “دير الزور” وفي منطقة “عفرين” لتهديد تقدم الجيش السوري نحو الأهداف الإقتصادية ونحو الحدود العراقية، وقد تتكرر العملية مع تقدم الجيش السوري شرقي نهر “الخابور”، حيث وجد حقل “العمر” النّفطي، وكانت روسيا (التي تمسك العصا من الوسط في محاولة لخلق علاقات “متوازنة” مع عشائر الأكراد ومع النظام) قد أشرفت على اتفاق بين النظام ومليشيات الأكراد لإدارة وتشغيل حقول نفط “رميلان” ومصنع غاز الجْبِسة في “الشدادي” (ريف محافظة “الحسكة”)، فيما تسعى الإمبريالية الأمريكية وحلفاؤها إلى تحويل مناطق “خفض التّوتّر” إلى مناطق منفصلة عن سوريا… عن “الأخبار” + وكالة “سبوتنيك” (بتصرف) 20/10/17 

سوريا في مخطط “الشرق الأوسط الكبير” (أو “الجديد”): غَيَّرت الإمبريالية الأمريكية من خططها (تكتيكاتها) عدة مرات منذ بداية الحرب على سوريا، وآخرها في شمال سوريا، خاصة بعد استعادة الجيش العراقي مدينة الموصل، القريبة من الحدود مع سوريا، وأصبح الجيش الأمريكي يعتمد على مليشيات الأكراد على الأرض بدعم من الطائرات الحربية الأمريكية في الجو، ودخلت أمريكا وحلفاؤها في سباق مع الجيش السوري، لعرقلة حركته (على أرض سوريا) من أجل تحرير أو استعادة مناطق في شمال وشرق البلاد، وهكذا احتلت أمريكا مدينة الرّقة، بعد طرد تنظيم “داعش” منها، ويَأمَل الجيش الأمريكي أن تُصْبح مدينة الرّقة نموذجا لتقسيم سوريا وتفتيتها إلى أقاليم وكيانات لا رابط بينها سوى التبعية لأمريكا وحلفائها، لتستنسخ قوات الإحتلال الأمريكية هذه التجربة في المناطق الأخرى مثل “دير الزور”، وإجمالي المناطق الحدودية في شمال وشرق البلاد، وربما في جنوبها على حدود فلسطين المحتلة والأردن، وأعلن ممثلون عن مليشيات الأكراد تولِّي “مجلس مدني” حكم المدينة، يتأَلّف من شيوخ العشائر ومن أعيان المدينة الذين تعاونوا مع قوات الإحتلال الخارجي (بقيادة الجيش الأمريكي) والداخلي (بقيادة مليشيات الأكراد) بهدف عودة الخدمات الأساسية وإعادة بناء المدينة التي انهارت مبانيها وطرقاتها وبنيتها التحتية بنسبة 80% وفق تقرير للأمم المتحدة، بفعل ما لحقها من تخريب الإرهابيين ومن قصف الطائرات الأمريكية، تحت لواء “حلف شمال الأطلسي” (ما مُبَرِّر وجود قُوَات هذا الحلف في سوريا أو في أفغانستان الواقعة خارج منطقة “شمال الحلف الأطلسي”؟)… قدرت الأمم المتحدة إن تنظيف المدينة من الألغام ومن الأنقاض قد يستغرق أكثر من ستة أشهر، وقد تكون تكلفة إعادة الإعمار باهضة لأن نحو 80% من مباني المدينة غير صالحة للإستخدام أو السكن، مع غياب البنية التحتية والنقص الكبير في الغذاء والدواء والكهرباء ومياه الشرب والحاجيات الضرورية والاساسية، وتتخوف الأمم المتحدة من تفشِّي الأمراض ومن أخطار المياه القذرة الراكدة والجثث والأوساخ التي تملأ الشوارع، وستحتاج عملية إعادة الإعمار “استثمارات ضخمة لإعادة بناء المنازل والمستشفيات والمدارس المدمرة (أو المُغلقة منذ ثلاث سنوات) وإزالة الألغام قبل أن يتمكن الناس من العودة إلى ديارهم بأمان”، وفق الأمم المتحدة… بلغ سُكّان مدينة الرّقّة قبل الحرب (سنة 2011) 220 ألف نسمة، ونزح نحوها حوالي خمسون ألف شخص من المناطق المجاورة خلال السنوات الثلاثة الأولى من الحرب، ولكن معظم سكانها نزحوا منها في مرحلة أولى عند احتلال “داعش” وفي مرحلة ثانية عندما عمدت الطائرات الأمريكية إلى قصف المدينة بهدف تخريب ما تبقى منها، وتُشرف أمريكا وحلفاؤها على اجتماعات بين “المانحين” والسلطات المحلية والمنظمات غير الحكومية (في عملية تَغْييب مقصودة للدولة وأجهزتها)، وترفض أمريكا (كعادتها) تحمُّل أعباء إعادة بناء ما تُخرِّبُه قنابلها، بينما تعهد الإتحاد الأوروبي بتقديم ثلاثة ملايين يورو لعمليات ازالة الالغام في حين تعهدت واشنطن وحِلْفُها “بمساعدة مشاريع قصيرة الاجل و ذات تأثير سريع”، دون تحديد مبلغ أو طبيعة هذه “المُساعدات” عن أ.ف.ب (بتصرف وإضافات عديدة) 20/10/17

سوريا، اقتصاد الحرب: تضطر كافة الدول للتعامل بالدولار، بسبب هيمنة الإمبريالية الأمريكية على العالم (عسكريا وسياسيا) وهيمنتها على النظام المصرفي العالمي وفرض الدولار في المعاملات بين الدّول، ويتوقف سعر صرف الدولار على حجم موازنة كل دولة وميزان المدفوعات (إجمالي العائدات وإجمالي المصروفات) والميزان التجاري (الفارق بين قيمة صادرات وواردات الدول)، واخْتلَّتْ جميع الموازين في سوريا بسبب الحرب، منذ 2011 وتأثر اقتصاد البلاد بالإرهاب وبالدعم القوي للمنظمات الإرهابية من الإمبريالية الأمريكية وحلفائها، فانخفضت إيرادات الدولة، وانخفض إنتاج النفط والإنتاج الزراعي ولم تتجاوز قيمة الصادرات 300 مليون دولارا سنة 2014، مع انخفاض إيرادات السياحة، فيما ارتفع عدد المعابر الحدودية المُغْلَقَة، ونزح ملايين السوريين داخل البلاد وهاجر ملايين آخرون  وخارجها نحو الدول المجاورة وأوروبا، وانخفض سعر الليرة من أقل من خمسين ليرة مقابل الدولار إلى قرابة 600 ليرة مقابل الدولار، لكن العملة المحلية بدأت تستعيد عافيتها ببُطْءٍ شديد، منذ الهجوم المُعاكس للجيش السوري وحلفائه (روسيا وإيران وبعض القوى غير الحكومية الأخرى) بداية 2015 وأَثَّر استرجاع الجيش السوري (والدّولة) أراضي كانت تحتلها القوى الإرهابية فتحسنت الدورة الاقتصادية قليلاً منذ 2016 بعد استعادة الدولة بعض آبار النفط، وتوفُّر الكهرباء لفترة أطْول من ذي قبل، وعودة وسائل النقل، وكلما تحسن وضع الإقتصاد تحسن سعر صرف الليرة، ويتوقع أن ينخفض سعر الدولار من حوالي 500 ليرة حاليا إلى 350 ليرة سنة 2018، بعد السيطرة الحكومية على أراضي جديدة ومحافظات نفطية في شمال شرق البلاد، باستثناء الرقة التي تحتلها أمريكا وحلفاؤها وإدلب التي تحتلها تركيا، وبعض المناطق الأخرى التي تحتلها مليشيات الأكراد بدعم أمريكي وأوروبي، واستعادت الدولة أيضًا مصانع الفوسفات، واتفقت مع روسيا على تخصيص خط بحري بين سوريا و روسيا وتوفير طائرات لنقل الصادرات، ما قد يُعَزِّزُ رصيد المصرف المركزي من النقد الأجنبي…  عن وكالة “سبوتنيك” 18/10/17 

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.