قراءة في كتاب: “تكنولوجيا اللاعنف: مواقع التواصل الإجتماعي والتصدي للعنف”، لمؤلفه جوسيف ج. بوك عرض: ليث مسعود

تكنولوجيا اللاعنف: مواقع التواصل الإجتماعي والتصدي للعنف

The Technology of Nonviolence: Social Media and Violence Prevention

تأليف: جوسيف ج. بوك     

عرض: ليث مسعود

تكنولوجيا اللاعنف، هذا الكتاب يقع في 207 صفحة من القطع المتوسط، متضمنا إثنا عشر فصلاً، عدا المقدمة والملحقات، من تأليف جوسيف ج. بوك، محاضر جامعي ، وناشط في قضايا حل النزاعات؛ حيث قاد وأشرف على أربع عشرة حملة تابعة للمؤسسة الكاثوليكية للإغاثة “Catholic Relief Services”، في أربع عشرة دولة منها فلسطين المحتلة، باكستان، ليبيا، العراق، كوسوفو، البوسنة، كرواتيا…إضافة إلى عمله كاستشاري لدى المؤسسة الآسيوية لإدارة الصراع “Asia Foundation on conflict management”، في سيرلنكا، وتايلند، والنيبال…إضافة إلى برامج عمل عليها في أميركا منها الحد من نفوذ العصابات في ولاية تشيكاغو، كما . أما أبحاث الكاتب فهي في مجال إدارة وحل الصراعات؛ وهذا الكتاب الذي نقدمه يبحث دور التكنولوجيا في إدارة وحل الصراعات.

 

تتعدد أسباب الصراعات داخل المجتمعات البشرية، فمنها الديني، الحزبي، القومي…إلخ، واليوم نحن نشهد في هذا الوطن العربي، مثالاً حياً على الحروب الأهلية والعنف القائم على أسباب دينية، وهنا تكمن أهميّة الإطلاع على هذا الكتاب، وترجمته للغة العربية؛ حيث أنه يبحث أسباب العنف الديني، واستغلاله لمصالح سياسيّة أو اقتصادية…أما موضوع الكتاب الأهم فهو مدى فعالية استخدام الثروة المعلوماتية الموفّرة بفضل التكنولوجيا…في الفصول المتقدمة من الكتاب يصحبنا الباحث في رحلته البحثية، رحلة عاشها بشخصه أو جمع معلوماتٍ عنها من زملاء له في مؤسسات أخرى…

 

تجارب تكنولوجية

 

تكمن فعالية استخدام التكنولوجيا وتقنيات الإتصال الحديثة للتنبوء بأعمال العنف قبل وقوعها؛ وذلك لأن المعلومات أصبحت تقدم مجاناً، وطواعية، ومن السهل جداً الحصول عليها؛ وذلك باستخدام نظام الـ”crowd sourcing؛ الذي يعمل على جمع المعلومات من خلال الحشود على الانترنت، فاليوم أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي، أسهل وسيلة للتنبؤ بتوجهات المجتمع، وحتى معرفة ما إذا كان هنالك تنظيم لمظاهرة ما على أرض الواقع؛ فيمكن للدولة حينها أن تستعد للتصدي المسبق أو لاحتواء الموقف… يطرح الباحث في كتابه مثالاً على هذا النظام موقع “Ushahidi”، الذي أطلقه مجموعة من الصحافيين المراقبين لأعمال العنف في كينيا أوائل العام 2009م، وذلك بعد انتشار أعمال العنف، وتقييد السلطات الكينية لوسائل الإعلام، والإعلاميين فأصبحت تبث فقط ما تسمح به الدولة، وبهدف التخلص من سيطرة السلطات ونقل الحقيقة، جعل الموقع مجالاً مفتوحاً للجميع؛ أن يرسلوا إفاداتهم عن الأحداث المحيطة بهم وذلك بإرسال الخبر إلى الموقع مباشرة، أو من خلال أرقام مخصصة لرسائل الـ”SMS”، أو الإتصال المباشر؛ يعمل طاقم الصحفيين على التأكد من الأخبار الواردة، سواء من مصادر موثوقة في الأماكن المبلّغ عنها، أو من خلال مطابقة عدة إفادات متشابهة، ثم ينشر الخبر على الموقع مع تحديد المكان على خارطة تفاعلية تظهر المكان والزمان، إضافة إلى إمكانية تأكيد صحة الخبر في حال كان ضعيفاً؛ ففي حال لم يتمكن الفريق من التأكد من صحة الخبر، يشير إلى أن هذا الخبر ضعيف، فإما أن يؤكد عليه سكان المنطقة أو ينفونه. 

 

وفي مثال آخر لإثبات مدى فعالية التكنولوجيا عند استغلالها لحل الخلافات قبل أن تتحول لأعمال عنف، في إفريقيا كانت خلافات تنشب ما بين قبائل متعددة، وتصل الخلافات لدرجة الإقتتال؛ فيحصل أن يتعدى قطيع من البقر على حقل أحد المزارعين من قبيلة ما، أو أن تسرق بقرة من القطيع، فكان الحل بزرع شرائح إلكترونية أسفل الجلد في كل بقرة، وإعطائها أرقاماً تمكن فِرق الحفاظ على النظام التعرف على البقرة ومالكها وما إذا تعدى القطيع على منطقة مملوكة لقبيلة أخرى؛ فأصبح من السهل على الفرق النظامية التدخل إما لمنع حدوث أي تعديات، أو لحل خلافات على أمور كالسرقة…وفي مثالٍ آخر في مدينة شيكاغو في الولايات المتحدة، وهي مدينة معروفة بكثرة العصابات والجرائم المختلفة، عمل فريق من مؤسسة غير حكومية، بالتعاون مع الحكومة الأميركية على نظام متكامل للحد من نسبة الجريمة، وأهم ما يمكن ذكره هنا هو استخدام التطور التكنولوجي لتحقيق هذا الهدف؛ عملت المؤسسة بالتعاون مع الشرطة على تجنيد رجال عصابات سابقين؛ يقدمون الإرشادات والنصائح من خلال لعبة الكترونية على الإنترنت (online game)، يمكن لأي شخص الدخول إلى هذه اللعبة بشخصية إفتراضية واسم افتراضي (محاكاة الواقع)، ومن خلال اللعبة تعقد جلسات توعوية عامة، ويمكن لأي شخص أن يطلب اجتماعاً فردياً، للحصول على إرشادات إضافية، وبهذه الطريقة أصبح من الممكن التعاون مع الشرطة، والتخلص من العمل لدى عصابة دون أن يتعرض أحد للأذى.

 

أسباب الصراعات وأعمال العنف، الهند مثالاً

 

لإشعال حريق تحتاج شعلة ومادة قابلة للاشتعال إضافة للأكسجين، وهكذا هي الصراعات تحتاج لتوافر ثلاثة عناصر:

 

  • التاريخ العدائي؛ أي أن يكون هنالك تاريخ من العدوانية ما بين قوميّتين، ديانتين، طائفتين…فأي صراع يحتاج لهذا العنصر الأساسي؛ ففي حال كان الهدف سياسي، يمكن أن يتم خلق تاريخ عدائي خلال فترة تؤدي مستقبلاً لاشعال الصراع؛ في الهند توجد عدة ديانات في منطقة واحدة بتناغم، إلاّ أن كلّ ديانة تلغي الديانة الأخرى أو تعتبرها ضالّة، فما يحتاجه المستفيدون من الصراع هو خلق العداء؛ وذلك بنشر شائعات مختلفة ما بين أتباع الديانات، وفي هذه الحالة تاريخ العداء لن يأخذ وقتاً، لأن الدين في هذه الحالة يُتخذ كما ولو أنه الممثل القومي والشخصي للفرد؛ فأي اعتداء عليه هو اعتداء على الفرد.

 

  • فترة الهدوء (التحريض)؛ وهي بحسب ما خلص إليه الباحث لا تتجاوز عدة أيام بحسب الإحصاءات، وهي الفترة التالية للتذكير/خلق التاريخ العدائي؛ حيث يصبح الحشد في انتظار قائدٍ يوجّه ويعزز العداء تجاه الطرف/الأطراف الأخرى، فإذا ما نشر خبر بأن إحدى الديانات اعتدت على أخرى، سيكون دور التحضير منوطاً برجال الدين لتوجيه الأتباع؛ لأن يقاتلوا في سبيل الدفاع عن الديانة.

 

 

  • مرحلة الصراع (العنف)؛ إذا ما اجتمع العنصر الأول والثاني فإن الناتج هو استخدام العنف للدفاع عن الديانة، الطائفة، القومية، وناتجه خسائر مادية وبشرية… أما من يحصد ناتجها فهم مشعلوها، ففي الحالة الهندية، تٌشعل الفتن في الأحياء الفقيرة المقامة على أراضي تملكها الدولة؛ لأن الحكومة لا تسمح بتخصيص هذه الأرض أو استملاكها مادام هؤلاء يسكنونها، أما بعد إشعال الفتنة ما بينهم تضطر الدولة لإخلاء المنطقة، فيتم استملاكها وإنشاء مشاريع رأسمالية مكانها، وحال الأمة العربية أشبه بالحالة الهندية إنما هي على مستوى دولي…

 

الآلة لا يمكنها أن تحل محل البشر

 

لا يمكن فصل الآلة عن الإنسان مهما بلغ الذكاء الاصطناعي درجاته؛ إذا ما كنا نتحدث عن تقدير أحداث في مجتمع بشري، فرغم الحلول التكنولوجية وأنظمة جمع المعلومات المتطورة، تبقى تقديرات الآلة محدودة، فأنظمة الرقابة التي تعمل على جمع البيانات وتحليلها، تحلل الحدث بناء على مفردات معينة فمثلاُ تعتمد حالة وجود كلمة “مولوتوف”، على أن هناك أعمال عنف من درجة خطرة، وفي حال كانت الكلمات المجموعة مظاهرات، ستحلل على أنها مظاهرات سلمية لا عنف فيها، ثم ترسل هذه البيانات لجهاز الشرطة المركزي، فيعتمد جهاز الشرطة وجود خطر في المنطقة المحددة ويطل تأكيداً من أحد العناصر المنتشرين في تلك المنطقة لإعطاء تقديرٍ صحيح للموقف، وفي حالاتٍ أقل تطوراً تكون التكنولوجيا كافية فقط كوسيلة اتصال ما بين المراقبين ومركز القيادة.

 

التنبؤ ليس كافياً لحل الصراع..

 

أن نتنبأ بحدوث أعمال العنف، أو أن يصلنا تحذير مسبق، لا يعني أن المشكلة قد حلّت، وهذا ما يمكن استقاؤه عند مرورك بالأمثلة التي يطرحها الباحث من تجاربه الشخصية، أو التجارب التي نقلها عن زملائه؛

 

  • التخفيف من حدة مشاعر الكراهية تجاه الآخر؛ ضحد مبررات القيام بأعمال عنف أو اعتداء ضد الطرف الآخر، ففي الحالة الدينية/الطائفية، لا بد من تفنيد مبررات تحليل قتل الآخر على أساس الديانة والطائفة.

 

  • تغيير الأفكار النمطية عن الطرف الآخر؛ أي تغيير الفكر الذي جاء مبنياً على التاريخ العدائي ما بين الطرفين/الأطراف.

 

  • التقليل من الشعور بالتهديد من الطرف الآخر؛ شعور التهديد أو الخوف من أحد الأطراف يدفع إلى التفكير الفطري بالعدائية تجاه المهددات لإزالتها؛ وفي الحالات الموجودة في واقعنا؛ شعور طائفة بالتهديد من طائفة أخرى ما يجعل الشعور بالعداء يطغى على التفكير.

 

  • التوعية بمخاطر الدخول في أعمال العنف؛ في حالة الشعور بالتهديد والعدائية وتوافر الشروط السابق ذكرها فإن التفكير بالعواقب يكون ضئيلاً؛ لذا لا بد من التذكير بأن عواقب أعمال العنف والإقتتال لن يكون لصالح أيّ من الطرفين، ففي الحالة الهندية كانت النتيجة هي التهجير والضحايا بالأرواح لا أكثر!، وهذا ما يحدف في وطننا العربي اليوم.

 

  • وضع عدة خيارات أمام الطرف/الطرفين للتصرف في حال اندلعت أعمال العنف؛ في حال اندلعت أعمال العنف أو حرب أهلية، لا بد من وجود خيارات أمام من هم خارج هذه الدوّامة، حتى لا يتم إقحامهم فيها؛ أي تقليل الأطراف المتصارعة قدر الإمكان ما يحدّ من شدتها او انتشارها.

موقف إنساني في عالم يفتقر الإنسانية..

 

يتطرق الباحث خلال سرده لما مر به خلال تجربته الطويلة لأحداث عديدة مبتعداً عن موضوع البحث كأنما يريد اصطحاب القارئ إلى عالمه؛ فيقصّ ما حدث معه في الصومال عام 1993م، حيث كان يعمل لدى مؤسسة إغاثية وأرسل ليرافق فريقاً من الأمم المتحدة يعملون على توزيع المساعدات الغذائية المرسلة منها… تقدمت إمرأة ومعها طفلها يعانيان من مرضٍ شديد يتسبب بتقرحات في الجلد، طلبا المساعدة من جوزيف، فكان الرد من صديقه المسؤول عن حملة المساعدات بأن مهمتنا هنا هي إيصال الغذاء والماء لا المساعدة الطبيّة، ولا يوجد عيادات طبية في هذه المنطقة…وعند سؤاله ماذا سيحلّ بالمرأة وطفلها؟، رد صديقه “في الغالب سيموتان”، هكذا ببساطة ترسل الأمم المتحدة مساعدات غذائية إلى منطقة تعاني من المجاعة والتي بديهياً يرافقها انتشار الأوبئة…عندها تذكّر إرشادات المؤسسة له قبل أن يذهب في هذه الرحلة “ضع قلبك في جيبك الخلفي”.

 

تجنّب السياسة…

 

رغم توسع الباحث في العديد من الأمور وتفصيلها إلّا أنه في بداية بحثه أكد على أنه سيتجنب الخوض في السياسة، لكنه في نهاية البحث بدى وكأنما يتراجع عن موقفه حيث أورد مثال مجازر جمهورية رواندا؛ حيث وقعت المجازر على مرأى قوات حفظ السلام التابعين للأمم المتحدة، الذين بدورهم أبلغوا هيئة الأمم بضرورة التدخل، إلا أنهم لم يتلقوا أمراً بالتدخل!، {علماً بأن فرنسا كان بإمكانها إيقاف هذه المجازر، دون تدخل الأمم المتحدة}… وقعت هذه المجازر على مرأى العالم وبعلم المجتمع الدولي وراح ضحيتها 800ألف شخص.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.